يُعد اليمن أحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه في العالم، حيث لا توفر موارد المياه المتجددة حاليًّا سوى 75 مترًا مكعبًا للفرد سنويًّا -أي دون عتبة ندرة المياه. وينخفض هذا القدر من المياه انخفاضًا مطردًا. يُعد القطاع الزراعي في اليمن المستخدم الرئيسي لموارد المياه الجوفية، حيث يستهلك حوالي 90% من إجمالي الاستهلاك. وبما أن الوقود اللازم لتشغيل المضخات أصبح شحيحًا ومكلفًا للغاية بسبب الأزمة الحالية، بدأت الطاقة الشمسية تُستخدم في استخراج المياه الجوفية لأغراض الري. ولكن هناك قلق بشأن إساءة استخدام هذه التقنية الجديدة. تبحث هذه الدراسة في التوجه الحالي لاستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في حوض صنعاء، وتحدد إيجابيات وسلبيات هذا النهج. تستعرض الدراسة أيضًا وجهات نظر المزارعين والخبراء فيما يتعلق بما يحدث وما يجب القيام به لتعظيم فوائد نظام الري بالطاقة الشمسية والتقليل من آثاره السلبية. أظهرت نتائج هذه الدراسة أن معدل تركيب واستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية يتزايد بمعدل يزيد عن 4% سنويًّا. أعرب المزارعون الذين تم التحدث إليهم عن تحمسهم لاستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية، وذكروا أن تكلفة رأس المال (الأصول) هي أكبر عقبة أمام حصولهم على هذه التقنية. تقترح هذه الورقة توصيات تتعلق بحوكمة وسياسات إدارة المياه بشكل عام، والدراسات المستقبلية، وتنظيم استخدام المياه الجوفية للري بالطاقة الشمسية بشكل خاص. سيساعد وضع السياسات المناسبة لضخ المياه بالطاقة المتجددة في الحفاظ على مصادر المياه الجوفية والحفاظ بشكل مستدام على سبل العيش.
شهد اليمن اضطرابات منذ سنوات عديدة، حيث عانى من صراعات أهلية وحروب وتدهور اقتصادي واستنزاف شديد لموارد المياه.[1] يساهم الجفاف ومحدودية موارده المائية وسوء إدارة المياه والاستغلال المفرط لها في انعدام الأمن المائي في اليمن. كما كان للحرب الجارية تأثير كبير على استخدام المياه وأداء قطاعي المياه والري.[2] أضف إلى ذلك أن عدم الاستقرار المستمر في البلاد تسبب في آثار سلبية على توافر الوقود والكهرباء، وهما مصدري الطاقة المستخدمين عادة لاستخراج ونقل المياه الجوفية. وبالتالي، أصبح الوصول إلى موارد المياه أكثر صعوبة وأصبحت خدمات المياه أقل موثوقية. لذا بدأت الطاقة الشمسية بلعب دور في توفير المياه لمختلف مستخدميها، ومن بينهم المزارعون الذين يعتمدون إلى حد كبير على المياه الجوفية في أنشطتهم الزراعية. تتجاوز هذه الورقة العموميات وتبحث بالتفصيل في الاستخدامات الحالية لنظام الري بالطاقة الشمسية والتأثير المحتمل له على استدامة استخدام المياه الشحيحة في اليمن.
ركزت هذه الدراسة على حوض صنعاء، الذي يمثل نقص المياه فيه من الاشكالات الكبيرة. من بين جميع العواصم العالمية، غالبًا ما صُنفت صنعاء على أنها العاصمة الأكثر احتمالية لنفاذ المياه قبل غيرها.[3] من المهم أن نتذكر أن الهيدرولوجيا في اليمن تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، وبالتالي لا يمكن افتراض أن النتائج المتعلقة بصنعاء تنطبق على الأحواض والمناطق الأخرى. ومع ذلك فهناك بعض المبادئ والتوصيات العامة التي تنطبق على جميع أنحاء البلاد، ولكن بالطبع يجب أن تكون الاستراتيجيات والسياسات التفصيلية مخصصة لكل حوض ومنطقة.
لم تعالج أي من السلطات الرسمية وسياساتها واستراتيجياتها ذات الصلة ومن بينها وزارة الكهرباء والطاقة، ووزارة المياه والبيئة، ووزارة الزراعة والري والثروة السمكية القضايا ذات الصلة باستخدام الطاقة الشمسية في اليمن.[4] هناك عدد قليل من الدراسات حول الطاقة الشمسية للاستخدام المنزلي،[5] ولكن هذه الدراسات لم تتطرق كثيرًا إلى استخدام هذه التقنية لاستخراج المياه للزراعة. تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2019، هو الدراسة الوحيدة حتى الآن التي ناقشت استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن، وقد حدد التقرير المزايا الإيجابية لذلك النظام وأوصى باستخدامه، ولكنه لم يذكر سوى القليل عن تأثيره المحتمل على مصادر المياه الجوفية.[6]
إحدى القضايا الرئيسية في إدارة المياه باليمن تتمثل في استخراج المياه الجوفية بشكل مفرط، ما يهدد قابلية الحياة في أجزاء كثيرة من البلاد مع تضاؤل وفرة المياه. إحدى المشاكل التي يواجهها المخططون تتمثل في الغياب التام للسياسات واللوائح الخاصة بإدارة تقنيات الطاقة الشمسية الجديدة المستخدمة لاستخراج المياه، كما يتوجب عليهم أيضًا التعامل مع عدم وجود تحليل مفصّل يعتمد على بيانات ميدانية فعلية لنظام الري بالطاقة الشمسية. تساهم هذه الورقة في تقليص هذه الفجوة. إذا ظلت مشكلة الاستخراج المفرط للمياه دون معالجة، فإن التدهور المتزايد في وفرة المياه سيجعل الحياة في أجزاء من البلاد أكثر صعوبة، إن لم يجعلها مستحيلة. مع تزايد الطلب على نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن ونظرًا لقدرة نظام الري بالطاقة الشمسية على أن يمثل حلول طاقة نظيفة بأسعار معقولة؛ تهدف هذه الورقة إلى اقتراح توصيات للحوكمة ونهج للمانحين/ الممولين لإدراك وفهم استخدامات المياه الجوفية بنظام الري بالطاقة الشمسية وتنظيمها.
يبلغ عدد السكان في اليمن نحو 29 مليون نسمة، 70% منهم يعيشون في المناطق الريفية، ويعتمد أكثر من 50% منهم على الزراعة. لا توجد في اليمن بحيرات أو أنهار دائمة، وبالتالي تُعد الأمطار والمياه الجوفية هي المصادر الرئيسية للمياه في البلاد. تشير التقديرات إلى أن الزراعة تستخدم 90% من موارد المياه الجوفية في اليمن، على الرغم من أنها تولّد أقل من 20% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.[7]
يعاني اليمن من شح شديد في المياه، حيث انخفض معدل توافر المياه للفرد انخفاضًا مطردًا خلال العقود الماضية مع زيادة عدد السكان. انخفض الحجم السنوي للمياه المتجددة للفرد من 221 مترًا مكعبًا عام 1992 إلى 80 مترًا مكعبًا عام 2014 و75 مترًا مكعبًا عام 2017؛[8] المعدل الأخير لا يمثل سوى أكثر بقليل من واحد في المائة من المتوسط العالمي للفرد (5,925 متر مكعب) و14% من متوسط نصيب الفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (554 متر مكعب). يشير المنحنى المائي في اليمن على مدى العقود الثلاثة الماضية إلى أن نصيب الفرد من المياه المتجددة قد ينخفض إلى 55 مترًا مكعبًا بحلول عام 2030.
