يقدم موجز السياسات هذا توصيات لزيادة فاعلية الحكومة في اليمن عقب الصراع، ويستعرض الموجز ثلاث نماذج للحكومات الانتقالية التي سبق تطبيقها في اليمن وتونس ولبنان بعد فترات من عدم الاستقرار، لاستخلاص الدروس المستفادة والتحديات والمخاطر والفرص في تشكيل حكومات انتقالية في سياق ما بعد الصراع.
الخياران الأكثر وضوحاً لتشكيل حكومة مباشرة عقب الصراع بهدف قيادة مرحلة انتقالية في اليمن هما حكومة توافقية مع توزيع المقاعد الوزارية بين المكونات السياسية الرئيسية، أو حكومة تكنوقراط لتصريف أعمال وتُعين من قبل رئيس وزراء مُجمع عليه، وتشير دراسات الحالة في اليمن ولبنان إلى أنه يمكن لاتفاقيات تقاسم السلطة أن تؤدي إلى سلام واستقرار نسبيين على المدى القصير، إلا أنه إذا لم يتم تصميمها بشكل صحيح ومتابعتها من خلال إصلاحات إضافية، فقد تؤدي إلى فشل العملية الانتقالية (كما في اليمن بعد عام 2011)، أو قد تؤدي إلى نشوء شبكات محسوبيات راسخة، وجمود سياسي على المدى الطويل (كحال لبنان)، وتوضح دراسة الحالة التونسية قدرة حكومة التكنوقراط المؤقتة على الحكم بكفاءة نسبية مع إتاحة المجال للمفاوضات السياسية.
ويوصي كتاب هذه الورقة بأهمية التوافق حول مهام الحكومة الانتقالية قبل تشكيلها، وتمكين القطاع الخاص من دعم التنمية وإعادة الإعمار، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي عقب الصراع في اليمن؛ وتمكين السلطات المحلية من خلال نقل سلطات أوسع إليها.
تقتصر عملية السلام الحالية التي ترعاها الأمم المتحدة على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين المسلحة، ولديها أجندة ضيقة لإنهاء النزاع الحالي، وفي الفترة الانتقالية التي من المتوقع أن تعقب اتفاق السلام، يتوجب إجراء حوار سياسي أشمل بين اليمنيين بأجندة أوسع. وتركز هذه الورقة على الحكومة الانتقالية في اليمن فور التوصل إلى اتفاق سلام، حيث وسيكون لهذه الحكومة الانتقالية دوراً هاماً في استقرار اليمن وتحقيق مكتسبات السلام لليمنيين.
وللمساهمة في تقديم مقترحات حول كيفية تشكيل هذه الحكومة، يقدم موجز السياسة هذا ثلاثة أنماط مختلفة للحكم الانتقالي تم تطبيقها مسبقاً في اليمن وتونس ولبنان بعد فترات من عدم الاستقرار، لاستخلاص الدروس المستفادة والتحديات والمخاطر والفرص في تشكيل حكومات انتقالية في سياق ما بعد الصراع في اليمن.
لبنان
يوزع نموذج الحكم في لبنان المناصب التنفيذية، والمقاعد الوزارية في الحكومة، ومقاعد البرلمان بين الطوائف الدينية الثمانية عشر المعترف بها رسمياً في البلاد، وكان الميثاق الوطني لعام 1943 عبارة عن اتفاق غير مكتوب قام بوضع الأسس لنظام المحاصصة الطائفية، و قد تم الاتفاق على أن يكون الرئيس مسيحياً مارونياً، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان مسلماً شيعياً باعتماد نسبة تمثيل المسيحيين إلى المسلمين بما يعادل 6 إلى 5، وعلى أساس تعداد سكان البلاد عام 1932، وتم تكريسها في جميع جوانب السلطة، بما في ذلك في البرلمان ومجلس الوزراء، وقد ساعد هذا الترتيب في تقاسم السلطة على زرع بذور عدم الرضى عقب تطبيقه.[1]
وفي الفترة السابقة للحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بدأت تزداد التحديات للدور المهيمن الممنوح للمجتمع المسيحي الماروني في البلاد، وساهمت العديد من العوامل المحلية والخارجية في اندلاع العنف الطائفي عام 1975، بما في ذلك المظالم الاقتصادية، ومسالة سيادة الدولة في أعقاب وصول مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، والخلاف على هوية لبنان، والتوترات الإقليمية، غير أن الحرب الأهلية في لبنان على العموم كانت على الأقل محاولة من جانب الجماعات اليسارية والإسلامية في البلاد لمراجعة ترتيب المحاصصة داخل النظام الطائفي.
