شهدَ شهر ديسمبر 2018 لقاءً جمع بين 23 خبيراً يمنياً بارزاً في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. وناقش اللقاء، الذي عقد في العاصمة الأردنية عمّان ضمن فعاليات منتدى رواد التنمية الرابع، السبل الاقتصادية لبناء الثقة في سياق عملية السلام في اليمن، حيث تناولت النقاشات، التي تأتي في إطار مبادرة إعادة تصور الاقتصاد اليمني، عدداً من الآليات الاقتصادية التي يمكن العمل بها لبناء الثقة.
اشتملت هذه الآليات على دعم البنك المركزي بصفته مؤسسةً مستقلة تخدم جميع محافظات اليمن، والتأكد من إيداع الإيرادات العامة في جميع المحافظات إلى الحسابات التي يحددها البنك المركزي بالعاصمة المؤقتة عدن، وفتح المنافذ وضمان حرية الحركة للبضائع بين المحافظات، فضلاً عن المساعدات الإنسانية والمسافرين. وركّز المنتدى على دفع رواتب ومعاشات جميع العاملين في القطاع المدني الحكومي في ظلّ الأهمية المحورية لهذه القضية. يورد هذا الملخّص نتائج هذه النقاشات.
أوصى منتدى رواد التنمية بقيام الحكومة اليمنية بمعاودة صرف رواتب جميع العاملين المدنيين الذين يعملون في الجهاز الإداري للدولة بالاستناد على قاعدة بيانات وزارة الخدمة المدنية والتأمينات لعام 2014 في مختلف أنحاء اليمن، كون ذلك سيمثل خطوةً رئيسيةً من شأنها تخفيف الأزمة الإنسانية في اليمن وبناء الثقة بين الأطراف المعنية بعملية السلام في ذات الوقت، على أن تكون الأولوية لصرف رواتب العاملين في قطاعي التعليم والصحة، ويجب على الحكومة اليمنية أن تستمر أيضاً بتوفير السيولة في سبيل ضمان دفع معاشات جميع متقاعدي القطاع العام. في المقابل، يجب على حركة انصار الله السماح بوصول جميع العائدات الحكومية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها إلى الحسابات التي حدّدها البنك المركزي في اليمن بمقره المؤقّت في عدن. ويتوجّب على كل الأطراف أن تبذل قصار جهدها في سبيل إعادة تشغيل البنك المركزي اليمني ليكون مؤسسةً وطنيةً تخدم جميع مناطق اليمن. ويدعو منتدى رواد التنمية المانحين الإقليمين والدوليين لتغطية أي عجز في التمويل في سبيل دفع الرواتب والمعاشات.
تعد الحكومة اليمنية موظفاً رئيسياً للعمالة في اليمن، حيث شهد القطاع العام في اليمن نمواً مضطرداً خلال عقد التسعينات في ظلّ تفشي المحسوبية وسعي الأحزاب السياسية وقتها إلى كسب الدعم الشعبي عبر توزيع الوظائف المدنية والعسكرية، لتصل حصة القطاع العام إلى حوالي 30.6% من إجمالي العاملين في اليمن بحلول العام 2014، كما يظهر الشكل 1. إلا أن هذه النسبة لا تمثل العدد الحقيقي من الموظفين نتيجة لانتشار ما عُرف “بالازدواج الوظيفي” الذين شغلوا أكثر من منصبٍ وكانوا يحصّلون على أكثر من راتبٍ واحد، فضلاً عن “العاملين الوهميين” وهم موظّفون ليس لهم وجود فعلي، بل عبارة عن أسماء وهمية يقوم رؤساؤهم بتحصيل رواتبهم.
الجدير بالذكر أن نسبة كبيرة من السكان يعتمدون في معيشتهم على الرواتب الحكومية والمعاشات التقاعدية والمعونات التي كانت تُوزّع من خلال صندوق الرعاية الاجتماعية، ولقد بلغت هذه النسبة أعلاها في محافظات الجوف، أبين، مأرب وأمانة العاصمة (صنعاء) وبنسبة 40% من سكان هذه المحافظات وأدناها في كل من الحديدة والبيضاء وبنسبة 7% من السكان في عام 2017 ، كما يُبيّن الشكل 2 ونتيجةً لذلك، استحوذت رواتب ومعاشات القطاع الحكومي على حصةٍ كبيرةٍ من الكتلة النقدية في الدورة الكلية للاقتصاد، والدورتين النقدية والمالية. كما كان لهذه الرواتب تأثيراً مباشراً وغير مباشر على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، مثل إجمالي الناتج المحلي، والميزانية العامة للدولة والعرض النقدي.
