إعادة الإعمار والإصلاح في اليمن: توصيات منتدى رواد التنمية

يقف اليمن اليوم على حافة المجاعة بعد ما يقارب خمس سنوات من نزاع أسفر عن كارثة إنسانية حقيقية، فقد انهار الاقتصاد وألحق الاقتتال أضرار بالغة بالبنية التحتية للبلاد، وسيتطلّب تعافي وإعادة إعمار اليمن إعادة بناء الاقتصاد وإقامة مؤسسات الدولة وإعادة تأهيل البنية التحتية وإصلاح النسيج الاجتماعي ولكن وحتى هذه اللحظة لم يُعلن رسمياً عن عملية إعادة إعمار شاملة تقودها جهود المانحين.

لذلك يشدّد منتدى رواد التنمية على ضرورة البدء الفوري بجهود التعافي وإعادة الإعمار حتى مع استمرار دائرة الصراع، كما يشدد على ضرورة أن يرتبط التدخل الإنساني العاجل بالإصلاح الاقتصادي طويل الأمد. ويجب أن تهدف جهود التعافي وإعادة الإعمار في اليمن إلى خلق مرحلة تحول في البلاد، وليس فقط مجرد إعادة البلاد إلى ما كانت عليه قبل الحرب، ويجب أن يكون اليمنيون ومعهم المؤسسات المحلية جزء من هذه العملية منذ مرحلة التخطيط لضمان الشرعية والملكية المحلية لإن مسؤولية تنفيذ هذه الخطط ستقع في النهاية على عاتق اللاعبين المحليين.

بالاستناد إلى هذه المعطيات، أجرى منتدى رواد التنمية مناقشات معمّقة للخروج بتوصيات ومبادئ إرشادية لضمان شمولية وفاعلية عملية التعافي وإعادة الإعمار في اليمن وتحقيق تأثير إيجابي طويل الأمد. وتبيّن ورقة السياسات هذه التوصيات التي تتضمّن تدابيرا للربط بين التدخل الإنساني الفوري وطويل الأمد في اليمن، وآليات لمواجهة التحديات المالية ورفع سوية الحماية الاجتماعية، كما تقدم أيضا مبادئ إرشادية تُعنى بخلق وظائف جديدة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز سيادة القانون، وأخيراً استراتيجيات تعزّز الحكم المحلي وإشراك السكان المحليين في عملية إعادة الإعمار لا سيما في عملية التخطيط وتحديد الأولويات.

المقدمة

تسبّب النزاع اليمني بأسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم، وساهم انهيار اقتصاد البلاد في استفحال الأزمة.[1] وقد تضرّرت مؤسسات الدولة وتهدّمت البنى التحتية، بما في ذلك المدارس، والمستشفيات، وشبكات الطرق، والمحال التجارية، والمنازل بفعل النزاع الذي دخل عامه الخامس، كما فشلت الدولة في توفير الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والمياه، والكهرباء، ولم تستطع أن تلتزم بدفع رواتب العاملين المدنيين بانتظام منذ عام 2016، ناهيك عن تمزق النسيج الاجتماعي بدرجة كبيرة جدا.

لقد أدّى النزاع في اليمن إلى انهيار الاقتصاد وخلق عدد من التحديات في شتى القطاعات الاقتصادية الحيوية في اليمن بما في ذلك القطاع المصرفي والمالي، فتقلّص من جراء كل ذلك الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50% وخسر الريال اليمني ما يقارب ثلثي قوته الشرائية الأصلية مقارنةً بالدولار الأمريكي منذ مارس/آذار 2015.[2] وبسبب هذا النزاع أيضا، انقسمت إدارة البنك المركزي اليمني إلى جبهات متعدّدة في سبتمبر/أيلول 2016، واعتمدت الحكومة اليمنية على وديعة بلغت قيمتها ملياري دولار أمريكي قدّمتها المملكة العربية السعودية في يناير/كانون الثاني 2018 لإنقاذ احتياطي البنك المركزي اليمني من العملة الأجنبية ، ولا يوجد حالياً ما يدلّ على وجود رؤية لما سيحصل بعد استنفاد هذه الوديعة. أما القطاعات التي تولّد رؤوس الأموال في اليمن فهي لا تعمل حالياً كما ينبغي، ومن ناحية أخرى لم تعد الدولة تملك القدرة على تحصيل الإيرادات العامة بشكل فعال.

