استعادة قدرات البنك المركزي وتأمين استقرار الريال

كجزء من مبادرة  ”إعادة تصور الاقتصاد اليمني“، اجتمع أكثر من 20 مشاركا من أبرز القيادات التنموية والاقتصادية اليمنية في المنتدى الثاني لقيادات التنمية في الفترة بين 14 و16 يناير/ كانون الثاني 2018 في العاصمة الأردنية عمان. وقد احتلت قضية تدهور قيمة الريال اليمني المرتبة الأولى بين المواضيع المطروحة للنقاش، وما أعقب ذلك من تفاقم شديد للأزمة الإنسانية، والحاجة إلى إعادة تمكين البنك المركزي اليمني بصفته الجهة المسؤولة عن الحفاظ على قيمة الريال والاقتصاد عموماً. هذه الورقة هي حصيلة تلك النقاشات، وتؤكد التوصيات الواردة فيها بمجموعها على ضرورة عمل البنك المركزي اليمني بطريقة أكثر كفاءة و فاعلية – بحيث تعمل جميع فروع البنك بشكل تكاملي بما يجعل البنك قادر على صياغة وتنفيذ السياسات النقدية لعموم اليمن. كما تضم هذه الورقة مدخلات إضافية من قيادات التنمية أضيفت بعد إعلان السعودية في 17 يناير / كانون الثاني أنها ستودع مبلغ 2 مليار دولار في البنك المركزي اليمني.

خلفية

أدى النزاع الحالي إلى تعرض اليمن لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعلنة على مستوى العالم حيث وصل انعدام الأمن الغذائي إلى أرقام قياسية عالمياً بسبب عجز ملايين اليمنيين عن شراء الطعام المتاح في السوق المحلية. كما سبب الصراع الحالي الكثير من الاختلالات التي ساهمت في مفاقمة الأوضاع الحالية، كالإنهيار الإقتصادي العام والفقدان الواسع  لسبل كسب الرزق، بالإضافة إلى إغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الحركة التجارية والتضييق على حركة السفن في مينائي الحديدة والصليف، وصعوبات وعوائق النقل الداخلي التي ضخمت تكاليف المستوردين. كما شكلت العوائق المالية  على الاستيراد  والتجارة الدولية صعوبات إضافية، حيث تعاني البنوك اليمنية من صعوبات كبيرة في تحويل الأموال للخارج بسبب الإجراءات المفروضة على البنوك اليمنية بالإضافة لتوقف ترحيل وشحن الأوراق النقدية الأجنبية إلى الخارج بسبب إغلاق مطار صنعاء الدولي، في حين قامت البنوك الأمريكية ومعظم البنوك الأوروبية بإغلاق حسابات البنوك التجارية اليمنية في الخارج بسبب فشل اليمن في الوفاء بالتزاماته بالمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

بالإضافة إلى كل ذلك، كان لتدهور قيمة الريال مقابل الدولار أثراً شديداً في تآكل القوة الشرائية للمواطنين. حيث قفز سعر صرف الريال مقابل الدولار من 215 إلى 530 ريال للدولار الواحد في منتصف يناير 2018 مليار دولار في البنك المركزي). لتحليل أكثر تفصيلاً حول العوامل الرئيسية التي تسببت في تدهور الريال اليمني، يمكن الاطلاع على  نشرة اليمن الاقتصادية الصادرة عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية:تجدد انخفاض قيمة العملة وتباين في السياسة النقدية بين صنعاء وعدن.