وفقًا لمؤشر الاجهاد المائي Falkenmark المعترف به دوليًّا، تحدث ندرة المياه المطلقة إذا انخفض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًّا، وهذ الرقم هو ما يساوي تقريبًا سبعة أضعاف الوفرة الحالية للمياه في اليمن. كمية المياه التي يستخدمها اليمن سنويًّا منذ بداية هذا القرن تتجاوز المياه المتجددة التي يمكن أن تعوضه امداداته بمقدار الثلث، ففي عام 2010، بلغ حجم الاستخراج 3.5 مليار متر مكعب بينما كان حجم المياه المتجددة 2.1 مليار متر مكعب. غُطي النقص البالغ 1.4 مليار متر مكعب عن طريق ضخ المياه من طبقات المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة باستخدام تقنيات الضخ الحديثة.[9] انخفضت مناسيب المياه الجوفية بشدة، ما جعل البلاد في حالة ندرة مياه شديدة. فعلى سبيل المثال، كان منسوب المياه الجوفية في حوض صنعاء على عمق 30 مترًا في السبعينيات، لكنه انخفض إلى ما بين 200 و1,200 متر بحلول عام 2012.
هناك ثلاثة أسباب رئيسية لندرة المياه في اليمن. أولًا، أدى النمو السكاني السريع، الذي يبلغ متوسطة 3% سنويًّا، إلى زيادة الطلب على المياه وبالتالي تقليل نصيب الفرد من المياه على مر الأجيال. وثانيًّا، أدى إدخال المضخات التي تعمل بالديزل وتقنية حفر الآبار الأنبوبية للري في القرن الماضي إلى التأثير على استخدام أنظمة حصاد مياه الأمطار التقليدية ومكّن من استخراج المياه الجوفية بنسبة أعلى بكثير من مستويات تغذيتها. وأدى ذلك إلى توسّع المناطق الزراعية واستنزاف طبقات المياه الجوفية. ثالثًا، تجلى تغيّر المناخ في تزايد هطول الأمطار الغزيرة جدا وغير المنتظمة وظواهر مناخية أخرى تؤثر على توافر المياه. أدت أنماط هطول الأمطار غير المنتظمة إلى تقليل تجدد طبقات المياه الجوفية، حيث أن فقدان التربة العلوية يمنع امتصاص تدفقات المياه، خاصة بعد تدهور المدرجات الزراعية وأنظمة الري بالسيول التقليدية بسبب نقص الصيانة.[10]
زادت المساحة المروية في اليمن من 37 ألف هكتار في السبعينيات إلى أكثر من 400 ألف هكتار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومع زيادة المساحات المروية 11 مرة خلال نفس الفترة، انخفضت المساحة الداعمة للزراعة البعلية (او الزراعة المطرية) بنسبة 30%.[11] يُصنف الوضع في حوض صنعاء من بين حالات الإدارة غير المستدامة للمياه الأكثر لفتًا للانتباه، فموارده المائية تخدم العاصمة وهي مدينة سريعة النمو وتروي محاصيل عالية القيمة مثل القات والعنب، ويُقدر استخراج المياه هناك بخمسة أضعاف مستويات التغذية بالمياه.[12] من الأمثلة الأخرى إنتاج الفاكهة في تهامة، ففي وسط وادي زبيد -منطقة رئيسية لزراعة الموز- زادت المساحة المروية من 20 هكتارًا عام 1980 إلى 3,500 هكتار عام 2000. وزاد عدد الآبار بأكثر من خمسة أضعاف من حوالي 2,421 إلى 12,339 بئرًا خلال الفترة بين أعوام 1987 و2008.[13]
كانت سياسات إدارة المياه والمؤسسات الوطنية ذات الصلة ضعيفة. لدى المزارعين، الذين يمتلكون مساحات شاسعة من الأراضي وعلاقات اجتماعية قوية، قدرة وصول كبيرة، بل وغير منظمة في كثير من الحالات، إلى موارد المياه، على عكس أصحاب الأراضي الصغيرة. بعد سنوات من الإهمال الحميد، أُنشئت الهيئة العامة للموارد المائية عام 1995، وتتمتع رسميًّا بالسلطة الكاملة على تطوير سياسة المياه وتنفيذها، ولكنها حتى الآن لم تتمكن من معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية المعقدة التي ينطوي عليها موضوع إدارة المياه.
في يوليو/تموز 2002، صدر القانون رقم 33 لعام 2002 -المعروف باسم “قانون المياه- وتعديلاته بالقانون رقم 41 لسنة 2006، ولكن لم تُصدر اللائحة الداخلية للقانون إلا عام 2011، مما يدل على حدة الجدل حول تنفيذه. حدث هذا التأخير على الرغم من حقيقة فقدان وزارة المياه والبيئة المنشأة حديثًا السيطرة على قطاع الزراعة، وهو القطاع الأكثر استهلاكًا للمياه، وذلك في العام 2003، عندما أُلغي قطاع الري من سلطتها بعد أسابيع من إنشاء الوزارة، وأعيدت مسؤولية القطاع إلى وزارة الزراعة والري، التي تمثل القاعدة المؤسسية لكبار ملاك الأراضي ومشاريع تنمية الري الممولة خارجيًّا.
عام 2005 أُعلنت الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه وبرنامجها الاستثماري بدعم من البنك الدولي وممولين آخرين في قطاع المياه، خاصة ألمانيا وهولندا، وحُدِثت الاستراتيجية عام 2008 بمقترحات استثمار مثيرة للإعجاب، لكن لم يتحقق سوى القليل منها. في يناير/كانون الثاني 2011، انعقد مؤتمر رئاسي وطني حول إدارة وتنمية الموارد المائية في اليمن ما أسفر عن بيان نوايا لإصلاح الوضع. لكن جدوى هذه المقترحات لم تُختبر على الإطلاق، فسرعان ما أعقب المؤتمر ثورة 2011 ثم عملية الانتقال السياسي من العام نفسه. ورغم تناول الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه وبرنامجها الاستثماري لمصادر المتجددة مثل حصاد مياه الأمطار، فإنها لا تذكر شيئًا عن استخدام الطاقة الشمسية للمياه. أُجري تحديث آخر للاستراتيجية عام 2014 ولم يتم الموافقة عليها بعد من قبل مجلس الوزراء بسبب الأزمة السياسية.
عام 2013، بلغت السعة الإجمالية للشبكة الكهربائية الوطنية في اليمن 1,535 ميغاواط، منها 699 ميغاواط من الديزل، و495 ميغاواط من البخار، و341 ميغاواط من محطات توليد الطاقة بالغاز.[14] تُقدر احتياجات البلاد من الطاقة للإضاءة وحدها بـ 112% من إجمالي الطاقة المولّدة.[15] أكثر من 50% من سكان اليمن لا يتزودون بالكهرباء من الشبكة الوطنية للكهرباء، في حين يعاني الجزء المتبقي من انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة.[16] ركزت سياسة الطاقة في اليمن إلى حد كبير على توليد الكهرباء من الديزل والغاز، مما زوّد المدن بالطاقة الكهربائية تاركًا معظم المناطق الريفية دون أي اتصال بالشبكة الوطنية. يمتلك اليمن إمكانات عالية لتوليد الطاقة بمصادر الطاقة المتجددة، وهي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية.[17] ومع ذلك، ما زالت البلاد تفتقر إلى الاستراتيجيات الإدارية اللازمة لتعزيز وتنظيم استخدام موارد الطاقة المستدامة.