لقد نوقشت عملية التعافي وإعادة الإعمار في اليمن من قبل، لكن لم تبدأ حتى اللحظة استجابة منسّقة وشاملة من قِبل المانحين. ففي حين يعمل البنك الدولي حاليا على تطوير مخطّط للتعافي وإعادة الإعمار، إلا أنه لا يظهر وجود لأي تحرك دولي آخر بهذا الاتجاه إلا فيما ندر. وعلى صعيد آخر، فلقد أطلقت السعودية والإمارات برنامج العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن الذي لم يُثمر إلا عن بعض النتائج الزهيدة تمثّلت بإعادة إصلاح بعض الطرق، ومنذ أن أعلنت الرياض عن البرنامج السعودي لإعادة الإعمار والذي يبدو أنه يعمل على نطاق محدود وقصير الأمد، وما يزال محدوداً في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

يشدّد منتدى رواد التنمية على أنه لا يمكن الانتظار حتى نهاية الحرب لبدء جهود إعادة الإعمار والإصلاح. لذلك فقد أجرى المنتدى نقاشات معمّقةً تناولت احتياجات ومتطلبات عملية إعادة الإعمار كي تكون فعالة في السياق اليمني، ولقد أثمرت تلك النقاشات عن عدد من المبادئ الإرشادية والتوصيات التي يمكن الأخذ بها لمباشرة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار اليمن.

1. تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة

بات الانتشار الواسع لمشكلة انعدام الأمن الغذائي أحد أكثر التحديات الإنسانية إلحاحاً في اليمن اليوم، والذي يحوم معه شبح المجاعة فوق اليمن بسبب النزاع الذي أدّى إلى نقص في الغذاء وأعجز اليمنيين عن شراء الغذاء، إضافة إلى تفشي وباء الكوليرا وتدمير الاقتتال البنية التحتية لخدمات الصرف الصحي مما عطّل الخدمات الصحية وفاقم مشكلة هذا الوباء في البلاد.[3] ويشدّد منتدى رواد التنمية على أن هذه الأزمات ترتبط بتحديات اقتصادية أوسع.

  • يوصي منتدى رواد التنمية بإدراج تدابير لمكافحة التضخم في أي استراتيجية أمن غذائي. فقد فاقم التضخم الهائل مشكلة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، وفي ظل الهبوط الحاد في قيمة الريال اليمني ازدادت تكلفة استيراد الغذاء على المستوردين المحليين وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بالنسبة للأسر اليمنية.
  • يشدّد منتدى رواد التنمية على ضرورة الربط بين تلبية الاحتياجات العاجلة ووضع خطة تضمن النمو الاقتصادي الدائم من وراء أيّ تدخل إنساني. ويقترح المنتدى خلق هذه الرابط عبر تشجيع المنظّمات الإقليمية والدولية على الاستعانة بالقطاع الخاص اليمني على صعيد استيراد وتوصيل المواد الإغاثية والتنمية. فهذا من شأنه أن يخلق وظائف جديدة ويرفع من سوية توفير الخدمات ويزيد الإنتاج الاقتصادي في اليمن. من أجل كل ذلك، يجب أن يكون الإصلاح الاقتصادي طويل الأمد أولويةً حتى عند التفكير باحتياجات عاجلة مثل المساعدات الإنسانية والأمن الغذائي.

2. مواجهة التحديات المالية

تقلّص الاقتصاد اليمني بنسبة تُقدّر بـ 50% على نحو تراكمي منذ مارس/آذار 2015.[4] وقد أدّت الأزمة الاقتصادية إلى انتشار البطالة وزيادة التكاليف التشغيلية في مختلف القطاعات.[5] وقلّصت الأزمة أيضاً، وبصورة حادة، الإيرادات العامة والخدمات الحكومية، وأدّت إلى تجميد رواتب موظفي الدولة خصوصا من المدنيين.[6]

  • يوصي منتدى رواد التنمية بإعادة تشغيل قطاع النفط والغاز كي يعود إلى الإنتاج والتصدير؛ فمن شأن زيادة وعودة الإنتاج أن يساهم في النمو الاقتصادي السريع نتيجة عودة تدفق النقد الأجنبي لمواجهة اختلالات ميزان المدفوعات والعجز النقدي الحاد في الموازنة العامة، وسيساهم أيضا في تغطية بعض تكاليف إعادة الإعمار الباهظة. وبالرغم من أن عدداً من المشاركين في منتدى رواد التنمية يرون بأن قطاع النفط والغاز لا يجب أن يكون حجر الأساس الوحيد للتنمية المستقبلية في اليمن، سيبقى هذا القطاع على الأغلب مصدراً مهمّاً للوظائف والإيرادات على المدى القصير والمتوسّط.
  • رغم أن منتدى رواد التنمية يدعو إلى تقديم المساعدات المالية، إلا أنه يحذر من التدفق المفاجئ للمساعدات الخارجية لتغطية أي عجز مالي محتمل. ويشير المنتدى إلى أن المعونات المالية قد تحدث اضطرابات في السوق المحلية مثل التضخم والارتفاع الحاد للأسعار. وبالاستناد إلى ما سبق، يقترح منتدى رواد التنمية العمل على تثبيت قيمة الريال اليمني، ويشدّد على وجوب أن تكون حماية العملة المحلية أولوية البنك المركزي اليمني. ويقترح المنتدى أيضاً تمرير التمويل الخارجي عبر قناة البنك المركزي اليمني في سبيل تعزيز احتياطي العملة الأجنبية في البنك.
  • وفيما يخصّ رواتب موظفي الدولة، يشدّد منتدى رواد التنمية على ضرورة صرف جميع الرواتب، بما في ذلك رواتب المؤسستين العسكرية والأمنية، ولكن المنتدى ينوه إلى الازدياد المستمر لرواتب القطاع العسكري والأمني. وهو يرى بأن على أي تدخل أن يتناول مسألة العبء المتزايد والمستمر الذي تمثله الرواتب العسكرية على الموازنة العامة وما سيرافق ذلك من آثار على الاقتصاد بصورة عامة.