توصيات للبنك المركزي اليمني

  • على البنك المركزي اليمني في عدن ممارسة مسؤولياته وصلاحياته القانونية كاملة وفقاً للقانون رقم 14 لسنة 2000 وتعديلاته عام[1] يشمل ذلك إدارة جميع الحسابات الحكومية بالعملة الأجنبية في اليمن.
  • إدارة طباعة وإصدار العملة المحلية بما يضمن التوازن الأمثل بين تخفيف أزمة السيولة النقدية والحفاظ على قيمة الريال اليمني من الهبوط. يجب أن يكون المقياس في هذه المعادلة هو الحفاظ على القوة الشرائية للفرد بالمقارنة مع السلع الأساسية، والتي يتوجب على البنك المركزي السعي لرفعها بأقصى قدر ممكن.
  • إنشاء آلية تنسيق مع البنوك اليمنية والصرافين والجهات الفاعلة الكبيرة في القطاع الخاص فيما يتعلق بالحفاظ على استقرار قيمة العملة المحلية. تتعلق الحاجة الفورية لهذا اً؛ كما ينبغي أن يكون هدف التنسيق بين البنك المركزي والبنوك والصرافين والجهات الفاعلة في القطاع الخاص هو تقوية تأثير الوديعة الجديدة على الاستقرار الاقتصادي وزيادة قدرات البنك المركزي على تسهيل استيراد السلع الأساسية، وفي الوقت نفسه تقليل معدل إنفاق البنك المركزي من هذه الاحتياطيات.
  • تفعيل السياسات النقدية والإجراءات القانونية وآليات التنسيق مع البنوك اليمنية وكبرى الجهات الفاعلة في القطاع الخاص للحد من المضاربة والتلاعب بسعر العملة. واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة ضد المتلاعبين والمضاربين في أسعار الصرف، بما في ذلك إغلاق النشاط وسحب التراخيص عن أي متلاعبين بأسعار صرف العملة.
  • البدء بتزويد البنوك التجارية بالفوائد المستحقة على أذون الخزانة من أجل تعزيز سيولة القطاع المصرفي وتشجيع البنوك على دفع الفوائد على ودائع العملاء. وبالنظر للنسبة الكبيرة من أصول البنوك اليمنية المستثمرة في أذون الخزانة، ستضخ الفائدة المدفوعة سيولة كبيرة في القطاع المصرفي، وبالتالي ستتمكن البنوك من استعادة ثقة عملائها.
  • على قيادة البنك المركزي الانتقال بشكل دائم إلى اليمن. مع أن الظروف الراهنة في اليمن تمثل بيئة عمل صعبة، إلا أن القيام بمهام قيادة البنك المركزي من خارج اليمن – كما هو الحال مع القيادات الحالية المقيمة بين عمان والرياض – غير فعال إطلاقا حيث لا يمكن أن يعمل أي بنك مركزي بشكل صحيح دون أن تتواجد قيادته في موقع العمل.
  • لتعزيز الشفافية، على البنك المركزي اليمني إعداد تقارير شهرية وفصلية وسنوية ومشاركتها مع المعنيين المحليين والإقليميين والدوليين، وتشتمل على ميزانيات البنوك العاملة في اليمن والبيانات التي تحدد مستوى السيولة في السوق المحلية.
  • إعادة تفعيل وحدة جمع المعلومات المالية.
    • على الرغم من أن المقر الجديد لوحدة جمع المعلومات المالية سيكون في عدن، إلا أن عليها البحث عن سبل لتنفيذ مهامها في جميع أنحاء اليمن، بما في ذلك في صنعاء، بهدف زيادة الكفاءة.
    • على الوحدة أن تستأنف اجتماعاتها الدورية وتنسيقها مع فريق العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وغيره من المنظمات، لضمان امتثال عمليات وممارسات البنوك اليمنية للمعايير الدولية.
    • اضطرت الكثير من البنوك الاجنبية في الخارج إلى إغلاق حسابات البنوك اليمنية نتيجة لارتفاع مخاطر الامتثال على البنوك اليمنية. من شأن إعادة تفعيل وحدة جمع المعلومات المالية أن تشكل خطوة إيجابية نحو الحد من مخاطر الامتثال والسماح للبنوك اليمنية بإعادة فتح حساباتها مع البنوك الاجنبية في الخارج.