لم تأخذ الحكومة أي إجراءات جدية لحل أزمة تقديم الخدمات الأساسية في البلاد خلال الفترة بين 2011 و2014؛ كان السياسيون منشغلين بعملية الانتقال السياسي والأولويات العاجلة قصيرة المدى. أما بعد عام 2015 فكان التأثير الرئيسي المباشر للنزاع على غالبية سكان الحضر هو انقطاع خدمات الكهرباء والمياه. أما في المناطق الريفية فتدمير البنية التحتية، أثر على النقل الداخلي والخارجي للضروريات الأساسية، بما في ذلك المدخلات الزراعية والأغذية. أدت أزمة المشتقات النفطية الخانقة التي بدأت في وقت مبكر من الحرب إلى انخفاض إمدادات الطاقة المتاحة لضخ المياه، وكان لذلك تأثيرًا خطيرًا على توافر المياه للأسر الحضرية وللزراعة المروية.
وفي حين ما تزال الحرب مستعرة؛ لا تقدم شبكتا المياه والكهرباء العامة خدماتها سوى لما يصل إلى 10% من الأُسر.[18] تشهد جميع القطاعات ومنها الزراعة والصناعة والخدمات زيادات كبيرة في تكاليف المدخلات للري والنقل والتسويق، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج والصادرات.[19] توقف الإنتاج اثرسلبًا على كل من القطاعين العام والخاص. كما تأثر ايضا تقديم السلع والخدمات العامة -بما في ذلك الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي- في جميع أنحاء اليمن.[20] أما أسعار الوقود وغاز الطهي فقد أصبحت غير مستقرة، وقفزت تكلفة هذه السلع أحيانًا أكثر من 1,000% من سعرها قبل الحرب.
أثرت الحرب على إمدادات المياه في جميع أنحاء البلاد، من حيث توافرها وسهولة الوصول إليها وجودتها والقدرة على تحمل تكاليفها. أظهرت أنظمة المياه اللامركزية والمجتمعية مرونة أكثر من الأنظمة المركزية العامة، فقد عاد الناس في العديد من المناطق إلى استخدام التقنيات المستدامة، مثل حصاد مياه الأمطار. تجدر الإشارة إلى أن قطاع المياه العام هو أحد القطاعات القليلة جدًا التي استمرت في تقديم خدماتها، حتى إن كانت منخفضة وغير منتظمة ووصلت إلى عدد أقل من اليمنيين مما كانت تصل إليهم قبل الأزمة.[21]
أدى التوافر المتزايد للطاقة الشمسية والقدرة المالية على الحصول عليها -إضافة إلى سنوات من الانقطاعات في خدمة الكهرباء وتوفيرها أحيانًا فقط في المدن وبشكل أقل في المناطق الريفية- للتوسع في استخدام الطاقة الشمسية في جميع أنحاء البلاد خلال الحرب، حيث بلغت نسبة الأسر التي تستخدم الطاقة الشمسية كمصدر أساسي للطاقة أكثر من 70%.[22] يمكن رؤية ألواح الطاقة الشمسية المركبة حديثًا في كل منزل تقريبًا في صنعاء (الشكل رقم 1). في الوقت نفسه، تطور استخدام ضخ المياه بالطاقة الشمسية بشكل كبير في جميع أنحاء البلاد وذلك بدعم من الوكالات الإنسانية إلى حد ما. هذا هو الحال بالنسبة لإمدادات المياه للاستهلاك المنزلي، بل وأكثر من ذلك بالنسبة للزراعة المروية، على الرغم من أن استخدام الطاقة الشمسية للزراعة المروية مُولت بشكل أساسي من قِبل مالكي ومشغلي الآبار، وبالتالي فهي متاحة أكثر للشرائح الأكثر ثراءً في المجتمع (الشكل رقم 1).

الشكل 1: الألواح الشمسية المركبة حديثًا في منازل صنعاء ونظام ري بالطاقة الشمسية في أحد المزارع بحوض صنعاء
قبل اندلاع الاحتجاجات عام 2011، طورت المؤسسة العامة للكهرباء خطة لتطوير وتحديث البنية التحتية للطاقة الكهربائية في اليمن للفترة 2009-2020، واقترحت الخطة زيادة إنتاج الكهرباء إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها عام 2009 بزيادة تعادل 3 جيجاوات وذلك لتقديم خدماتها للمصانع والمناطق الجديدة والمنازل التي لم تصلها الشبكة العامة بعد.[23] لكن بسبب الاضطرابات توقفت جميع محطات الطاقة عن العمل تمامًا عام 2016.[24] يوضح الشكل رقم 2 الكهرباء المخطط إنتاجها والكهرباء المنتجة فعليًّا خلال الفترة الزمنية للخطة. بدأ إنتاج الطاقة الكهربائية بالانخفاض بشكل واضح عام 2011.[25] توقفت الشبكة الوطنية عن العمل إلى حد كبير منذ بدء الحرب، واستُبدلت محليًّا بشبكات طاقة خاصة صغيرة، تعمل بشكل أساسي بالطاقة الشمسية على مستوى الأسرة، على الرغم من أن القليل من تلك الشبكات تمتلك القدرة التخزينية اللازمة لتشغيل المعدات التي تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة مثل الثلاجات.[26]

الشكل رقم 2: الخطة الاستراتيجية للكهرباء حتى عام 2020 [27]
تعتبر الطاقة الشمسية مصدرًا متجددًا وصديقًا للبيئة، لكن العديد من المراقبين يقولون إنها تشكل سلاحًا ذو حدين في اليمن.[28] ففي حين يمكن للمضخات الشمسية تحسين الوصول إلى المياه وتوفير الطاقة، فإنها قد تؤثر على طبقات المياه الجوفية. خلال أزمة الوقود الحالية، بدأت العديد من مؤسسات المياه في المناطق الحضرية في استخدام أنظمة الطاقة الشمسية لضخ المياه الجوفية باستخدام وتزويد المنازل بالمياه. لاستخدام أنظمة المضخات بالطاقة الشمسية تأثير إيجابي كبير على إمكانية الوصول إلى المياه، وبالتالي على الصحة والنظافة. ولكن استخدام الطاقة الشمسية للري قد يؤدي إلى الإفراط في استخراج المياه الجوفية وزيادة الضغط على موارد المياه المجهدة أساسًا. يوجد حوالي 100 ألف مضخة مستخدمة في اليمن لأغراض الري.[29] يمكن أن يؤدي استبدال المضخات التي تعمل بالديزل والكهرباء بمضخات نظام الري بالطاقة الشمسية دون قواعد وقيود واضحة، خاصة في مزارع القات، إلى توسيع المساحة المزروعة وبالتالي زيادة غير متوقعة في استخراج المياه الجوفية.