3. توفير الحماية الاجتماعية

تسبّب النزاع بخفض جودة المرفقات التعليمية والصحية في اليمن المتردّية أصلاً، وأدّى أيضاً إلى تقويض الحماية الاجتماعية للمجموعات المستضعفة.[7] وبينما يضع نصب عينيه الجهود الممكنة لإعادة الإعمار والإصلاح، يشدّد منتدى رواد التنمية على ضرورة العمل على برامج اجتماعية شاملة للجميع، إذ يجب أن تستهدف جهود التعافي وإعادة الإعمار جميع أفراد المجتمع، بما في ذلك أطفاله، وشبابه، ونساءه.

  • يثمّن منتدى رواد التنمية أهمية التعليم الذي يمكن أن يكون مرتكَزاً متيناً لعملية إعادة إعمار مستقرة، فالتعليم يضمن قدرة الأجيال اليمنية المستقبلية على لعب دور فاعل في جهود إعادة الإعمار الوطنية. وعلى هذا يحذّر المنتدى من تفضيل القطاعات الأخرى على التعليم. فإعادة بناء المدارس المتضرّرة يجب أن يرافقه خطط لاستثمارات أكثر شمولية وجدية في التعليم.
  • يقترح منتدى رواد التنمية تأسيس برامج تمكين لإعداد المنقطعين عن الدراسة والطلاب الجامعيين لدخول سوق العمل الإقليمي والمحلي، وخصوصاً في دول الخليج المجاورة. ويرى المنتدى أن صندوق تنمية المهارات يجب أن يمرّ بمرحلة إعادة تنظيم، بحيث يتعاون الصندوق مع القطاع الخاص، في سبيل رفع مستوى مؤسسات التدريب إلى أعلى مستوىً ممكن. ويجب أن يردم الصندوق فجوة المهارات بين التعليم ومتطلّبات سوق العمل لتسليح الطلاب بالمهارات الضرورية في مجالات اللغة، وتعلم استخدام الحاسوب، والإدارة. ويحثّ منتدى رواد التنمية على تطوير برامج مخصّصة للشباب تحارب ثقافة الفساد وتصنع جيلاً يتحلّى بعقلية جديدة منتجة.
  • وبالمثل، يقترح منتدى رواد التنمية تأسيس برامج دراسات عليا لتحسين قدرات مسؤولي الدولة. وسيقدّم خريجو هذه البرامج العون في تنفيذ خطط التعافي وإعادة إعمار على المدى المتوسط والطويل، وبهذا تساهم هذه البرامج في إعادة بناء مؤسسات الدولة. ويوصي منتدى رواد التنمية أيضاً بوضع برامج لتدريب الشباب على المهارات اللازمة لتصميم وتنفيذ برامج تنموية فعّالة وتولّي أدوار قيادية في مؤسسات الدولة. وبالرغم من أن هذا قد لا يكون مشروعاً ذا أولوية قصوى، اقترح عدد من المشاركين في منتدى رواد التنمية البدء الفوري بذلك على أساس الأهمية المحورية لعملية إصلاح مؤسسات الدولة في النجاح على المدى الطويل.
  • تبقى قضية التهشم في النسيج الاجتماعي، والذي كانت بفعل النزاع، قضية تعوق نجاح إعادة الإعمار، والنمو الاقتصادي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ويقترح منتدى رواد التنمية تطوير برنامج لبناء السلام يُعنى بمحاربة الأيديولوجيات السلبية والمتطرّفة التي كان لها أن تنتشر انتشاراً واسعاً خلال النزاع. ويوصي المنتدى أيضاً بالعمل بخطة تفصّل أنشطة نزع السلاح وتسريح العسكريين، كما يقترح إعادة دمج المقاتلين في المجتمع عبر توفير الفرص لهم كالتعليم والتدريب على المهارات.
  • قبل كل شيء، يشدّد منتدى رواد التنمية على أخذ السياق المحلي المجتمعي في اليمن بعين الاعتبار في جميع برامج الحماية الاجتماعية. والأرجح أن يتطلّب ذلك منهجيةً جديدةً ترتكز على المجتمعات المحلية.

4. دور القطاع الخاص والمؤسسات المحلية في إعادة إنشاء أهمّ جوانب البنى التحتية

تضرّرت البنية التحتية في اليمن بصورة واسعة خلال النزاع الذي دمّر المرافق الخدمية والحيوية من مستشفيات ومدارس وصرف صحي إلى الطرق والمطارات وغير ذلك، وبات من الضروري إعادة بناء الطرق، وشبكات الطاقة، ومرافق المياه، والمنازل قبل كل شيء. وهنا يشدّد منتدى رواد التنمية على ضرورة عدم الاقتصار على إعادة حال الدولة والبنية التحتية إلى ما كانت عليه، بل جعل عملية إعادة البناء فرصةً لتمكين اليمنيين من إعالة أنفسهم بأنفسهم في المستقبل.