وقد وفر اتفاق الطائف لعام 1989، والذي اتفق عليه النواب والقادة السياسيون والميليشيات المتحاربة، الأساس لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة الحياة السياسية الطبيعية إلى لبنان، ويمكن اعتبار هذا الاتفاق بمثابة تحديث للميثاق الوطني، حيث تم نقل صلاحيات الرئاسة إلى مجلس الوزراء، وتم تعزيز مكتب رئيس الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية الرئيسية وصانع القرار، وتم إنشاء نسبة 1: 1 من المسيحيين إلى المسلمين في جميع مؤسسات الحكومة، وبالإضافة إلى ذلك، حدد الاتفاق إلغاء النظام الطائفي كأولوية وطنية، رغم أن هذا لم يتم تطبيقه بالكامل.[2]
في حين نجح اتفاق الطائف بإعادة توزيع السلطة بين الطوائف اللبنانية بشكل أكثر إنصافاً، إلا أنه فشل في معالجة أوجه القصور الأساسية داخل نظام الحكم، حيث لا يزال توزيع المناصب الحكومية مبني على أسس طائفية حتى يومنا هذا، مما أدى إلى تركيز السلطة الحقيقية بين حفنة من زعماء المِلَل أو “الزيم”، وغالباً ما يتم التعامل مع الوزارات الفردية على أنها إقطاعيات يستخدمها الزعماء لتعزيز شبكات المحسوبيات داخل مِلَلِهم، في حين لا يمكن اتخاذ القرارات الحكومية الرئيسية دون رضى جميع زعماء الطوائف الرئيسية في لبنان، مما يعيق فعالية الحكم، وقد عانت لبنان مؤخراً من حالات تأخير طويل في تعيين رئيس جديد والاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، مع تأثير التأخر في سن التشريعات والإجراءات الحكومية الضرورية على الأولويات الوطنية.[3] كما أن استمرار المعادلة الطائفية يساعد في رفع الهوية الدينية فوق كل شيء في السياسة والحياة إجمالاً، والنتيجة بقاء احتمالات العنف والتعبئة الطائفية تلوح في الأفق.[4]
اليمن
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 بعد ثورة الربيع العربي في اليمن، وقّع علي عبد الله صالح الرئيس اليمني الذي حكم اليمن أكثر من 33 عاما مبادرة لنقل السلطة توسطت فيها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي سعت لاحتواء مستويات العنف التي تركت اليمن على شفير حرب أهلية. وحددت مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية الشروط والأحكام الخاصة بنقل السلطة وخارطة طريق انتقالية مدتها سنتان كانت تهدف إلى الوصول لانتخابات برلمانية ورئاسية في شباط/ فبراير عام 2014.[5]
بعد توقيع المبادرة الخليجية، تم تشكيل حكومة انتقالية شرعت في العمل بشكل مباشر، وتم تقسيم مقاعد الحكومة الانتقالية بالتساوي بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم آنذاك، الذي كان يرأسه صالح، وأحزاب اللقاء المشترك – وهو تحالف قديم يتألف من أحزاب المعارضة الرئيسية في اليمن وقتها، وأكبرها التجمع اليمني للإصلاح، والمعروف شعبياً باسم الإصلاح.[6] كما منحت مبادرة مجلس التعاون الخليجي صالح وعائلته الحصانة من المقاضاة مقابل تسليمه الرئاسة إلى نائبه، عبد ربه منصور هادي في شباط/ فبراير 2012. وشمل مؤتمر الحوار الوطني اللاعبين السياسيين اليمنيين من أجل حل المظالم في البلاد والذي انعقد ابتداءً من 18 آذار/ مارس 2013 حتى 25 كانون الثاني/ يناير 2014.[7]
أثبتت الحكومة الائتلافية الجديدة التي تولت السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2011 أنها غير فعالة بالكامل وغير قادرة على دفع اليمن إلى الأمام، وكان بطء وتيرة صنع القرار والتنفيذ عاملاً محورياً ساهم في عرقلة عملية الانتقال المقررة، وفي تموز/ يوليو 2012، أعلنت الحكومة أخيراً عن برنامجها الانتقالي لتحقيق الاستقرار والتنمية، لكن إنشاء الجهاز التنفيذي – والذي كان يهدف إلى دعم إصلاحات السياسات وتسريع استيعاب المساعدات المتعلقة بالبرنامج الانتقالي – استغرق حتى نهاية عام 2013.[8] ما أن بدأ الجهاز التنفيذي في العمل حتى دخلت قوات الحوثيين – بمساعدة وحدات الجيش اليمني الموالية لصالح – صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014 إثر موجة من الغضب الشعبي على رفع الدعم عن مادة الوقود وتدهور الخدمات الأساسية واستمرار الفساد.[9] وساعد غياب الحكم الرشيد والمخرجات الملموسة على مضي عملية الانتقال نحو الفشل، ومن غير المرجح أن يتسامح اليمنيون مع مثل هذه التأخيرات في أي عملية انتقالية قادمة.