لكن بحلول سبتمبر 2016م، تمّ تجميد صرف رواتب 1.2 مليون موظّف في القطاع العام في ظلّ أزمة سيولة في سبتمبر 2016، وتم في نفس الشهر صدور قرار نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن. وفي مطلع عام 2017 أعيد صرف الرواتب من جديد في وقتٍ مبكّر من 2017، ولكن فقط في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وبعد تأخير بلغ خمسة أشهر. ولا يزال هناك اليوم ما يقارب 50% من موظّفي القطاع العام يعملون بدون راتب، وفيما كانت معاشات المتقاعدين تصرف لحوالي ثلثي متقاعدي الخدمة المدنية المسجلين، وقد تم التوسع في الصرف منذ شهر نوفمبر 2018م ليشمل جميع المتقاعدين في أرجاء اليمن.
وكان لذلك تداعياتٌ كارثيةٌ بسبب اتساع الرقعة التي يشملها القطاع العام في اليمن، في وقتٍ ألقت فيها أسوأ أزمةٍ اقتصاديةٍ وإنسانية في العالم بظلالها على البلاد، إذ يهدد شبح المجاعة حوالي 10 ملايين يمني، ويمكن إرجاع هذه الأزمة، في جزءٍ منها، لعدم قدرة هؤلاء على شراء الطعام. فالعاملون في القطاع العام يُعيلون في العادة أسر كبيرة، أو يكونون بمثابة طوق النجاة لقرىً بأكملها، وبالتالي فإن تجميد صرف الرواتب لموظفي القطاع العام قد ترك ملايين اليمنين بدون مصدر رزقٍ رئيسي، ويزداد الأمر سوءا في ظل عدم وجود من يقرضهم المال، فضلاً عن تدهور مستوى الخدمات في قطاعات الصحة والتعليم نتيجة التوقف عن دفع رواتب المعلمين والأطباء والممرّضين.
لا يمكن النظر إلى الملف الاقتصادي في اليمن بمعزلٍ عن الجانبين الأمني والسياسي في ظلّ الديناميكيات المتداخلة والمتشابكة التي تحكم مشهد الصراع في اليمن، ولذلك فإن ردم الأزمة الاقتصادية في اليمن كسبيلٍ لبناء الثقة خطوةٌ كبيرة لدعم عملية السلام، إذ إن إحراز تقدمٍ يقود إلى الاستقرار الاقتصادي سيحمل تداعياتٍ إيجابيةٍ من شأنها المساهمة في كسر دورة الصراع. لذلك تبقى معاودة صرف الرواتب لموظّفي القطاع العام خطوة هامّة للغاية لها أن ترفع من مستوى معيشة ملايين اليمنين.
في عام 2014، كان هناك 1.25 مليون موظّف يعملون في وظائف حكومية في اليمن وفقاً لبيانات وزارة الخدمات المدنية والتأمينات يتوزعون على جهاز الدولة الإداري (القطاع المدني) بنسبة 38%، و52% في القطاعين الأمني والعسكري، و8% في وحدات القطاع الاقتصادي (مشاريع تملكها الدولة)، إضافةً إلى العاملين في وحداتٍ مستقلةٍ ومرتبطة، وصناديق التمويل الخاصة.
هناك نسبة كبيرة من العاملين في القطاع العام المدني والبالغ عددهم 472 ألف موظّف يعملون لدى السلطات المحلية ونسبتهم 87.6% من اجمالي الموظفين العاملين، وبالذات في قطاعات التعليم والرعاية الصحية العامة مقابل 12.4% في السلطات المركزية، كما أن ما نسبته 70% من أصل 653 ألف موظّف في القطاع العسكري والأمني يعملون لدى وزارة الدفاع، فيما يعمل ما نسبته 28% من موظّفي هذا القطاع لدى وزارة الداخلية، و2% لدى جهاز الأمن السياسي.
توضح بيانات الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات أن 88% من إجمالي 123 ألف متقاعد تُصرَف لهم معاشاتٌ تقاعدية في عام 2014 كانوا من الذكور، ولا يشمل هذا الرقم المتقاعدين من وزارات الدفاع أو الداخلية الذين لم تتوفر معلومات كافية بشأنهم.
