اتسمت الجهود السابقة لإعادة الإعمار ما بعد النزاع أو الكوارث الطبيعية في اليمن بضعف التنسيق، وارتفاع توقعات المانحين الدوليين، ومحدودية قدرات الحكومة اليمنية على استيعاب المساعدات وتنفيذ المشاريع، مما أدى إلى عدم تحقق تغيير ملموس على المدى الطويل.
في ضوء هذه الدروس المستخلصة من سياقات مشابهة لما بعد النزاع وكذلك من الماضي اليمني نفسه، يقترح موجز السياسات أدناه إيجاد بنية مؤسسية واضحة وقوية لإعادة إعمار مستقبلية في اليمن، تتمثل في هيئة عامة دائمة ومستقلة لإعادة الإعمار، تعمل على تمكين وتنسيق العمل بين مكاتب إعادة الاعمار المحلية التي ستؤسس على المستوى المحلي في المناطق المتأثرة بالصراع او الكوارث الطبيعية. ولا يأتي هذا المقترح نتيجة للدروس السابقة فقط، ولكن أيضا استجابة للحاجة الملحة لمثل هـذه الهيئة للبدء في التخطيط وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بأفضل ما يمكن.
يجب أن يكون لهذه الهيئة المعنية بإعادة الإعمار صلاحيات واضحة لإدارة جميع المهام المطلوبة في عملية إعادة الإعمار في أعقاب النزاع الحالي، وأيضاً الأزمات المقبلة. وينبغي أن يضم مجلس إدارتها مجموعة من أصحاب المصلحة، وأن يرأسها نائب رئيس الوزراء لشؤون إعادة الإعمار لضمان حصولها على أعلى مستويات الدعم. كما ينبغي أن تتخذ نهجاً مؤسسياً مختلطاً شاملاً ومتعدد المستويات، وأن تمتلك خطة واضحة طويلة الأمد لبناء قدرات الدولة. عليها كذلك أن تنشئ وحدة رصد وتقييم خاصة بها لإثبات الالتزام بالشفافية. الأهم من ذلك أن عليها وضع إطار واضح للعمل عن كثب مع جميع أصحاب المصلحة.
يعود النزاع الحالي في اليمن إلى عقود من الاضطراب السياسي والاقتصادي. وأية جهود لإعادة الإعمار في المستقبل ستكون مهمة شاقة. فعلى سبيل المثال تظهر تقديرات البنك الدولي ان قرابة ربع شبكة الطرق قد هدمت إما جزئيا أو كليا في عشر مدن يمنية تم فيها المسح خلال العام 2016، إضافة إلى تراجع إنتاج الطاقة إلى النصف، وكذلك تدمير قرابة نصف شبكات المياه والصرف الصحي. ومع تفاقم حدة الصراع منذ ذلك العام، يتوقع أن مستوى الدمار يفوق تلك التقديرات بشكل كبير.
في أوائل عام 2017 أعلنت الأمم المتحدة أن اليمن يمثل أسوأ أزمة إنسانية في العالم؛ وبحلول نهاية العام، وحتى إبريل ٢٠١٨ كان حوالي 22.2 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، منهم 8.4 مليون إنسان معرضين لخطر المجاعة . وقد عانى الاقتصاد اليمني من انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٤٧.١% بين 2015 و2017، في حين أفادت 40% من الأسر عن فقدان مصدر دخلها الأساسي . وقد تم تعليق معظم الخدمات العامة، مما أدى إلى خسارة 16 مليون شخص القدرة على الوصول إلى مياه صالحة للشرب وفقدان 16.4 مليون شخص القدرة على الحصول على رعاية صحية مناسبة.
وفي الواقع المعاش حاليا لا توجد دلائل على انتهاء النزاع قريباً. لكن يتوجب على أصحاب المصلحة المعنيين بتحقيق سلام دائم في اليمن سرعة البدء في إرساء الأساس لإطار إعادة الإعمار في أعقاب توقف الحرب كونها مهمة عاجلة. وقد أثبتت التجارب الدولية أن من الضرورة البدء مبكراً في التخطيط لإعادة الإعمار.
يتكون هذا الموجز والذي هو مبني على ورقة بحثية تفصيلية (ورقة بيضاء) على الأقسام التالية:
تسعى هذه الورقة إلى تحديد كيفية ضمان التدفق السليم للأموال ودقة توقيت وجودة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بعد الحرب. كما أن التقرير يؤكد على أهمية حوكمة ويمننه الهيئة – أي قيادة هذا الجهد من قبل اليمنيين والحرص على إشراك وتأييد جميع أصحاب المصلحة اليمنيين. من شأن هذا الإطار الشامل أن يبني قدرة الدولة اليمنية على تلبية الاحتياجات والحقوق الأساسية لمواطنيها، مما يضع البلاد على طريق الاستقرار الدائم.