وقد تم شل الحكومة الانتقالية بالمشاحنات الداخلية، وركز أعضاء مجلس الوزراء على استرضاء مؤيديهم وإلقاء اللوم لفشلهم الجماعي على شركائهم في الائتلاف.[10] كما قامت الأحزاب السياسية بتوزيع وظائف القطاع العام على مؤيديها لتعزيز مراكزهم في الحكومة.[11] وتم توظيف ما يقرب من 60,000 موظف حكومي مع نمو متسارع لشبكات المحسوبية، مما أدى إلى استنزاف الإيرادات الحكومية.[12] وقد تم تعزيز ذلك بانعدام الشفافية والمساءلة.
خلال فترة الانتقال السياسي، كان تركيز المجتمع الدولي إلى حد كبير على المسار السياسي، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني، بدلاً من الضغط على الحكومة لإحراز تحسن ملموس في حياة الناس اليومية، وأدى افتقار كل من الحكومة والمجتمع الدولي إلى الاهتمام بتوفير الخدمات العامة الأساسية إلى موجة كبيرة من الاستياء.
تونس
كانت تونس أول بلد شهد موجة الثورات العربية عام 2011 وأول من حاول الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطي.[13] حيث أجرت تونس أول انتخابات حرة في تاريخ البلاد في تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام، حيث تم ترشيح أعضاء في الجمعية التأسيسية المكلفة بإعادة كتابة دستور البلاد، وفاز حزب النهضة الإسلامي الذي تم تشريعه حديثاً.[14] ومع ذلك، بدأت التوترات تتصاعد بين الإسلاميين الحاكمين والمعارضة اليسارية العلمانية، وخاصة بعد اغتيال اثنين من الشخصيات السياسية العلمانية البارزة في عام 2013.[15]
مع ازدياد العنف واحتجاجات المعارضة والجمعية التأسيسية المتعطلة في تونس، تدخّل المجتمع المدني لتهدئة التوترات المتصاعدة، وتم تشكيل اللجنة الرباعية للحوار الوطني التونسي في صيف عام 2013 بهدف تسهيل المفاوضات بين الحزب الحاكم والمعارضة.[16]
وكشرط مسبق للمفاوضات، قدمت اللجنة الرباعية خارطة طريق يتوجب على جميع الأطراف الموافقة عليها قبل بدء الحوار الوطني، حيث اشترطت خارطة الطريق استقالة الحكومة القائمة واستبدالها بحكومة تكنوقراط مستقلة، وتحديد مواعيد نهائية محددة لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وشروط التفاوض والموافقة على دستور جديد.[17]
في ديسمبر/ كانون الأول، قبلت الأحزاب الحاكمة والمعارضة تعيين المهندس مهدي جمعة وزير الطاقة لقيادة حكومة التكنوقراط،[18] والتي ستستمر بعد تشكيلها في كانون الثاني/ يناير 2014 بالإشراف على أول انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية في البلاد في تشرين الأول/ أكتوبر 2014.[19] وترأس مهدي جمعة مجلس الوزراء الذي يتألف من 21 وزيراً وسبعة وزراء معتمدون. وكان أعضاء مجلس الوزراء، بمن فيهم أولئك الذين تولوا مناصب وزارية حساسة (مثل وزراء الخارجية والدفاع والداخلية والعدل)، جميعهم من المستقلين الذين لا ينتمون إلى أي حزب سياسي، ثم تم حل حكومة التكنوقراط في شباط/ فبراير 2015 بعد إجراء الانتخابات وموافقة البرلمان التونسي على تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة.