  • يوجد عدد من الموانئ التي تحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة، بما في ذلك المخا وسقطرى والمهرة، وغيرها. وهذا أمر حيوي للغاية، كما يؤكد منتدى رواد التنمية، كون الموانئ اليمنية، لا سيما تلك الواقعة على البحر الأحمر، هي من أهم البنى التحتية التي من شأنها جعل اليمن نقطةً مركزيةً للتجارة الإقليمية والدولية، كما أن ذلك أيضاً يربط اقتصاد اليمن بالاقتصاد الإقليمي والعالمي، إضافة إلى كونها عصب الحياة التي تمر عبره واردات اليمن من الأسواق العالمية للسلع الأساسية ومنها الغذاء والوقود.
  • يوصي منتدى رواد التنمية بأن يلعب القطاع الخاص في اليمن دوراً أساسياً في إعادة تشييد البنية التحتية. ويشدّد المنتدى على عدم إغفال المساهمة المحلية في عملية التعافي وتمكين اللاعبين المحليين، والذي سيكون أمراً محورياً في مرحلة تحول اليمن بدلاً من مجرد إعادة بنائه. ويحذّر منتدى رواد التنمية المانحين الدوليين من فرض شروط تعطي امتيازات للشركات الإقليمية والدولية نظراً للدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في بناء اقتصاد يمنيّ مستقر. ويقترح المنتدى تفضيل السياسات والتنظيمات التي تحثّ شراكات القطاع الخاص. ويمكن أيضاً رعاية التعاون مع القطاع الخاص عبر طريقة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) في إعادة بناء المطارات والموانئ البحرية وشبكات الطاقة. ويُوصي المنتدى أيضاً القطاع الخاص بخلق بيئة داعمة للريادة والمشاريع الصغيرة والمتوسّطة، مثلاً عبر تأسيس قطاع ماليٍّ (مثل رأس المال المجازف) لدعمهم.
  • وإذ يشدّد منتدى رواد التنمية على أهمية إشراك القطاع الخاص اليمني في مشاريع إعادة الإعمار، فإنه يوصي في نفس الوقت بوضع نظام يضمن الإنتاجية والاستدامة وعلى أساسه يتاح للقطاع الخاص المساهمة في المشاريع الضخمة مثل إعادة بناء المطارات، والموانئ البحرية، والطرق السريعة. وينبّه منتدى رواد التنمية إلى الخطر الكبير الكامن الذي يشكلّه الفساد في قطاع البناء، وأيضاً ضرورة تطوير تدابير صارمة لدرء قنوات الفساد.
  • بخصوص إعادة بناء شبكة الطاقة في اليمن، يوصي منتدى رواد التنمية بشدة أن يركّز إعادة الإعمار على مصادر الطاقة الكهربائية المتجدّدة. فيجب حثّ المنازل والمؤسسات المحلية على استخدام (أو الاستمرار في استخدام) الطاقة الشمسية التي تضمن الكفاية الذاتية، عوضاً عن الاعتماد على شبكة الطاقة الوطنية المكلفة والضعيفة. ويجب إجراء تقييم لمصادر الطاقة الممكنة على المستوى الوطني والمحلي.
  • يوصي منتدى رواد التنمية بعدد من تحسينات تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات في اليمن، دون إغفال حجم رأس المال الكبير الذي قد يلزم لتحقيق هذه التحسينات. ويرى بعض المشاركين في منتدى رواد التنمية بأن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هو شرط مسبق للتنمية الاقتصادية بوصفه أداةً تسمح بتنقل البيانات في هذا العصر الرقمي. ومن بين هذه المقترحات، جاء اقتراح بتحديث نظام الضمان الاجتماعي، وتطوير مراكز بيانات لتتبّع أرقام الضمان الاجتماعي والفوائد المقدمة للمستفيدين. إضافةً إلى ذلك، يقترح منتدى رواد التنمية تحسين شبكة الهواتف المحمولة في اليمن لتتوافق مع معايير تقنية 4G وبناء روابط لمراكز البيانات الدولية.
  • يقترح منتدى رواد التنمية تقسيم عملية إعادة تأهيل مطارات اليمن إلى مراحل. أولها هو الإصلاحات قصيرة الأمد التي تمكّن المطارات من العمل، وهذه الإصلاحات يجب العمل بها فوراً، ومن ثم يمكن بناء مطارات جديدة على المدى الطويل. ويمكن إلحاق تكاليف بناء مطارات جديدة بميزانية إعادة الإعمار، في حين يمكن تمويل المعدات اللازمة لذلك عبر الشركات الدولية العاملة على هذه المطارات.
  • يوصي منتدى رواد التنمية بعدم إهمال صندوق الرعاية الاجتماعية ومشروع الأشغال العامة بالعمل على تقييمهما وتحسينهما على أساس التعامل معهما كشركاء منفذّين. وفي نفس الوقت لا يتجاهل منتدى رواد التنمية أن هاتين المؤسستين هما أداتان من بين أدوات أخرى عديدة، حيث يمكن لليمن الاستفادة من عدة جهات منفذّة مختلفة بحسب نوع التدخل. ولقد اقترح المشاركين في منتدى رواد التنمية تصنيف التدخلات إلى ثلاثة مستويات. أولا، مشاريع التنمية البشرية، مثل مشاريع التعليم والصحة، والتي يمكن لصندوق الرعاية الاجتماعية ومشروع الأشغال العامة تنفيذهما بما يتلاءم مع الخبرات والقدرات اللازمة في هذه المشروعات. ثانيا، المشاريع المتوسّطة الحجم، مثل الطرق والجسور، والتي يمكن أن ينفذّها مشروع الأعمال العامة. ثالثا، مشاريع البنية التحتية والمشاريع العملاقة، مثل بناء المطارات والموانئ البحرية، والتي يمكن أن تتكفّل بها شركات دولية إن لم يكن هناك أي بديل محليّ قادر على تنفيذ مشاريع بمثل هذا الحجم.