خاضت اليمن تجارب عديدة لإعادة الإعمار، نظراً لتجارب طويلة مع الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة، ففي العقود الأخيرة، أصابت اليمن العديد من الكوارث الطبيعية، فقد أدى الزلزال الذي وقع في ذمار عام 1982 إلى مقتل قرابة 2500 إنسان وإصابة 1500 آخرين بجروح، وقدرت قيمة الخسائر التي سببها الزلزال بـ2 مليار دولار. بالرغم من أن المكتب التنفيذي لإعادة إعمار أضرار زلزال ذمار، الذي أنشئ بعد الزلزال، قام ببناء وحدات سكنية مقاومة للزلازل إلا أن معظمها لم تسكن إلى اليوم وذلك لعدم ملاءمتها الثقافية لمتطلبات المجتمعات المحلية. لم يكن دور المكتب التنفيذي فعالاً أيضا بسبب قدرته المحدودة على التنسيق والرقابة. كما تسببت فيضانات حضرموت والمهرة في عام 2008 بخسائر قدرت بنحو 1.6 مليار دولارا . وبالرغم من نجاح صندوق إعادة إعمار حضرموت والمهرة في إشراك أصحاب المصلحة المحليين، لكنه افتقر إلى آلية تنسيقية وإطار رقابي فعال. ولم يتمكن الصندوق من الاستفادة من مبلغ الـ210 مليون دولار الذي خصص له بشكل كامل، فقد تمكن من إنفاق 70% فقط من إجمالي التمويل المتاح له.
كذلك شهدت اليمن سنوات من الاضطرابات المستمرة. فقد أدى النزاع المتكرر في محافظة صعدة بين 2004 و2010 إلى مقتل المئات وإصابة آلاف آخرين، وتسبب في أضرار تقدر بحوالي 600 مليون دولار . وقد أنشئ صندوق لإعادة إعمار صعدة بموازنة قدرها 55 مليون دولار من الحكومة اليمنية، إلا أنه أهمل البنية التحتية العامة لصالح إعادة بناء الممتلكات الخاصة، كما واجه اتهامات واسعة النطاق بـ”التحيز في إعادة الإعمار”، حيث توجهت جهود إعادة الإعمار إلى مناطق دون أخرى بناء على الولاءات الشخصية وليس الحاجات المحلية.
وقد بلغت تكلفة سيطرة تنظيم القاعدة على محافظة أبين وما تلا ذلك من عمليات قتالية في الفترة 2011-2012 قرابة ـ580 مليون دولار . خصصت موازنة لصندوق إعادة إعمار أبين بمبلغ 46.5 مليون دولار، غير أن الصندوق لم يقدم شيئاً يذكر لاستيعاب هذا التمويل، وسرعان ما ساءت سمعته نتيجة سوء الإدارة والفساد والاختلاس. وقد قدر تقرير تقييم الصندوق أن 4.2 مليون دولار أنفقت بأشكال احتيالية و1.4 مليون دولار منحت كتعويضات لمستفيدين وهميين.
وبناء على طلب المانحين الدوليين، أنشئ المكتب التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين ودعم سياسات الإصلاحات عام 2012 لبناء قدرات الدولة بعد أحداث عام 2011 . ومع ذلك، لم يكن لدى المكتب الصلاحية السياسية اللازمة للتغلب على مقاومة الوزارات التي اعتبرت المكتب منافساً لها. عندما استولى المقاتلون الحوثيون على صنعاء أواخر 2014، تراجعت قدرة المكتب التنفيذي على العمل. وعلى الرغم من المحاولات اللاحقة لإحيائه، فإن تمويل المانحين للمكتب انتهى منتصف العام 2015؛ ومع تدهور الحالة الأمنية، تم سحب تمويل المكتب.
مع ذلك، فإن لدى اليمن أمثلة ناجحة لمبادرات مبتكرة لاستيعاب أموال المانحين وتقديم الخدمات العامة، وإن لم تكن في سياق ما بعد النزاع .