بمجرد تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية، تصبح التكلفة لكل وحدة طاقة مولّدة منخفضة نسبيًّا. بالتالي يحاول المزارعون تعظيم استخدامهم للمياه الجوفية من أجل استرداد التكاليف الرأسمالية المرتفعة لنظام الري بالطاقة الشمسية -إما عن طريق توسيع مساحاتهم المروية أو عبر بيع المياه للمزارعين الآخرين. قد يؤدي هذا إلى سباق نحو القاع ما لم يتم وضع اللوائح وتنفيذها. مصدر قلق آخر هو انخفاض تكاليف تكنولوجيا الألواح الشمسية والذي انخفض من حوالي 76 دولارًا أمريكيًّا للواط عام 1977 إلى 0.30 دولار عام 2015. هذا الانخفاض المستمر، إلى جانب زيادة أسعار الديزل، جعل هذا النوع من التكنولوجيا أكثر جاذبية ليس فقط للمزارعين ولكن أيضًا للعديد من صناع القرار والممولين والفنيين. نظام الري بالطاقة الشمسية هو حل لمشكلة المياه والطاقة، ولكنه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة ندرة المياه بقدر ما يحل مشكلة الوصول إلى الطاقة.[30] ولذلك في هذه الحالة ولتجنب الإسراف في استخدام المياه لا يمكن تطبيق الحوافز المالية لتوفير الطاقة. يجب تحديد المخاطر التي يشكلها الضخ غير المنظم الذي يعمل بالطاقة الشمسية وذلك لتحديد السياسات واللوائح اللازمة بشكل واضح للتخفيف من هذه المخاطر وتحفيز الاستخدام المستدام للمياه.
يوجد في اليمن 14 حوضًا مائيًّا، وركزت هذه الدراسة على حوض صنعاء (الشكل رقم 3). يتضمن حوض صنعاء 22 حوضًا فرعيًّا ويمتد نطاقه ليغطي تسع مناطق إدارية (مديريات) بما فيها مدينة صنعاء، العاصمة اليمنية. تبلغ مساحة الحوض 3,240 كيلومترًا مربعًا ويبلغ عدد سكان الحوض حاليًّا 4 ملايين نسمة.[31] وحدة التحليل الرئيسية لهذه الدراسة هي مزارعون من مناطق مائية/هيدروجيولوجية مختلفة: بني حشيش وبني مطر وهمدان. يتصف مناخ حوض صنعاء بالجفاف والاعتدال على مدار العام، حيث يتراوح متوسط درجة الحرارة بين 12 و25 درجة مئوية.[32] متوسط المدة السنوية لأشعة الشمس في اليوم هي 9 ساعات.[33] ويتراوح معدل هطول الأمطار السنوي عادة بين 110 و350 ملم، أي بمتوسط 240 ملم.[34] ولكن قد يكون هطول الأمطار أعلى بكثير في بعض السنوات، فوق 350 ملم.[35] يتراوح عدد الأيام الممطرة من 8 إلى 25 يومًا في السنة وتكون هذه الأيام بشكل رئيسي في موسمي الأمطار: منتصف مارس/آذار إلى بداية أبريل/نيسان ومن منتصف يوليو/تموز إلى نهاية أغسطس/آب.[36]
يعتمد حوض صنعاء إلى حد كبير على المياه الجوفية للري واستخدامات المياه المنزلية.[37] نتيجة لعوامل كالنمو السكاني السريع في مدينة صنعاء (أكثر من 5%)،[38] والهجرة غير المنظمة وتوسع الأنشطة الزراعية، ازداد الطلب على المياه بشكل كبير في العقود الثلاثة الماضية واستمر حفر الآبار الجديدة.[39] اليوم هناك أكثر من 13 ألف بئر في حوض صنعاء. كانت نقطة التقاطع، أو التوازن، بين تغذية المياه الجوفية واستخراجها عام 1985، وبعد ذلك استمر استخراج المياه الجوفية في الزيادة باستمرار ليتجاوز معدلات تغذية الحوض بالمياه (الشكل رقم 4).[40] تعاني طبقات المياه الجوفية في حوض صنعاء من الاستغلال المفرط. يتجاوز السحب السنوي 220 مليون متر مكعب، وهو أعلى بخمس إلى ست مرات من الحجم المضاف إلى الحوض من خلال التغذية الطبيعية، ويبلغ الانخفاض السنوي في مستوى المياه حوالي 4-8 متر.[41] تستخدم حوالي 90% من المياه الجوفية في حوض صنعاء للأنشطة الزراعية، ويُعد القات أكثر المحاصيل انتشارًا.[42]
أجرت هذه الدراسة مسوحات ميدانية في ديسمبر/كانون الأول 2020 ويناير/كانون الثاني 2021 بين عينة طبقية تتكون من 88 مزارعًا من حوض صنعاء، معظمهم من بني حشيش وبني مطر وهمدان.[43] إضافة لمقابلات مقدمي المعلومات الرئيسيين مع خبراء المياه والري والطاقة لضمان الاتساق بين البيانات التي جُمعت على مستوى المزارع والمعلومات على المستوى المهني والإداري. سهّل هذا النهج في الحصول على فهم أعمق من وجهات نظر مختلفة لمستقبل نظام الري بالطاقة الشمسية واستخداماته وإدارته المناسبة في اليمن. بعد فحص جودة البيانات التي جُمعت، تم الاتصال بالمشاركين عبر الهاتف للتحقق من النقاط غير الواضحة أو غير المكتملة عند الحاجة.
اُختير حوض صنعاء كمنطقة للدراسة لأنه يواجه ندرة في المياه؛ وكون مياه الحوض الجوفية أعمق من الأحواض الأخرى. المعلومات بشأن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في مثل هذا الحوض العميق يمكن استقراءها نوعًا ما لتطبيقها على مناطق أخرى، مع افتراض أن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في الأحواض الأقل عمقًا سيكون أسهل. ومع ذلك، للتحقق جُمعت عينة صغيرة من البيانات (10 مزارعين) من حضرموت التي يبلغ عمق المياه الجوفية فيها أقل من 100 متر.


الشكل رقم 3: الخريطة الهيدروجيولوجية والمقطع العرضي (B-B) لحوض صنعاء[44]

الشكل رقم 4: تغذية المياه الجوفية واستخراجها في حوض صنعاء[45]
يتزايد استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في حوض صنعاء بشكل كبير، فاليوم يستخدم أكثر من 30% من المزارعين في هذه المنطقة نظام الري بالطاقة الشمسية (الشكل رقم 5). لم يكن الحال كذلك قبل الحرب الجارية، إذ كان معظم مستخدمي المياه الجوفية في اليمن يعتمدون على مولدات الديزل وشبكة الكهرباء لضخ المياه للري.[46] كانت الأسباب المبكرة لهذا التحول (2015-2017) مرتبطة بالحرب، وتضمنت بشكل أساسي نقص الكهرباء من الشبكة العامة وندرة الديزل وارتفاع أسعاره. أما الآن ومع تزايد خبرة المزارعين فإن السبب الرئيسي للتحول إلى الطاقة الشمسية هو انخفاض تكاليف التشغيل والصيانة لنظام الري بالطاقة الشمسية (الشكل رقم 6) وحقيقة أن هذا النظام يعتبر أكثر موثوقية من مضخات الديزل. أفاد جميع مستخدمي نظام الري بالطاقة الشمسية أنهم سعداء كونهم يستطيعون الحصول على كمية المياه التي اعتادوا الحصول عليها ولا يدفعون أي شيء تقريبًا، باستثناء تكلفة رأس المال.