5. خلق الوظائف

كان للنزاع أثر واضح على القوى العاملة في اليمن. فالكثير من موظّفي القطاع العام الذي يصل عددهم إلى 1.2 مليون موظّف لم يستلموا رواتبهم بانتظام منذ عام 2016. ويُقدّر أيضاً بأن 55% من موظفي القطاع الخاص قد تم تسريحهم خلال أول عامين ونصف فقط من الحرب، فقد اضطرت الكثير من الأعمال التجارية إلى إغلاق أبوابها أو تقليص ساعات عملها.[9] ويشدّد منتدى رواد التنمية على أن خلق فرص العمل هو أمر ذو أهمية جوهرية تتجاوز أهميته تحقيق استقرار الاقتصاد اليمني، فهو أيضاً يساهم في معالجة الأزمة الإنسانية التي تواجهها البلاد.

  • استثمر رجال الأعمال اليمنيون، كما أشار منتدى رواد التنمية، في أكثر من 50 مشروعاً صناعيّاً خارج البلاد، إلا أن القطاع الخاص لا يزال يتوجّس من الاستثمار محلياً بسبب البيئة الطاردة نتيجة لغياب الأمن والقضاء والاستقرار السياسي في المقام الأول. لذلك، فإن استتباب الأمن والنظام وفرض سيادة القانون ستساعد على تحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في عملية إعادة الإعمار والإصلاح، وهو ما سيخلق أيضاً فرص عمل جديدة.
  • يُشير منتدى رواد التنمية إلى أن تحويلات اليمنيين المغتربين لها آثار بعيدة في الاقتصاد اليمني، فهذه التحويلات تساهم في إعالة ملايين اليمنين. ولهذا يوصي منتدى رواد التنمية بأن تنظر جهود إعادة الإعمار إلى التحويلات على أنها أحد آلياتدعم النمو الاقتصادي في اليمن. ويوصي المنتدى أيضا بمحاولة تشجيع البلدان المجاورة، مثل السعودية، على فتح أسواق عملها للعاملين اليمنيين وإعفائهم من رسوم العمل والقيود التي تمّ فرضها مؤخّراً.
  • يشدّد منتدى رواد التنمية على جعل إعادة بناء المصانع المتضرّرة أولويةً وذلك لكي يتم إحياء دور القطاع الصناعي في اليمن، حيث سيتم إعادة من تم تسريحهم وخلق وظائف جديدة إذا ما تم إعادة فتح مصانع الحديد والإسمنت، وهو ما سيكون له أيضاً أثر إيجابيّ على الناتج المحلي الإجمالي لليمن، وسيساهم ذلك أيضاً في جهود إعادة البناء. ويُشير منتدى رواد التنمية أيضاً إلى ضرورة العمل على آليات لتعويض القطاع الخاص عن المباني التي تضرّرت في النزاع وجعل ذلك جزءاً من جهود إعادة الإعمار والإصلاح.
  • يوصي منتدى رواد التنمية بدعم الزراعة، فهناك نسبة كبيرة من الأسر اليمنية التي تعيل نفسها من الزراعة، حيث تُقدّر نسبة الوظائف في قطاع الزراعة في اليمن قبل النزاع بـ 30%.[10] لذلك، فإن من شأن الفشل في الاستثمار في الزراعة أن يتسبب بأثر كارثي على التوظيف، كما حذّر منتدى رواد التنمية. يمكن إيجاد المزيد من التفاصيل في موجز السياسات المنشور تحت عنوان “خلق فرص عمل جديدة في اليمن“.