لقد أعطت تسمية حكومة تكنوقراط مستقلة مدتها سنة واحدة أصحاب المصالح المختلفين مساحة لمواصلة مفاوضاتهم السياسية والوصول إلى نقطة إجماع للمضي قدماً.[20] وقامت حكومة جمعة غير المسيسة لتصريف الأعمال بإدارة تونس بأسلوب كفء ومتماسك لم يمكّن البلد من العمل وتوفير البيئة اللازمة لانتقال آمن ومخطط فحسب، بل تمثل اللجنة الرباعية ومساهمة حكومة التكنوقراط في مسيرة تونس نحو الحكم الديمقراطي نموذجاً لكيفية دمج منظمات المجتمع المدني والتكنوقراط كحَكَمين محايدين لسد الفجوة بين القوى السياسية المتصادمة في أوقات الاضطرابات السياسية.[21]
كما توضح دراسات الحالة الواردة أعلاه، هناك عدد من التحديات التي قد تواجه تشكيل الحكومات الانتقالية عقب الصراع أو مرحلة عدم الاستقرار، وأحد هذه التحديات الرئيسية يتمثل في إبقاء الجهات الفاعلة السياسية والعسكرية منخرطة في عملية بناء السلام، لضمان عدم عرقلتهم لهذه العملية. ومن الممكن تحقيق هذه المشاركة من خلال منح اللاعبين السياسيين والعسكريين الحقيقيين إمكانية تحديد من يُعين في الحكومة الانتقالية الجديدة، أو عن طريق تكليفهم باختيار مرشح توافقي لتشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة مع تواصل المفاوضات السياسية.
التحدي الآخر هو الوصول إلى إجماع حول مهام الحكومة الانتقالية وتحديد الإطار الزمني لها وإجراءات نقل السلطة إلى الحكومة المقبلة بعد انتهاء الفترة الانتقالية.
كما يجب التطرق إلى دور الحكومة الانتقالية عقب الصراع في العملية السياسية والمصالحة الوطنية، حيث يتوجب التوافق على ما إذا كان هناك أي دور سياسي للحكومة الانتقالية، أو أن ينحصر دورها على تسيير الأعمال وتقديم الخدمات العامة للمواطنين، بدون ان يكون لديها أي دور سياسي في تحديد مستقبل اليمن، فيما تنحصر السلطة السياسية في هيكل سياسي آخر كالهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار، أو مجلس رئاسي جديد، أو مزيج من مجلس الشورى والبرلمان بعد التوافق على إصلاحهما.
خيارات الحكم عقب الصراع في اليمن
هناك خيارات عديدة لحكم اليمن بمجرد التوصل إلى تسوية سياسية، ففي نهاية المطاف، سيكون تشكيل الحكومة الانتقالية معتمِداً جزئياً على عملية السلام التي ستنهي الحرب ونتائج التسوية السياسية. وبالنظر إلى الديناميكيات الحالية للنزاع، فإن الخيارين الأكثر وضوحاً هما تقسيم الحقائب الوزارية بين المكونات السياسية الرئيسية، أو حكومة تكنوقراط يعينها رئيس وزراء توافقي.
إن تقسيم مقاعد مجلس الوزراء بين الأطراف الرئيسية للنزاع قد يقلل من خطر إفساد أحدها لعملية السلام، إلا أن هذا النموذج يمكنه أيضاً منح أعضاء مجلس الوزراء سلطة مفرطة على مؤسسات الدولة ومواردها، مما من شأنه أن يخلق سياقاً مشابهاً للسياق الذي تولت فيه الحكومة الانتقالية السابقة مهامها، والذي أدى إلى تنافس داخل الوزارات على السلطة وقيام الأحزاب بإساءة استخدام المؤسسات الخاضعة لسيطرتها لتعزيز شبكات المحسوبيات لديها.