الشكل رقم 5: موارد الطاقة لممارسات الري (يناير/كانون الثاني 2021)

الشكل رقم 6: الأسباب التي أدت إلى استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية (يناير/كانون الثاني 2021)
يتزايد عدد أنظمة نظام الري بالطاقة الشمسية المركبة مع الوقت، فقد قفز من 0% عام 2012 إلى 12% عام 2017 وإلى 31% بحلول نهاية عام 2020 (الشكل رقم 7). وبالمثل شهدت قدرة الضخ لنظام الري بالطاقة الشمسية ممثلة بعمق الضخ تطورًا ملحوظًا في حوض صنعاء. اقتصر استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية عامي 2014-2015 على المياه الجوفية الضحلة (عمق أقل من 15 مترًا) قبل أن يرتفع العمق إلى 360 مترًا عام 2017 ويصل إلى 500 متر عام 2020 (الشكل رقم 8). خلال الحرب الحالية ومع إغلاق معظم المطارات والموانئ اليمنية، يزداد متوسط تبني نظام الري بالطاقة الشمسية في صنعاء بنسبة 4.4% سنويًّا. إذا استمر هذا المسار، فسيتم استبدال أو دعم جميع أنظمة الضخ القديمة في حوض صنعاء بواسطة نظام الري بالطاقة الشمسية في غضون 15 عامًا. إذا استقر الوضع الاجتماعي والسياسي والأمني في اليمن، فمن المتوقع أن يكون التحول إلى نظام الري بالطاقة الشمسية أسرع بكثير. ونظرًا للخبرة التي اكتسبها المزارعون وتنامي سوق الطاقة الشمسية في اليمن، فمن المتوقع أن تشهد البلاد تحولًا كاملًا إلى نظام الري بالطاقة الشمسية في غضون 7 سنوات فقط.

الشكل رقم 7: المعدل التراكمي لتركيب نظام الري بالطاقة الشمسية

الشكل رقم 8: تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية والتكاليف ذات الصلة وعمق الضخ (2014-2020)
تتراوح تكلفة تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية بين 4 آلاف دولار أمريكي لآبار المياه الجوفية الضحلة وما يصل إلى 100 ألف دولار أمريكي لآبار المياه الجوفية العميقة (الشكل رقم 6). ترتبط زيادة العمق ارتباطًا مباشرًا بزيادة التكلفة. بمرور الوقت يتزايد العمق الذي تُركب فيه أنظمة الري بالطاقة الشمسية وبالتالي تزداد تكاليفها. ولكن العلاقة الدقيقة بين التكلفة والعمق ليست ثابتة. تعد جودة نظام الري بالطاقة الشمسية (العلامة التجارية وبلد المنشأ) وحجمه (عدد الألواح الشمسية) من العوامل المهمة أيضًا في سعر تلك الأنظمة. يُعد عمق المياه والتعرض لأشعة الشمس وكفاءة وقدرة النظام من العوامل الرئيسية التي تحدد قدرة الضخ الخاصة بالنظام. قال بعض المزارعين إن نظام الري بالطاقة الشمسية يؤمّن لهم كميات من المياه تساوي ما اعتادوا الحصول عليه باستخدام مضخات أخرى، بينما قال مزارعون آخرون إنهم يحصلون على قدر أكبر من المياه باستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية، حيث قال أحد المزارعين: “تسع ساعات من تشغيل نظام الري بالطاقة الشمسية تعادل استخدام مضخة تعمل بالديزل من السادسة صباحًا حتى منتصف الليل”.
جميع مالكي الآبار يرغبون في الحصول على نظام الري بالطاقة الشمسية، ولكن العقبة الرئيسية التي تواجه معظم المزارعين (69% منهم) هي تكلفة رأس المال لنظام الري بالطاقة الشمسية، حيث أعرب أحد المزارعين عن شعوره بالأسف لفقدانه فرصة عام 2008، عندما عُرض عليه نظام الري بالطاقة الشمسية مجانًا ورفضه، قائلًا “لم أكن أدرك مزاياها”. وأفاد بعض المزارعين أنهم باعوا أصولًا مثل السيارات والذهب من أجل شراء نظام الري بالطاقة الشمسية. لم يتمكن غالبية المجيبين من تحمل تكلفة هذه التكنولوجيا، على الرغم من رغبتهم في الحصول عليها. في عدد من المناطق في حوض صنعاء، يشترك المزارعون في ملكية الآبار والمضخات وينظم ذلك اتفاقيات محلية تفرض على الجميع مشاركة ملكية الآبار الموجودة داخل أراضيهم. عندما لا يملك البعض المال لدفع ما يترتب عليهم لحفر البئر وتركيب المضخة (المضخات الكهربائية والتي تعمل بمحركات الديزل بشكل عام)، يقوم المزارعون الآخرون بالدفع عنه حتى حين. وأفاد المزارعون الذين يمتلكون آبارًا مشتركة أنهم يواجهون صعوبات في استبدال مضخاتهم القديمة بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية لأنهم يخصصون وقتًا محددًا لتوزيع المياه لكل مزارع، بالتالي، لا يعتبر نظام الري بالطاقة الشمسية مناسبًا لأنه إذ استُخدم فقد لا تُوزع المياه بالتساوي بينهم. ينتج الضخ بمحركات الديزل كمية ثابتة من الماء، ولكن الاختلاف في أشعة الشمس يعني أن ضخ المياه بالطاقة الشمسية يؤدي إلى استخراج كميات مختلفة من المياه. بالتالي يعني التفاوت المحتمل في كميات المياه التي يتم الحصول عليها في الوقت المخصص يعني أن بعض المالكين المشتركين مترددين حول إدخال نظام ضخ المياه بالطاقة الشمسية. كان 28% من جميع المزارعين الذين شملهم الاستطلاع في صنعاء غير راغبين في تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية بسبب مخاوف الشراكة هذه، في حين لم تكن أقلية صغيرة (3%) مهتمة بنظام الري بالطاقة الشمسية الجديد لأنهم نادرًا ما يستخدمون أنظمة الضخ التقليدية الخاصة بهم (الشكل رقم 9).

الشكل رقم 9: لماذا لم تستخدم أنظمة الري بالطاقة الشمسية حتى الآن؟
شهدت معظم مناطق الحجر الرملي ومناطق الطمي في حوض صنعاء، مثل بني حشيش، زيادة أكثر حدة في أنظمة الري بالطاقة الشمسية مقارنة بالمناطق البركانية، مثل بني مطر. تعتبر الأراضي المسطحة في صنعاء، مثل بني حشيش، أكثر خصوبة من المناطق الجبلية ويقطنها المزيد من المزارعين الأغنياء الذين يمتلكون مزارع القات. ساعد هذا الأمر بشكل كبير في انتشار مضخات الطاقة الشمسية، ففي بني حشيش، رُكبت أكثر من 400 مضخة شمسية بحلول عام 2017 (الشكل رقم 10)، أي ما يقرب من 20% من إجمالي عدد الآبار في تلك المنطقة.