6. إشراك المؤسسات اليمنية المحلية وتفعيل دورها

يوصي منتدى رواد التنمية بتفعيل دور المؤسسات والسلطات المحلية في جميع مراحل عملية إعادة الإعمار والإصلاح. وبالرغم من أن المنتدى يدرك أن المؤسسات المحلية تفتقد للقدرات اللازمة لتولي مسؤولية التنفيذ بصورة مباشرة، إلا أنه يُشير إلى أن بعض تجارب الحكم المحلي، مثل تلك التي قامت في عدن، وحضرموت، والحديدة، وتعز، قد أثبتت فعاليةً لافتةً قبل فترة الصراع مقارنةً بغيرها.

  • يشدّد منتدى رواد التنمية على حاجة جهود التعافي وإعادة الإعمار إلى أن تكون قادرة على استيعاب الجميع، وأن تتم استشارة الشريحة اليمنية المحلية خلال المراحل الأولى من تخطيط إعادة الإعمار. فخلق حسّ من الشرعية والملكية المحلية هو أمر محوريّ لنجاح تخطيط إعادة الإعمار، لا سيما أنه سيكون اللاعبون المحليون مسؤولين في النهاية عن تنفيذ هذه الخطط. ويشدّد المنتدى على أن نقاشات إعادة الإعمار لا يجب أن تكون حكراً على اللاعبين الدوليين والنخب اليمنية في الخارج.
  • يشدّد منتدى رواد التنمية على أهمية نزع سمة المركزية من عملية التعافي إعادة الإعمار، وذلك بناء على ما رأى الكثير من المشاركين في المنتدى من عدم قدرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على إدارة النطاق الكبير الذي ستحتاجه جهود الإصلاح في اليمن. ويوصي المنتدى بتفعيل دور السلطات المحلية في عمليات تقييم الاحتياجات والتخطيط والتنفيذ، وينصح المنتدى أيضاً بأن يكون دور الحكومة المركزية هو تأدية مهام الإشراف والمتابعة والتقييم والمساءلة.
  • يوصي منتدى رواد التنمية بتقسيم جهود إعادة الإعمار على أساس المنطقة الجغرافية ونوع التدخل. فعلى سبيل المثال، يمكن تصنيف المحافظات إلى ثلاث مناطق بحسب احتياجات كل منطقة وقدرتها على التنفيذ. ويمكن تصنيف التدخلات، بصورة مشابهةٍ، على أساس مستواها (وطني أو محلي) أو نوعها (إغاثي، أو اصلاحي، أو تنموي). فإنّ التمييز بين الحاجة لتدخل فوريّ في منطقة لديها قدر عال من الاحتياجات ومستوى قدرات منخفض، على سبيل المثال، وبين تدخل قائم على سياسة طويلة الأمد في منطقة تملك مستوى قدرات عال وقدر بسيط من الاحتياجات يساعد على جعل توقعات المانحين أكثر واقعية ويساعد تقديم خطط تنفيذية عملية مفصّلة على نطاق أصغر ومحدد. ويُشير منتدى رواد التنمية إلى ضرورة موازنة توقعات المانحين، إذ أن تدخلات إعادة الإعمار ستبدأ بدايةً بطيئةً على الأرجح بالنظر إلى البيئة المعقدة في اليمن والقدرات المحدودة للدولة بعد سنوات من النزاع وكذلك عدم القدرة في بداية الأمر على تقدير حجم الأضرار والخسائر المادية وتحديد الاحتياجات والأولويات.
  • يرى منتدى رواد التنمية أن توفير خدمات الكهرباء من أبرز جوانب إعادة الإعمار التي يمكن لها الاستفادة من عملية تقييم احتياجات وتخطيط على مستوىً محليّ وليس وطني. فصلاحية التحكم بالكهرباء كانت لفترة طويلة حكراً على الحكومة المركزية، ولعل ذلك قد كان على حساب استجابات أسهل وأكثر تلاؤماً مع السوق. وقد تبيّن مراراً وتكراراً أن معالجة القضية على المستوى الوطني هي سياسة قد أثبتت فشلها بسبب الفساد الذي تفشّى في مؤسسات الدولة. واستخدام الديزل والبترول لتوليد الكهرباء ليس حلّاً مستداماً على المدى الطويل. ويمكن أن تشكّل مصادر الطاقة المتجدّدة المنتجة محلياً مساهمةً كبيرة في هذا الجانب، وأيضاً بصورة مباشرة في إعادة الإعمار. يملك اليمن أكثر من 40 ألف مضخة تعمل بضغط الماء في المناطق الجبلية الريفية حيث يمكن توظيف الطاقة المتجدّدة للقيام بذلك وبتنفيذ من مؤسسات محلية.
  • يرى منتدى رواد التنمية أن تنفيذ المشاريع على المستوى المحلي قد يكون أبسط، ويمكن أيضاً استغلاله كأداة لتحفيز جهود السلام. ولتحقيق ذلك، ينصح منتدى رواد التنمية بالعمل مع سلطات محلية أثبتت جدارتها مثل السلطات التي قامت في مأرب وحضرموت.
  • يجب إعطاء السلطات المحلية مسؤولية تصميم وقيادة مشاريعها الخاصة بإعادة الإعمار، عوضاً عن الاعتماد على برنامج موحد لكل مناطق اليمن. ويمكن أن تُعطى كل سلطة دورة تمويل خاصّةً بها يمكن تجديدها بناءً على الأداء. ويمكن أيضاً تحديد المشاريع التي يتمّ العمل عليها بصورة مشتركة بين السلطات المحلية والوطنية، والعمل على تطويرها بعد ذلك بصورة مستقلة.