شكّلت رواتب القطاع العام قبل اندلاع النزاع أحد أكبر بنود الإنفاق العام في إطار الموازنة العامة للدولة وبنسبةٍ وصلت إلى 32% من الإنفاق الحكومي بين عامي 2001 و2014. وبلغ معدل الإنفاق على رواتب القطاع العام في العام 2014 حوالي 1.14 ترليون ريال يمني، أي ما كان يعادل في ذاك الوقت 5.3 مليار دولارٍ أمريكي. وتوزعت هذه النفقات على القطاع الإداري المدني بحوالي 546.9 مليار ريال وبنسبة 48% من إجمالي الرواتب والأجور في القطاع العام، وحوالي 430.2 مليار ريال يمني على الخدمات العسكرية والأمنية وبنسبة 38%، فيما بلغت قيمة الرواتب والأجور لوحدات القطاع الاقتصادي والصناديق والهيئات المستقلة حوالي 162.4 مليار ريال يمني، مع العلم أن جزءا كبيرا من رواتب القطاع الاقتصادي يدفع من عوائد منفصلة عن الموازنة العامة للدولة. وأنفقت الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات حوالي 64.8 مليار ريال يمني عام 2014 لدفع معاشات المتقاعدين المسجّلين في كشوفاتها. ولم تُخصَم نفقات المعاشات من ميزانية الدولة، وإنما تمّ اقتطاعها من رواتب العاملين المدنيين.
أسهم النزاع بانزلاق الاقتصادَ اليمني إلى الانهيار، حيث توقفت صادرات النفط والغاز الطبيعي والتي كانت تمثل فيما مضى حوالي نصف الموارد العامة لموازنة الدولة، كما ساهم النزاع أيضاً في الانخفاض الحاد للعائدات الحكومية غير النفطية وتحديداً عائدات الجمارك والضرائب، فضلاً عن تشتت وانقسام هذه العوائد بين أنصار الله والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
خلال العام 2018 أنفقت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا حوالي 745 مليار ريالٍ يمني على الرواتب والأجور – وفقاً لبياناتٍ حكومية صدرت مطلع ديسمبر الماضي- وبما نسبته 76.3% فقط مما أنفقته الحكومة على هذا البند في عام 2014، ومع ذلك فقد زاد الإنفاق الحكومي على رواتب الخدمات العسكرية والأمنية بنسبةٍ وصلت إلى 15% مقارنة بعام 2014، وإن كانت لم تغطِّ سوى العاملين في القطاع العسكري والأمني في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة. وفيما يخص القطاع المدني لم يتجاوز الإنفاق على الرواتب والأجور ما نسبته 46.2% مما تم إنفاقه على نفس هذا القطاع في عام 2014، ويرجع ذلك إلى أن الحكومة لم تصرف سوى رواتب 51% من العاملين المدنيين بصورةٍ منتظمة.
نهاية عام 2018 وافقت الحكومة على زيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية بنسبة 30%، وهو ما ضخّم تكاليف ميزانية الدولة في وقتٍ كانت تعاني فيه البلاد من شحة الإيرادات العامة وانقسام السلطات المالية، ولا زالت. وبالتالي فإن مثل هذا الإجراء سيعمل على مفاقمة العجز في الموازنة العامة وتزايد خطر التضخم، وبالأخص إذا ما لجأت الحكومة إلى طباعة المزيد من العملة المحلية وسحب أموالٍ أكثر من البنك المركزي تفوق ما يستطيع تحمله، وهو ما سيزعزع اقتصاد اليمن أكثر وأكثر، ما لم يكن هناك دعما مباشرا للموازنة عن طريق منحٍ خارجيةٍ تتكفّل بدفع رواتب العاملين المدنيين.
أثمرت النقاشات المعمّقة التي دارت في منتدى رواد التنمية عن التوصيات التالية، التي وُضِعَت استجابةً لأزمة الرواتب التي فاقمت، بدورها، الكارثة الإنسانية في اليمن.
تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام
تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة
ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً
استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ
وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة
وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.
لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة
ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة
ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن
مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ
أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.
مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.
إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي
يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.
شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015
وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.
ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.
تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.
يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.
يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.
تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.
استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.
ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.