من بين الذين تمت مقابلتهم كان هناك مزارعان يستخدمان نظام الري بالطاقة الشمسية في كل من صنعاء والحديدة. وعلى الرغم من أن المضخات في الحديدة تكلفتها أقل واعماق المياه أقرب (30-60 م) مقارنة بصنعاء، إلا أنهما أكثر سعادة بمضخاتهم في صنعاء كون محصولهما هو القات الذي يضمن أرباحًا أكثر. تفوق فوائد نظام الري بالطاقة الشمسية في صنعاء تكاليفه الأولية لأن المحاصيل المزروعة هناك مربحة. ما دعم هذا الاستنتاج أيضًا هو التجربة المقارنة بمزارعي حضرموت، الذين يتمتع العديد منهم بقدرة مالية منخفضة واضطروا إلى بيع أنظمة الضخ القديمة لتغطية جزء من تكاليف نظام الري بالطاقة الشمسية. أما في صنعاء فيحتفظ غالبية المزارعين بأنظمتهم القديمة التي تعمل بالديزل/ الكهرباء ويستخدمونها كنُظم احتياطية أو تكميلية.

الشكل رقم 10: خريطة رقمية لـ 438 من أنظمة الري بالطاقة الشمسية في بني حشيش (2017)
كما هو الحال في صنعاء، يفضل المزارعون في حضرموت نظام الري بالطاقة الشمسية على أنظمة الضخ الأخرى، حيث يعتبر عمق الضخ في حضرموت (30-60 م) أكثر ملاءمة للمضخات الشمسية وقد بدأ استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية بالانتشار على نطاق واسع. جدير بالذكر أن عددًا من المزارعين في حضرموت أبدوا قلقهم من تأثير تقنيات الطاقة الشمسية على مستويات المياه الجوفية في ظل عدم وجود أنظمة وسياسات واضحة. ومع ذلك، يصف مزارعو حضرموت نظام الري بالطاقة الشمسية بأنه نظام جيد يعاني من مشاكل فنية أقل مما تعانيه أنظمة الكهرباء والديزل. تتراوح تكلفة نظام الري بالطاقة الشمسية في حضرموت ما بين 10 آلاف إلى 17 ألف دولار أمريكي. التكلفة الرأسمالية هي العقبة الرئيسية التي تمنع معظم مزارعي حضرموت من امتلاك تقنية نظام الري بالطاقة الشمسية.
لم يتلقَ مستخدمو نظام الري بالطاقة الشمسية في صنعاء وحضرموت الذين تمت مقابلتهم لأجل هذه الورقة أي تدريب على التركيب أو التشغيل أو الصيانة باستثناء القليل من المعلومات حول التركيب والتي حصلوا عليها من شركات التسويق. أكد هؤلاء المستخدمون أنهم لا يمتلكون أي برامج أو سياسات محددة لتنظيم استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية.
خلال الحرب الحالية، لم يشهد المزارعون الانخفاض في مستويات المياه الجوفية الذي شهدوه قبل الحرب،[47] حيث قال أحدهم “في السنوات الثلاث الماضية لم أركب أنبوبًا واحدًا”، مشيرًا إلى أن إمدادات المياه كانت كافية. في الماضي أدت فترات أزمة الديزل الطويلة إلى انخفاض ساعات تشغيل مضخات الديزل، ما تسبب في ضخ كميات أقل من المياه وبالتالي كانت موارد المياه الجوفية تحت ضغط أقل. علاوة على ذلك، كانت معدلات هطول الأمطار عامي 2019 و2020 أعلى بكثير من المعتاد، حيث قال أحد المزارعين في صنعاء: “إذا استمر هطول الأمطار كما كان في العامين الماضيين، فنادرًا ما سنحتاج المياه الجوفية”. صحيح أن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية يساعد في التخفيف من التحديات التي تفرضها أزمة الوقود، إلا أنه ليس سببًا في زيادة استقرار المياه الجوفية الذي تحدث عنه بعض المزارعين كونه (الضخ بالطاقة الشمسية) ما يزال في مراحله الأولى. تبلغ نسبة المزارعين الذين يستخدمون هذه الأنظمة 31% فقط من المزارعين الذين شملهم الاستطلاع، ويُعد معظم مستخدمي نظام الري بالطاقة الشمسية من كبار مالكي الأراضي، أي الذين يمكنهم تحمل تكلفة الديزل لتشغيل المضخات حتى خلال أزمة الوقود الحالية.
ما تزال أزمة الديزل قائمة أوائل عام 2021، حيث يشتري العديد من المزارعين الديزل من السوق السوداء. ووجدت هذه الدراسة أن متوسط سعر لتر الديزل هو 500 ريال في صنعاء و325 ريال في حضرموت.[48] هذه الأسعار -أسعار يناير/كانون الثاني 2021- تبلغ حوالي خمسة وثلاثة أضعاف سعر الديزل قبل الأزمة. منذ عام 2011. وصلت أسعار الديزل، في بعض الأحيان، إلى 15 ضعف أسعار ما قبل الأزمة. ولكن مع وجود المزيد من أنظمة الري بالطاقة الشمسية أو زيادة توافر الديزل، من المتوقع أن يبدأ المزارعون تدريجيًّا في استخراج كمية أكبر من المياه الجوفية التي استُخرجت قبل الحرب.
كان هناك انخفاض في إنتاج المحاصيل في جميع أنحاء البلاد طول فترة الصراع.[49] يتزايد عدد مزارع القات على حساب المحاصيل الأخرى التي تتضاءل مساحتها، وأصبحت كثير من الآبار تُحفر دون رقابة/مشاركة السلطات الرسمية. قال أحد المزارعين في بني حشيش: “في منطقتنا كان هناك أكثر من 200 مزارع يعملون في محاصيل أخرى غير القات، أما الآن فلا يوجد سوى حوالي 20”. إن التوسع في مزارع القات -والتي عادة ما تقوم على الري بسبب الاحتياجات المائية العالية للقات- يزيد من المخاوف بشأن استخراج المياه الجوفية في المستقبل، خاصةً عندما يستقر الوضع في اليمن ويزداد توافر نظام الري بالطاقة الشمسية والديزل.
هناك اهتمام كبير من الجهات الإنمائية الفاعلة لدعم استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن، كونها توفر الوقود والكهرباء، وتحمي البيئة، وتقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ولها فوائد صحية وعوائد اجتماعية أخرى. تلقّى بعض المزارعين بالفعل بعض الدعم من منظمات محلية (ذكر المستجيبون منظمتي آزال والوطنية) ومنظمات دولية (مثل منظمة الأغذية والزراعة والمنظمة الدولية للهجرة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة كير ومنظمة أوكسفام ومنظمة ميرسي كوربس). تتحكم بعض هذه المنظمات الداعمة في أقصى عمق ممكن لاستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية، ولكن هذا الحال ليس دائمًا. يستطيع المزارعون الذين يمتلكون مساحات كبيرة من الأراضي شراء أنظمة نظام الري بالطاقة الشمسية كما لديهم القدرة في الحصول على مزيد من الدعم المالي من المنظمات. أما أصحاب المزارع الصغيرة فيواجهون معوقات أكبر أمام تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية.