7. إعادة بناء مؤسسات الدولة وحكم القانون

يشدّد منتدى رواد التنمية على ضرورة إلحاق آليات لإعادة بناء الثقة في السلطة المركزية وحكم القانون بجهود التعافي وإعادة الإعمار.

  • يقترح منتدى رواد التنمية أن تولي جهود إعادة الإعمار والإصلاح الأولوية لإعادة بناء مؤسسات الدولة الرئيسية، وتحسين الإدارة العامة والإدارة المالية، وإعادة تأهيل الجهازين الأمني والقضائي. وبالرغم من أن إنعاش هذه المؤسسات ليس بنفس أولوية تدخلات تُعنى أكثر بالجانب الإنساني، غير أنه لا يجب التغافل عن المساهمة الكبيرة لهذه المنجزات في عملية التعافي وإعادة الإعمار عبر سيادة القانون.
  • يرى منتدى رواد التنمية وجوب اشتمال عملية إعادة الإعمار على إصلاحات سياسية تتواكب مع وجود محددات قانونية ملزمة في سبيل بناء الثقـة في هذه العملية. ويُشير المنتدى إلى أن اليمن يعاني من فساد عارم ويشدّد على الحاجة لتنفيذ تدابير متينة وترتيبات مؤسّساتية للحد من ممارسات الفساد خلال جهود الإصلاح وإعادة الإعمار. ويرى المنتدى أيضاً بأن هذه الإصلاحات يجب أن تتمّ على مختلف مستويات الحكم، من المجتمعات والقطاعات إلى أعلى المستويات.
  • يُشير منتدى رواد التنمية تحديداً إلى أن إعادة الإعمار ستستلزم إطاراً عملياً لضمان حسن تصميمها وتبنيها وتنفيذها. ويشدّد المنتدى أيضاً على الحاجة لوضع خطط لا تغفل خصوصية النزاع لتفادي التوترات التي من شأنها أن تزيد الأمور تعقيداً.

8. تأسيس مكتب إعادة إعمار

أخيراً، يقترح منتدى رواد التنمية تأسيس مكتب للإشراف على جهود التعافي وإعادة الإعمار:

  • يقترح منتدى رواد التنمية أن يقوم هذا المكتب بإدارة التمويل وتنسيق السياسات المختلفة بين المانحين. وبتأسيس هذا المكتب، يمكن تحديد أدوار اللاعبين اليمنيين والمانحين الدوليين بدقة وبوضوح بحيث يحول ذلك دون وقوع الفساد ويضمن تحقيق النتائج المرجوة. يمكن إيجاد تفاصيل أكثر في موجز السياسات التالي: إعادة الإعمار ما بعد النزاع في اليمن: إطار عمل مؤسّسي.
  • يقترح منتدى رواد التنمية أيضاً وضع آلية للإشراف ومكافحة الفساد بالتوازي مع عملية التعافي وإعادة الإعمار.

خلاصةً

يشدّد منتدى رواد التنمية على أهمية البدء بعملية التعافي وإعادة الإعمار حتى قبل انتهاء النزاع. ويرى المنتدى بأن الأوضاع المتدهورة في اليمن تتطلّب استجابةً فورية. ويمكن بدء إعادة الإعمار، كما اقترح منتدى رواد التنمية، في المناطق المؤمّنة، فيمكن أن تختبر التدخلات صغيرة النطاق مدى فعالية نظامي التمويل والتنفيذ. ويقترح منتدى رواد التنمية البدء في محافظة عدن وجعلها نموذج تحتذي به باقي محافظات الجمهورية. كما يمكن أيضاً أن تشرع مشاريع إعادة الاعمار في المحافظات الأكثر استقرارا كحضرموت بحكم أنها محافظة بعيدةٌ عن النزاع، ويمكن أن يحفّز النجاح هناك المانحين للاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار في مناطق أخرى.


الهوامش

[1]https://www.unog.ch/unog/website/news_media.nsf/(httpNewsByYear_en)/27F6CCAD7178F3E9C1258264003311FA?OpenDocument

[2]http://pubdocs.worldbank.org/en/547461538076992798/mpo-am18-yemen-yem-9-14-kc-new.pdf

[3]United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Yemen: 2018 Humanitarian Needs Overview, December 4, 2017, https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-2018-humanitarian-needs-overview-enar

[4]Yemen’s Economic Outlook – October 2018,” World Bank, October 3, 2018, accessed February 8, 2019, http://pubdocs.worldbank.org/en/547461538076992798/mpo-am18-yemen-yem-9-14-kc-new.pdf.