وتشير دراسات الحالة المقدمة أعلاه إلى أن اتفاقات تقاسم السلطة بين القوى السياسية المتنافسة أدت إلى فشل الانتقال السياسي في اليمن بعد عام 2011، وإلى جمود سياسي وتوطيد لشبكات المحسوبية في لبنان، وفي الوقت نفسه بمثال تونس، يمكن لحكومة التكنوقراط أن تعمل بكفاءة أكبر مع توفير مساحة لحل المنافسة السياسية، كما أن من شأن الوزارات العاملة والخدمات العامة أن تساعد في تأمين رضى الجماهير بالعملية الانتقالية.
وفي حالة اليمن عقب الصراع، يمكن لحكومة التكنوقراط التي يشكلها رئيس وزراء توافقي أن تتجنب الصراع الوزاري المناطقي المشحون سياسياً، حيث يسعى فيه وزراء الأحزاب المعارضة إلى التقدم السياسي على منافسيهم، كما أنه سيقلل من استخدام الوزراء لمراكزهم لدفع شبكات المحسوبية للأحزاب، وبدلاً من ذلك، يمكن أن تركز حكومة التكنوقراط على الحكم وتقديم الخدمات الأساسية بدلاً من التنازع السياسي، وسيساعد هذا الخيار في حماية موارد الدولة من سطوة الجماعات السياسية، إضافة إلى أنه سيكون لديها فرصة أكبر لتأمين رضى الجنوب، الأمر الذي سيكون تحدياً للحكومة التوافقية، وفي حين أنه سيكون لحكومة التكنوقراط الفرصة الأمثل للعمل دون هيمنة سياسية مفرطة، إلا أنها ستعتمد على دعم متواصل عابر للأحزاب والذي ربما لا تحصل عليه، لذلك سيكون استمرار الاهتمام الدولي والضغط على جميع الأطراف خلال العملية الانتقالية أمراً بالغ الأهمية.
فيما يبدو أن حكومة التكنوقراط توفر أكبر فرصة للاستقرار والكفاءة في اليمن عقب الصراع، تقدم التوصيات التالية بهدف زيادة فعالية الحكومة إلى الحد الأقصى بغض النظر عن النموذج المُختار، حيث تركز هذه التوصيات على: سلطة الحكومة الانتقالية عقب الصراع؛ تطوير القطاع الخاص؛ وتمكين الحكم المحلي.
1) بناء إجماع حول مستوى واضح لحجم تفويض الهيكل السياسي الحاكم عقب الصراع
يجب الاتفاق على تفويض واضح للحكومة الانتقالية خلال فترة المفاوضات، وقبل تشكيل الحكومة، ويجب على جميع الأطراف الالتزام بعدم التدخل في عمل الهيكل السياسي الحاكم.
2) تمكين القطاع الخاص لدعم التنمية وإعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي عقب الصراع
يجب أن تركز الحكومة الانتقالية على تطوير القطاع الخاص بهدف خلق فرص العمل، وإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة التدفقات المالية إلى الاقتصاد الرسمي وتعزيز الاستقرار بهدف تحسين فرص السلام المستدام.
لمزيد من التفاصيل حول كيفية قدرة القطاع الخاص على لعب دور إيجابي في جهود تحقيق الاستقرار على المدى القصير والطويل، انظر الكتاب الأبيض لرواد التنمية: “مشاركة القطاع الخاص في اليمن بعد انتهاء النزاع”.[22]
3) تمكين السلطة المحلية من خلال نقل سلطة أكبر إلى هيئات الحكم المحلي
يجب على الحكومة الانتقالية تسهيل نقل المسؤولية إلى السلطات المحلية، ويجب على الحكومة وضع آليات لتقييم ومساءلة السلطات المحلية عن أدائها وتأمين الخدمات.
لمزيد من التفاصيل حول أهمية الحكم المحلي في اليمن في أعقاب تصاعد النزاع في آذار/ مارس 2015 وتراجع الحكومة المركزية، انظر الكتاب الأبيض لرواد التنمية: “الحكم المحلي في اليمن وسط النزاعات وعدم الاستقرار”.[23]
الهوامش
[1] قبل الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، كان الرئيس يحكم بسلطة تنفيذية مطلقة وله وحده سلطة تعيين وإقالة رئيس الوزراء وتشكيل مجلس وزاري دون أي آليات رقابة. بالإضافة إلى تولي المسيحيين المارونيين المناصب العسكرية العليا، وحاكم المصرف المركزي وأعلى مناصب قضائية ورئيس المخابرات. انظر: Hassan Krayem, “The Lebanese Civil War and the Taif Agreement,” American University of Beirut, http://ddc.aub.edu.lb/projects/pspa/conflict-resolution.html. Last access 22 March 2019.