يُنظر إلى المضخات بالطاقة الشمسية على أنها حل قوي محتمل لأوجه القصور الحكومية في استخدام شبكة الكهرباء للزراعة، ولا ينظر صانعو السياسات إلى التأثير المحتمل للمضخات الشمسية على الاستخراج المفرط للمياه الجوفية كمصدر قلق كبير. أما المزارعون، فهم يعتبرون المضخات بالطاقة الشمسية حلًا لضخ المياه وحلًا للطاقة على حد سواء. من منظور اقتصادي، أي مورد سهل الوصول إليه سيكون حتمًا عرضة للاستغلال المفرط، ما لم يتم تقييد الوصول إليه واستخدامه من خلال اللوائح والسياسات الحكومية.
أشار عدد من خبراء الطاقة الشمسية في اليمن، خلال مقابلات مقدمي المعلومات الرئيسيين، إلى أن المضخات بالطاقة الشمسية قد تساعد في الحفاظ على المياه الجوفية وتثبيت مستويات المياه، بالنظر إلى القيود الزمنية المفروضة على الضخ (8-10 ساعات يوميًّا) والقدرة المحدودة لهذه الأنظمة. ولكن، لم تقم أي دراسة بتقييم هذا الأمر بشكل منهجي. بل بالعكس من ذلك تشير بعض الدراسات إلى أن إدخال المضخات بالطاقة الشمسية يمكن أن يخلق مخاطر إضافية للإفراط في استخراج المياه. ومن المرجح أن يؤدي انتشار نُظم الري بالطاقة الشمسية إلى تفاقم الاستغلال المفرط لخزانات المياه الجوفية لا سيما بالنظر إلى ما أسفر عنه دعم الديزل في السابق عندما أدى إلى الاستغلال المفرط لموارد المياه الجوفية والانخفاض الكبير لها على مدى عقود.[50] فمثلًا أُبلغ عن زيادة معدلات هدر المياه بعد الانتشار المكثّف للضخ بالطاقة الشمسية في أجزاء من الهند والصين.[51]
كما وجدت هذه الدراسة أن معظم المزارعين الذين أُجري معهم الاستطلاع والذين يستخدمون نظام الري بالطاقة الشمسية احتفظوا بمضخاتهم القديمة لاستخدامها في الليل أو حسب الحاجة. احتفظ جميع مالكي نظام الري بالطاقة الشمسية في حوض صنعاء بمضخاتهم القديمة (معظمها تعمل على الديزل) كنظم احتياطية، في حين كان لدى البعض الآخر (6%) أكثر من بئر واحد، ويشغلون أنظمة ضخ تعمل بالديزل والطاقة الشمسية في الوقت نفسه. يعتمد المستخدمون الحاليون لنظام الري بالطاقة الشمسية بشكل أساسي على أنظمة الطاقة الشمسية ولا يستخدمون المضخات التي تعمل على الديزل إلا عندما يكون الماء الذي يوفره نظام الري بالطاقة الشمسية غير كافٍ، خاصةً أثناء الليل في موسم الصيف أو في الأيام الملبدة بالغيوم. في الواقع وكما ذكرنا سابقًا، أفاد بعض المزارعين عن استخراجهم مياه أكثر عن طريق نظام الري بالطاقة الشمسية. هناك أدلة متزايدة على أن التكلفة التشغيلية المنخفضة والطاقة المتاحة لنظام الري بالطاقة الشمسية تساهمان في الاستخراج المفرط للمياه الجوفية، وتقليل منسوبها، والتأثير سلبًا على جودة المياه.[52] يدعم خبراء الطاقة اليمنيون استخدام الطاقة الشمسية في جميع القطاعات، مع اهتمامهم الرئيسي بجودة معدات الطاقة الشمسية المستوردة، بغض النظر عن أي تأثير بيئي طويل الأجل.
خبراء المياه والري اليمنيون يدعمون ايضا استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن، ولكن بطريقة تمنع استنزاف المزيد من المياه الجوفية الشحيحة. يقلل استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية من استهلاك الوقود المستورد والكهرباء ويخفف الضغط على الاقتصاد (حيث يعتمد الاقتصاد اليمني على الوقود إلى حد كبير)، والأهم من ذلك أنه يوفر وسيلة أرخص وصديقة للبيئة لضخ المياه. يُعد هذا مهمًّا في المناطق الريفية بشكل خاص حيث الزراعة هي الخيار الرئيسي لكسب العيش. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التأثير السلبي المحتمل لنظام الري بالطاقة الشمسية على استخراج المياه الجوفية في غياب سياسات وأنظمة واضحة. لذلك هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الشاملة التفصيلية حول التأثير المحتمل لنظام الري بالطاقة الشمسية، مقارنة بالأنظمة التقليدية التي تعمل بالوقود.
على الرغم من أن نظام الري بالطاقة الشمسية لديه قيود تتمثل في تكلفة رأس ماله والفترة الزمنية المحدودة للضخ (ساعات النهار)، فما زال هناك خطر الاستغلال المفرط لموارد المياه الجوفية المرتبطة بالاستخدام الواسع النطاق لتكنولوجيا نظام الري بالطاقة الشمسية والإعانات ذات الصلة. في المغرب مثلًا عُلق الدعم الموجه نحو ضخ المياه بالطاقة الشمسية بسبب قلق الحكومة المتزايد بشأن استنفاد موارد المياه الجوفية.[53] مصدر قلق آخر هو أن المزارعين قد يقومون بالري أكثر خلال ساعات النهار، مما يقلل من كفاءة الري وإنتاجية المياه. لا يزال معظم المزارعين في اليمن يمارسون الأساليب القديمة للري بالغمر وقليل منهم يمتلك أنظمة ري حديثة. يجب معالجة جميع هذه المخاوف بشكل منهجي على مستوى المجتمع والسياسة، ويجب إعداد سياسات وأنظمة شاملة. لا يعتقد خبراء المياه أنه يجب دعم المزارعين بإعانات مالية لتغطية التكاليف الرأسمالية لنظام الري بالطاقة الشمسية، وبدلًا من ذلك يدعون إلى تقديم الدعم في شكل مساعدة فنية وبناء القدرات جنبًا إلى جنب مع المعلومات حول الإدارة المستدامة للمياه.
وبحسب المزارعين الذين شملهم الاستطلاع، فإن القيود الرئيسية على توسيع استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية تشمل في المقام الأول تكلفة الاستثمار الأولية المرتفعة (تكلفة النظام)، إضافة إلى الجودة المتغيرة للألواح والمحولات والمضخات بسبب عدم وجود معايير موحدة وعدم إصدار الشهادات وغياب ضوابط الاستيراد، الأمر الذي يزداد سوءًا في بعض الأحيان بسبب التجار غير الأمناء.