توصيات للحكومة اليمنية

  • على الحكومة إيداع كافة حساباتها بالعملات الأجنبية في البنك المركزي اليمني، وفقا للقانون اليمني. (لدى الحكومة اليمنية حالياً حساب لدى البنك الأھلي السعودي حيث تم إيداع إيرادات الصادرات النفطية إليه حتى نهاية 2017م).
  • تحسين آليات تحصيل الإيرادات الحكومية –المتعلقة بالضرائب والرسوم الجمركية وعائدات النفط والغاز– والتأكد من إيداع هذه الأموال في الحسابات التي تحتفظ بها الحكومة لدى البنك المركزي اليمني. وينبغي أيضاً النظر في التدابير الفعالة لمكافحة الفساد كأحد أهم وسائل رفع الإيرادات الحكومية.
  • إعداد التقارير الاقتصادية الشهرية والربع سنوية والسنوية الخاصة ومشاركتها مع أصحاب المصلحة المحليين والإقليميين والدوليين لتعزيز الشفافية. ينبغي أن يتضمن ذلك تحديداً بيانات تتعلق بالإيرادات والنفقات الحكومية. وينبغي أيضاً عرض الموازنة على البرلمان للمصادقة عليها بمجرد أن يستأنف البرلمان جلسات انعقاده.
  • عدم تغطية النفقات الحكومية من خلال وسائل تضخمية، كطباعة العملة المحلية.
  • إلغاء التعليمات السابقة التي نصت على تحصيل إيرادات الدولة نقداً، والتي أدت إلى سحب السيولة النقدية إلى خارج القطاع المصرفي، كما يؤدي استخدام النقد في تحصيل إيرادات الدولة أيضاً إلى ارتفاع مستويات الفساد الحكومي ويزيد من مخاطر فقدانها، نظراً لانعدام الأمن إلى حد كبير. بدلاً من ذلك، ينبغي تشجيع استخدام الشيكات في تحصيل إيرادات الدولة.
  • إعادة تفعيل اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتي توقف عملها منذ بداية الحرب. إعادة تفعيل هذه اللجنة ستشكل خطوة إيجابية نحو الحد من مخاطر الامتثال.
  • تشكيل فريق استشاري لمساعدة الحكومة في السياسات المالية والاقتصادية بالتنسيق مع البنك المركزي.
    • ينبغي أن يتألف الفريق الاستشاري من ممثلين عن مؤسسات الدولة واقتصاديين بارزين وممثلين عن جميع القطاعات الاقتصادية الرئيسية.
    • ويمكن أن يعمل هذا الفريق أيضاً كمجلس استشاري للشؤون الاجتماعية والاقتصادية للحكومة اليمنية، وكذلك للشركاء الإقليميين والدوليين.
  • بالنظر إلى أهمية إيرادات الموارد الطبيعية بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي اليمني والنفقات الحكومية، على الحكومة اليمنية السعي لزيادة إنتاج وتصدير النفط والغاز وصولاً إلى مستويات ما قبل الحرب.
  • التباحث بشكل عاجل مع المملكة العربية السعودية من أجل إلغاء أو تأجيل أو على الأقل تخفيض الرسوم التي فرضت على اليمنيين المغتربين في السعودية، أو إيجاد اَلية لتعويضهم مقابل إبراز سند تسديد الرسوم، مما يسمح للمغتربين اليمنيين بإرسال المزيد من التحويلات إلى اليمن.

توصيات للدول الأعضاء في التحالف العربي بقيادة السعودية وللمجتمع الدولي

  • إيداع ودائع إضافية من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لدعم البنك المركزي في استقرار الريال وتسهيل استيراد السلع الأساسية واستئناف تقديم الخدمات العامة الأساسية.
  • مساعدة البنوك اليمنية في الحصول على تسهيلات تمويلية للمستوردين اليمنيين بما يمكنهم من شراء السلع الأساسية من الخارج.
    • السماح باستئناف الرحلات الجوية لنقل الأوراق النقدية من العملات الاجنبية بما يمكن البنوك اليمنية من ترحيل فوائض النقد من العملات الاجنبية وتغذية حساباتها في البنوك الخارجية.
    • التسريع في إنشاء وتفعيل اَلية تمويل التجارة لاستيراد الغذاء والتي كان البنك الدولي قد أعلن عنها في أبريل 2017م.
  • تقديم الدعم الفني والمساعدة في بناء قدرات البنك المركزي حتى يتمكن من ممارسة مهامه.
    • ينبغي أن يشمل بناء القدرات الدعم الفني، والتدريب، والدعم بالخبراء والمستشارين للمساعدة في تحسين العمليات والأنظمة الداخلية للبنك. على سبيل المثال، من شأن تركيب واستخدام أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحديثة أن يساعد البنك المركزي على إدارة الموازنة العامة للدولة والتعاملات الدولية وغيرها من وظائف البنك المركزي.
  • على دول التحالف التي تراقب وتنظم دخول السفن إلى موانئ البحر الأحمر اليمنية عدم منح تصاريح استيراد النفط ما لم يقدم المستورد جميع الوثائق اللازمة المتعلقة بآلية دفع قيمة الشحنة (على سبيل المثال، الاعتماد المستندي والنقل التجاري وما إلى ذلك).
    • من شأن هذا الإجراء أن يحقق هدفين مهمين: المساهمة في السيطرة على سوق صرافة العملات الأجنبية في اليمن، والمساهمة في الحد من شحنات النفط الغير مشروعة
  • على المجتمع الدولي تكثيف ضغوطه على سلطات الحوثيين في صنعاء لوقف التدخلات السياسية في عمل القطاع البنكي.
    • على سبيل المثال، أمر الحوثيون في صنعاء مؤخراً بتجميد أكثر من 1,200 من الحسابات البنكية التابعة لأفراد ومؤسسات. هذه الخطوات تؤدي إلى نزع الثقة بالقطاع البنكي وتشجع خروج النقد من النظام البنكي.