[2] “وثيقة الوفاق الوطني – اتفاقية الطائف”، والموقعة في 22 تشرين/ الأول أكتوبر 1989، مكتب رئاسة الجمهورية اللبنانية، https://www.presidency.gov.lb/Arabic/LebaneseSystem/Documents/TaiifAgreementn.pdf، تم آخر وصول22 مارس / آذار 2019.
[3] “Michel Aoun Elected President of Lebanon,” Al Jazeera, October 31, 2016, https://www.aljazeera.com/news/2016/10/michel-aoun-elected-president-lebanon-161031105331767.html, last access 22 March 2019; Benjamin Redd, “Lebanon Marks 75th Birthday as it Waits for 75th Cabinet,” Daily Star, November 22, 2018, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2018/Nov-22/469825-lebanon-marks-75th-birthday-as-it-waits-for-75th-cabinet.ashx, last access 22 March 2019
[4] Krayam, “Civil War.”
[5] المرجع نفسه.
[6] “Policy Brief — Breaking the Cycle of Failed Negotiations in Yemen,” Project on Middle East Democracy (POMED), https://pomed.org/pomed-policy-brief-breaking-the-cycle-of-failed-negotiations-in-yemen/
[7] تشكل مؤتمر الحوار الوطني من 565 مندوباً عن العديد من الأحزاب السياسية الرئيسية في اليمن والمكونات الاجتماعية المتنوعة ومنحهم الفرصة لإبداء رأيهم في إعادة صياغة البلاد من خلال المشاورات التي تهدف إلى معالجة عدد من القضايا الهامة التي لم تحل بعد، بما فيها: قوانين الزواج والهوية الدينية للدولة والإصلاح السياسي؛ بالإضافة إلى العدالة الانتقالية، والأهم من ذلك ربما، هيكلية الدولة وشكل الحكم بالفيدرالية كخيار رائد في هذا الصدد. انظر: “Yemen National Dialogue Conference Participants,” The National, March 18, 2013, https://www.thenational.ae/world/mena/yemen-national-dialogue-conference-participants-1.292425. last access 22 March 2019. كما حاول المؤتمر بشكل خاص معالجة المظالم الهامة لدى الحوثيين – قبل وبعد الحروب الستة التي خاضوها بين عامي 2004 و2010 ضد صالح والقوات الحكومية اليمنية التي كان يسيطر عليها في ذلك الوقت – ومظالم الجنوبيين، والتي تنبع من تجربة وحدةغير مستقرة، ونوقشت هذه القضايا والمظالم، ضمن أمور أخرى، في إطار تسع مجموعات عمل منفصلة، وعلى النحو التالي: القضية الجنوبية؛ قضية صعدة؛ القضايا الوطنية والعدالة الانتقالية؛ بناء الدولة؛ الحكم الرشيد؛ الجيش والأمن؛ استقلالية الهيئات الخاصة، الحقوق والحريات؛ ومجموعة العمل للتنمية.
[8] “Transitional Program for Stabilization and Development (TSPD),” Republic of Yemen Ministry of Planning and International Cooperation, September 2012, http://www.ye.undp.org/content/yemen/en/home/library/democratic_governance/transitional-program-for-stabilization-and-development–tpsd–20.html, last access 22 March 2019.
[9] Mohammad Ghobari, “Houthis tighten grip on Yemen capital after swift capture, power-sharing deal,” Reuters, September 22, 2014, https://www.reuters.com/article/us-yemen-security-idUSKCN0HH2BQ20140922, last access 22 March 2019.
[10] Peter Salisbury, “Corruption in Yemen: Maintaining the Status Quo?” in Rebuilding Yemen: Political, Economic, and Social Challengers, ed. Noel Brehony and Saud al-Sarhan (Berlin: Gerlach Press, 2015), 72-73.
[11] المرجع نفسه.
[12] المرجع نفسه.
[13] أدى قيام محمد البوعزيزي بحرق نفسه احتجاجاً على الظروف الاقتصادية القاسية للبلاد، والمظاهرات الشعبية اللاحقة إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي في يناير/ كانون الثاني 2011.