[5]Yemen’s Economic Outlook – October 2017,” World Bank, October 11, 2017, accessed August 3, 2018,http://www.worldbank.org/en/country/yemen/publication/yemen-economic-outlook-october-2017

[6]Noah Browning, “Unpaid State Salaries Deepen Economic Pain in Yemen’s War,” Reuters, January 26, 2017, accessed December 7, 2018,https://www.reuters.com/article/us-yemen-security-salaries/unpaid-state-salaries-deepen-economic-pain-in-yemens-war-idUSKBN15A1WW; Mohammed Yahya Gahlan, “No Light at End of Tunnel for Yemen’s Economy,” Al-Monitor, March 8, 2018, accessed December 7, 2018,http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2018/03/yemen-war-houthis-economy-central-bank-salaries-government.html#ixzz5NPkfYhwg

[7]OCHA, Humanitarian Needs Overview

[8]OCHA, Humanitarian Needs Overview 2018.

[9]United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Yemen Humanitarian Needs Overview 2018 (New York: United Nations Office for Humanitarian Affairs, 2017), accessed February 7, 2019, https://www.unocha.org/sites/unocha/files/dms/yemen_humanitarian_needs_overview_hno_2018_20171204.pdf

[10]International Labour Organization (ILO), Yemen Labour Force Survey 2013-14 (Beirut: International Labour Organization, 2015), 7, accessed February 4, 2018, https://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—arabstates/—ro-beirut/documents/publication/wcms_419016.pdf

إعادة الإعمار والإصلاح في اليمن: توصيات منتدى رواد التنمية
أبريل 8, 2019

مشاركة:

أقرأ ايضا

الملخص التنفيذي

تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام

تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة

ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً

استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ

وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة

وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.

رسالة إلى صناع القرار (Executive Note)

لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة

ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة

ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن

مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ

أبريل 30, 2026

أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.

مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي

أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.

إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي

فبراير 17, 2026

يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.

على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.

توصيات مختارة

  • على المنظمات الدولية التركيز على الاستثمار في خدمات الأقمار الصناعية مثل ستارلنك، ويجب على الحكومة تركيز جهودها على إنجاح نشرها.
  • على المؤسسات الإنمائية الدولية دعم إطار تنظيمي أكثر تماسكًا، يتمتع بقدرات كبيرة على الرقابة والإنفاذ.
  • على البنك المركزي بعدن، تعزيز حوكمته وسد الثغرات التنظيمية، مثل تنظيم التجارة الإلكترونية.
  • على الحكومة والمنظمات الدولية العمل على رفع مستوى المعرفة الرقمية ووعي المستهلكين، لا سيما أوساط الفئات الضعيفة والمحرومة.
  • على المانحين الدوليين والمنظمات غير الحكومية، دعم تدابير الأمن السيبراني لتحسين الثقة في الفضاءات الرقمية، وتعزيز نمو التجارة الإلكترونية.
  • على الجهات الحكومية أن تتعاون مع القطاع الخاص، لتحسين البنية التحتية، وتثقيف المستهلكين، وتحفيز المدفوعات الرقمية.
  • على وزارة المياه والبيئة أن تدرج حماية البيئة جزءًا من الإطار التنظيمي والاستثمارات في البنية التحتية.
سبتمبر 15, 2025

شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015

وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.

ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.

التوصیات الرئیسیة:
  • الاستراتیجیة الوطنیة الصناعیة: وضع استراتیجیة صناعیة وطنیة بالشراکة مع القطاع الخاص، بما ﻓﻲ ذلك تحدید القطاعات الرئیسیة وإجراءات الدعم وآلیات التنسیق.
  • الإصلاح التنظیمي: تبسیط تسجیل الأعمال وتحدیث القوانین وإنشاء مجالس التحکیم الصناعي.
  • إدماج المرأة: توسیع نطاق التدریب، وتطویر المناطق الصدیقة للنساء، وإطلاق التمویل المستهدف لرائدات الأعمال.
  • الابتکار والبحث والتطویر: تمویل مختبرات البحوث الصناعیة وتعزیز شراکات الابتکار مع القطاع الخاص.
  • تطویر البنیة التحتیة: إعادة تأهیل المناطق الصناعیة بالطاقة الشمسیة ومراکز الخدمات اللوجستیة وتبسیط الوصول إلی الموانئ.
  • الحصول ﻋﻠﯽ التمویل: إنشاء صندوق تمویل صناعي وتوسیع نطاق الائتمان المیسر للشرکات الصغیرة والمتوسطة.
  • الاستدامة البیئیة: فرض ضوابط التلوث، وتحفیز اعتماد التکنولوجیا النظیفة، ودمج الضمانات ﻓﻲ التخطیط الصناعي.
سبتمبر 8, 2025

تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.

يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.

يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.

أغسطس 11, 2025

تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.

استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.

ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.

يوليو 28, 2025

عن ماذا تبحث