[1] لمزيد من التفاصيل، انظر: البنك المركزي اليمني، “القانون رقم 14 لسنة 2000م بشأن البنك المركزي اليمني”، متاح على: http://www.centralbank.gov.ye/App_Upload/law14.pdf (تم الوصول للملف تاريخ 3 فبراير 2018).

استعادة قدرات البنك المركزي وتأمين استقرار الريال
فبراير 8, 2018

مشاركة:

أقرأ ايضا

الملخص التنفيذي

تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام

تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة

ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً

استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ

وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة

وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.

رسالة إلى صناع القرار (Executive Note)

لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة

ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة

ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن

مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ

أبريل 30, 2026

أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.

مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي

أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.

إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي

فبراير 17, 2026

يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.

على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.

توصيات مختارة

  • على المنظمات الدولية التركيز على الاستثمار في خدمات الأقمار الصناعية مثل ستارلنك، ويجب على الحكومة تركيز جهودها على إنجاح نشرها.
  • على المؤسسات الإنمائية الدولية دعم إطار تنظيمي أكثر تماسكًا، يتمتع بقدرات كبيرة على الرقابة والإنفاذ.
  • على البنك المركزي بعدن، تعزيز حوكمته وسد الثغرات التنظيمية، مثل تنظيم التجارة الإلكترونية.
  • على الحكومة والمنظمات الدولية العمل على رفع مستوى المعرفة الرقمية ووعي المستهلكين، لا سيما أوساط الفئات الضعيفة والمحرومة.
  • على المانحين الدوليين والمنظمات غير الحكومية، دعم تدابير الأمن السيبراني لتحسين الثقة في الفضاءات الرقمية، وتعزيز نمو التجارة الإلكترونية.
  • على الجهات الحكومية أن تتعاون مع القطاع الخاص، لتحسين البنية التحتية، وتثقيف المستهلكين، وتحفيز المدفوعات الرقمية.
  • على وزارة المياه والبيئة أن تدرج حماية البيئة جزءًا من الإطار التنظيمي والاستثمارات في البنية التحتية.
سبتمبر 15, 2025

شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015

وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.

ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.

التوصیات الرئیسیة:
  • الاستراتیجیة الوطنیة الصناعیة: وضع استراتیجیة صناعیة وطنیة بالشراکة مع القطاع الخاص، بما ﻓﻲ ذلك تحدید القطاعات الرئیسیة وإجراءات الدعم وآلیات التنسیق.
  • الإصلاح التنظیمي: تبسیط تسجیل الأعمال وتحدیث القوانین وإنشاء مجالس التحکیم الصناعي.
  • إدماج المرأة: توسیع نطاق التدریب، وتطویر المناطق الصدیقة للنساء، وإطلاق التمویل المستهدف لرائدات الأعمال.
  • الابتکار والبحث والتطویر: تمویل مختبرات البحوث الصناعیة وتعزیز شراکات الابتکار مع القطاع الخاص.
  • تطویر البنیة التحتیة: إعادة تأهیل المناطق الصناعیة بالطاقة الشمسیة ومراکز الخدمات اللوجستیة وتبسیط الوصول إلی الموانئ.
  • الحصول ﻋﻠﯽ التمویل: إنشاء صندوق تمویل صناعي وتوسیع نطاق الائتمان المیسر للشرکات الصغیرة والمتوسطة.
  • الاستدامة البیئیة: فرض ضوابط التلوث، وتحفیز اعتماد التکنولوجیا النظیفة، ودمج الضمانات ﻓﻲ التخطیط الصناعي.
سبتمبر 8, 2025

تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.

يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.

يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.

أغسطس 11, 2025

تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.

استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.

ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.

يوليو 28, 2025

عن ماذا تبحث