[14] “Ennahda wins Tunisia’s election,” Al Jazeera, October 28, 2011, https://www.aljazeera.com/news/africa/2011/10/2011102721287933474.html
[15] Carlotta Gall, “Second Opposition Leader Assassinated in Tunisia,” New York Times, July 26, 2013, https://www.nytimes.com/2013/07/26/world/middleeast/second-opposition-leader-killed-in-tunisia.html. Last access 22 March 2019.
[16] كانت اللجنة الرباعية مؤلفة من أربع منظمات من المجتمع المدني التونسي: الاتحاد العمالي التونسي ذي النفوذ التاريخي والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والحرف اليدوية؛ نقابة المحامين التونسية؛ والرابطة التونسية لحقوق الإنسان. انظر: Issandr El Amrani, “Tunisia’s National Dialogue Quartet Set a Powerful Example,” International Crisis Group, October 10, 2015, https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-africa/tunisia/tunisia-s-national-dialogue-quartet-set-powerful-example. Accessed March 22, 2019.
[17] Sarah Chayes, “How a Leftist Labor Union Helped Force Tunisia’s Political Settlement,” Carnegie Endowment for International Peace, March 27, 2014, http://carnegieendowment.org/2014/03/27/how-leftist-labor-union-helped-force-tunisia-s-political-settlement. Accessed March 22, 2019.
[18] “Tunisia Industry Minister Mehdi Jomaa to be new PM,” BBC News, December 14, 2013, https://www.bbc.com/news/world-africa-25385984. Accessed March 22, 2019.
[19] Tarek Amara, “Tunisia’s Islamist Cede Power to Caretaker Government,” Reuters, January 29, 2014, https://www.reuters.com/article/us-tunisia-government/tunisias-islamists-cede-power-to-caretaker-government-idUSBREA0S1KI20140129. Accessed March 22, 2019. كما ساعد الحوار الوطني الذي بدأته الرباعية في تسهيل الاتفاق على دستور تونسي جديد، والذي تم إقراره في الجمعية التأسيسية في يناير/ كانون الثاني 2014. ونظراً لجهودها في إنشاء “عملية سياسية سلمية بديلة في وقت كانت فيه البلاد على شفا الحرب الأهلية “ولبناء الديمقراطية التعددية في تونس، حصلت اللجنة الرباعية على جائزة نوبل للسلام في عام 2015؛ انظر: “The Nobel Peace Prize for 2015,” Noble Prize, October 10, 2015 https://www.nobelprize.org/prizes/peace/2015/press-release/. last access 22 March 2019.
[20] وافقت القوى الحاكمة والمعارضة باستثناء حزب واحد على خارطة الطريق وبدء حوار وطني في أكتوبر/ تشرين الأول 2013. حيث لعبت اللجنة الرباعية دوراً نشطاً للغاية كوسيط وراعٍ للمحادثات ونجحت في إعطاء المساحة اللازمة لتتمكن المفاوضات من نزع فتيل التوترات السياسية في البلاد.
[21] يعزى نجاح اللجنة الرباعية إلى حد كبير إلى المصداقية التي تتمتع بها في نظر معظم التونسيين. حيث كانت المنظمات، ولا سيما النقابات العمالية كالاتحاد العمالي والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، مؤثرة حتى في ظل الحكم الاستبدادي في تونس، ولعبت مشاركتها في ثورة 2011 دوراً حاسماً في سقوط حكومة بن علي.
[22] أمل ناصر، “مشاركة القطاع الخاص في اليمن بعد انتهاء النزاع”، إعادة التفكير في الاقتصاد اليمني، أغسطس/ آب 2018، https://devchampions.org/uploads/publications/files/Rethinking_Yemens_Economy_No3_Ar.pdf، تم آخر وصول 22 مارس / آذار 2019.
[23] وضاح العولقي وماجد المذحجي “الحكم المحلي في اليمن في ظل النزاع والاضطراب”، إعادة التفكير في الاقتصاد اليمني، يوليو/ تموز 2018، https://devchampions.org/uploads/publications/files/Rethinking_Yemens_Economy_No2_Ar.pdf، تم آخر وصول في 25 مارس / آذار 2019.
تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام
تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة
ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً
استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ
وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة
وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.
لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة
ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة
ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن
مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ
أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.
مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.
إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي
يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.
شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015
وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.
ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.
تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.
يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.
يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.
تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.
استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.
ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.