يشكل الأمن الغذائي تحديًّا في اليمن، لكن التركيز على هذا التحدي لا ينبغي أن يكون على حساب الأمن المائي للبلاد المعرّض للخطر. بوسع أنظمة الري بالطاقة الشمسية أن تزيد إنتاج الغذاء من خلال تسخير طاقة موثوقة ومستدامة لتوفير الري في الوقت المناسب، ولكن قد تكون هذه الفوائد معرضة للخطر إذ أن الكثير من دراسات الجدوى الفنية حول أنظمة الري بالطاقة الشمسية لا تجري التقييم المناسب لموارد المياه المتاحة واستخدامات المياه وكيف ينعكس استبدال المضخات التي تعمل بالديزل بتلك التي تعمل بالطاقة الشمسية على العلاقة بين الماء والطاقة والغذاء (الشكل 11). يجب أن تكون الجهود المبذولة لتحقيق الأمن الغذائي في اليمن مرتبطة دائمًا بالأمن المائي. بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من اليمنيين الريفيين واعتمادهم على الزراعة، فإن ضمان استخدام تقنية الري الأنسب والموفرة للمياه أمر مهم للغاية. كما أن تفعيل النظم التقليدية لتجميع مياه الأمطار وتطوير الزراعة البعلية (المطرية) لهما نفس القدر من الأهمية، حيث أن العديد من المناطق تفتقر إلى المياه الجوفية الكافية لتمكين الري التكميلي الضئيل للغاية، في حين لا تمتلك مناطق أخرى المياه أساسًا. أنسب المناطق للري باستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية هي تلك التي يتراوح معدل هطول الأمطار فيها بين 300-400 مم مثل حجة وإب. في جميع الحالات، يجب وضع كل من فائدة نظام الري بالطاقة الشمسية واستدامة المياه الجوفية في المنطقة قيد الدراسة بعين الاعتبار.

الشكل رقم 11: الري بالطاقة الشمسية والعلاقة بين المياه والطاقة والغذاء[54]
على الرغم من أن نتائج هذه الدراسة تشير إلى وجوب توخي الحذر في استخدام الطاقة الشمسية للري، إلا أنه ينبغي التأكيد على أن تعزيزها وترويجها للاستخدام في إمدادات المياه المنزلية والكهرباء المنزلية هو تطور إيجابي جدًا ويجب تشجيعه. بهذه الشكل ستوفر الطاقة الشمسية الخدمات الأساسية للسكان، خصوصًا لآلاف الأسر الريفية في جميع أنحاء البلاد التي لولاها لما كان بإمكانهم الوصول إلى هذه الخدمات الأساسية في ضل الوضع الحالي.
فيما يتعلق بالإدارة المستدامة لموارد المياه الشحيحة في اليمن، كانت النتيجة الرئيسية لهذه الدراسة هي أن نظام الري بالطاقة الشمسية يتطلب تنظيمًا وإدارة أفضل، وذلك بالإضافة إلى طرق استخراج المياه الأخرى والمستخدمة في الزراعة بشكل أساسي والاستخدامات المنزلية وغيرها. توضح البيانات الميدانية التي جُمعت لهذه الدراسة أن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية زاد بشكل كبير خلال العقد الماضي في اليمن. كما تُظهر البيانات أنه من المرجح أن يؤثر استخدام الطاقة الشمسية للري في اليمن الغنية بالطاقة الشمسية والمفتقرة للمياه الجوفية سلبًا على موارد المياه الجوفية في ظل غياب اللوائح المطبقة بشكل فعّال. بعبارة أخرى، نظام الري بالطاقة الشمسية هي آلية أخرى، وما لم تتم إدارتها بشكل جيد، يمكن أن تسهم في تفاقم مشكلة ندرة المياه بشكل عام في اليمن. العامل الحاسم الذي يحدد جاذبية نظام الري بالطاقة الشمسية للمزارعين هو أن التكلفة الهامشية لضخ المياه بالطاقة الشمسية والتي تكاد لا تذكر بمجرد قيامهم بالاستثمار الأولي (شراء النظام).
الأمر الواضح أيضًا هو أن تكلفة نظام الري الشمسي تزداد بشكل كبير مع ازدياد عمق منسوب المياه الجوفية. في حالة حوض صنعاء حيث الآبار عميقة، تصل تكاليف تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية إلى 100 ألف دولار أمريكي. وبالتالي فإن طريقة الري هذه تزيد من الفجوة بين المزارعين الفقراء والأغنياء.
وحتى في الأماكن التي من الممكن فيها الوصول للمياه في أعماق أقل، فإن معظم أصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة لا يستطيعون تحمل كلفة سعر تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية. يُعد نظام الري بالطاقة الشمسية متاحًا أكثر للمزارعين الأغنى، أي الذين يمتلكون أعمالًا أخرى و/أو يزرعون المحاصيل الأعلى قيمة.
من الجدير بالذكر أن جميع أشكال الري من الآبار العميقة تتجاوز إمكانيات غالبية أصحاب الحيازات الصغيرة، وهذا ينطوي عليه عدد من الآثار. أولًا، يمكن للمزارعين تبرير ري المحاصيل ذات القيمة الأعلى، والأرجح أنهم سوف يوسعون مساحاتهم المزروعة بالقات على حساب زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية، مثل الذرة. ثانيًّا، تكاليف الري، اضافة إلى الضغوط الاقتصادية الأخرى، قد تؤدي الى تركيز ملكية الأراضي بشكل أكبر، حيث يضطر أصحاب الحيازات الصغيرة إلى بيع أصولهم، مما يؤدي إلى تفاقم التمايز الاجتماعي تدريجيًّا. يجب أن تأخذ السياسات التي تركز على الحد من عدم المساواة هذه العوامل في الاعتبار عند تخطيط إدارة المياه.
حوض صنعاء ليس المنطقة الوحيدة حيث طبقات المياه الجوفية عميقة حاليًّا، فالأمر ذاته ينطبق مثلا على صعدة وغيرها. يعتبر خطر الاستغلال المفرط غير المستدام لطبقات المياه الجوفية -وفي نهاية المطاف استنفادها- مرتفعًا في جميع أنحاء البلاد. لا يعني استنفاد طبقات المياه الجوفية إنهاء الزراعة فحسب، بل يعني نهاية كون المنطقة صالحة للسكن، مما يؤدي في النهاية إلى الهجرة القسرية.
لا تُنفذ الأطر القانونية الرسمية في اليمن بشأن المياه بشكل كامل، وفشلت تلك الأطر على كل حال في التطرق لتقنيات نظام الري بالطاقة الشمسية التي أُدخلت حديثًا. يجب تحديث جميع الأطر واللوائح القانونية المتعلقة بالمياه والطاقة ومراعاة خصوصيات تقنيات الطاقة الشمسية، ومنها استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية. على المدى القصير، قد يكون من الصعب التحكم في التقنية أثناء الحرب. ولكن من الضروري أن يقوم جميع مستخدمي نظام الري بالطاقة الشمسية، بما في ذلك الشركات والمؤسسات التي تقوم بتركيب أنظمة الري بالطاقة الشمسية، بزيادة فهمهم لهشاشة مناسيب المياه الجوفية. يتضمن ذلك تطوير برنامج توعية واسع النطاق من شأنه أن يساعد على تحسين استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية ويكون بداية جيدة نحو تقليل الاستغلال المفرط لخزانات المياه الجوفية. ولكن على المدى المتوسط والطويل يجب على السلطات تنظيم نظام الري بالطاقة الشمسية وإعادة الاستخدام الآمن والمستدام لموارد المياه في اليمن.
بالنظر إلى الصراع الحالي هناك تحديات كبيرة في تطبيق عدد من التوصيات أدناه. ولكن هناك بعض التوصيات العملية التي من الممكن أن تُطبق حاليًّا.
الحواشي والمراجع:
تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام
تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة
ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً
استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ
وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة
وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.
لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة
ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة
ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن
مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ
أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.
مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.
إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي
يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.
شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015
وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.
ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.
تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.
يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.
يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.
تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.
استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.
ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.