فمنذ منتصف التسعينات، عملت وكالات شبه مستقلة بالتوازي مع الحكومة المركزية لتقديم الخدمات العامة وبالذات في المناطق الريفية. فقدم مشروع الأشغال العامة، وصندوق الرعاية الاجتماعية، والصندوق الاجتماعي للتنمية، نموذجاً لتوفير خدمات تتسم بالكفاءة والفعالية والشفافية في اليمن. لدى كل من هذه المؤسسات سلطة قانونية مصممة بعناية توفر استقلالية كافية مع الاحتفاظ بعلاقة محددة جيداً مع الحكومة. وهي هيئات مستقلة ولها نظمها الخاصة الشفافة والفعالة، وتتخذ نهجاً لامركزياً تقوده المجتمعات المحلية، وقد اجتذبت بذلك مستوى أعلى من انخراط الجهات المانحة وتمويلها. إلا أنها صُمّمت لتكون بديلاً قصير الأجل فقط؛ حيث لا توجد استراتيجية واضحة لكيفية دمجها بشكل دائم في الهيكل الحكومي.
كما هو موضح أعلاه، لم تتمكن جهود إعادة الإعمار اليمنية من استيعاب المساعدات أو تنفيذ المشاريع بنجاح. ولا توفر المبادرات السابقة نموذجاً ناجحاً يمكن الاعتماد عليه لإعادة الإعمار في المستقبل، لا سيما وأن الدمار الحالي يفوق بكثير ما أحدثته الكوارث أو النزاعات السابقة. ومع ذلك، ثمة إمكانية للبناء على المخطط المؤسسي للمكتب التنفيذي، وبالمثل، الشروع في تدخلات إعادة الإعمار من خلال نماذج محلية لديها مزايا الفهم العميق للمجتمع، والانتشار الوطني، والقوى العاملة المهنية مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.
يقترح موجز السياسات أن تكون الخطوة القادمة لإعادة الاعمار في اليمن هي إيجاد إطار مؤسسي استباقي للتعامل مع ما خلفه الصراع القائم أو مع أية كوارث قادمة، ويتطلب ذلك انشاء هيئة عامة دائمة ومستقلة لإعادة الإعمار، تعمل على تمكين وتنسيق العمل بين مكاتب إعادة الاعمار المحلية التي ستؤسس على المستوى المحلي في المناطق المتأثرة بالصراع او الكوارث الطبيعية.
وتتركز مهام هذه الهيئة حول إدارة جميع المهام المطلوبة في عملية إعادة الإعمار، مثل التخطيط الحالي والمستقبلي في مرحلة ما بعد النزاع أو إعادة الإعمار؛ تصميم السياسات؛ التمويل وجمع الأموال؛ والتنسيق مع جميع أصحاب المصلحة. كما ينبغي على هيئة إعادة الإعمار أن تحتفظ بالمهام الأساسية اللازمة لعملية شفافة: الرقابة والتقييم؛ الإبلاغ؛ والإشراف على المشاريع الوطنية الاستراتيجية.
ولتحقيق هذه المهام، يتوجب على الهيئة أن:

ولإدارة العلاقة مع أصحاب المصلحة، يتوجب على الهيئة:
على عملية إعادة الإعمار في اليمن أن تتبع نموذجاً يستجيب للحقائق على أرض الواقع، ويبني قدرة الدولة، ويضمن الشفافية، وينسق بين الأطراف ذات العلاقة بكفاءة. يجب أن تعزز الثقة ليس فقط مع الجهات المانحة ولكن أيضاً بين السلطات السياسية اليمنية وعموم المواطنين. كما يجب أن تنسق بشكل جيد مع المانحين الدوليين مع الحفاظ على ملكية اليمنيين لإعادة الإعمار. ينبغي تركيز الجهود ليس فقط على المناطق المتضررة ولكن على السكان اليمنيين ككل، ويتمثل ذلك في توفير الخدمات الأساسية وخلق فرص عمل في جميع المناطق. فاحتمالية العودة إلى النزاع تكون أقل إذا كان السكان منشغلين بأعمال تعود عليهم بالمال والمنفعة. كما أن احتمال دعمهم للسلام أكبر إذا كانوا يشعرون بزيادة الرفاهية، ويرون تحسناً في تقديم الخدمات العامة، ويسمعون أخباراً عن مشاريع التنمية الناجحة. على هذا النحو، سيكون لنموذج مؤسسي لإعادة الإعمار يؤكد على الملكية الوطنية والشفافية والشمولية فرصة كبيرة لتوطيد السلام على المدى الطويل.
تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام
تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة
ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً
استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ
وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة
وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.
لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة
ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة
ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن
مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ
أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.
مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.
إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي
يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.
شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015
وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.
ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.
تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.
يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.
يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.
تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.
استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.
ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.