يلخص موجز السياسات هذا النقاشات المتعلقة برأس المال البشري في اليمن التي دارت في إطار ورشة عمل عقدتها مبادرة “إعادة تصور اقتصاد اليمن” في العاصمة الأردنية عمان، يومي 24 و25 أغسطس 2019. أجمع المشاركون في ورشة العمل على أن تراكم رأس المال البشري في اليمن قد تراجع بشكل مؤكد منذ بداية الصراع الحالي، ولكن البيانات الدقيقة لتقييم مدى وطبيعة هذا التراجع ضئيلة للغاية، ومن شأن ذلك أن يعقد التعامل مع هذه المشكلة.
في نفس الوقت يرى المشاركون أن العديد من العقبات التي تعرقل تحسين رأس المال البشري في اليمن هي نفسها تلك العقبات التي كانت قائمة قبل اندلاع النزاع الحالي. وبناء على ذلك، يوصي موجز السياسات هذا بما يلي:
تنفيذ مسح كامل على نطاق البلد؛ زيادة التمويل لمشاريع التنمية المتعلقة بالمساعدات الإنسانية الطارئة؛ تحقيق إصلاحات في قطاع التعليم؛ واستهداف القطاعات ذات العوائد المرتفعة. كما أجمع المشاركون على أهمية ألا ينتظر صانعو السياسات حتى ينتهي الصراع لتنفيذ هذه التوصيات، إذ أن الاستثمار في رأس المال البشري في اليمن الآن، وتحديداً في المناطق البعيدة عن جبهات القتال، يمكن أن يعجل سرعة الانتعاش الاقتصادي بعد انتهاء الصراع ويضع أسس التنمية المستدامة لاقتصاد ما بعد الحرب.
المقدمة
كجزء من مبادرة “إعادة تصور اقتصاد اليمن”، اجتمع عدد من الخبراء في مجالات التعليم والرعاية الصحية، والجهات الفاعلة في القطاع الخاص وموظفي الخدمة المدنية، إضافة إلى ممثلين عن رواد التنمية، في العاصمة الأردنية عمان، يومي 24 و25 أغسطس 2019، في ورشة عمل حول رأس المال البشري في اليمن.
يقدم موجز السياسات هذا بعض المؤشرات حول رأس المال البشري في اليمن قبل وأثناء الصراع الحالي، ويسلط الضوء على بعض العوائق التي تحول دون جمع البيانات اللازمة. كما يقدم توصيات لتعزيز رأس المال البشري في اليمن على الصعيد الكلي.
قيّم المشاركون تأثير النزاع الحالي على مكونات رأس المال البشري في اليمن – وهي أصلاً متدنية منذ ما قبل اندلاع الصراع كما يتضح من مؤشرات الصحة والتعليم والتوظيف المثيرة للقلق – وتبين أن هذه المكونات تندرج في صميم ما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم.
أشار المشاركون في ورشة العمل إلى أن الصراع الحالي قد أدى على الأرجح إلى التراجع في تراكم رأس المال البشري في اليمن، ولكن نسبة كبيرة من هذا التراجع قد يعود إلى المشكلات الموجودة منذ ما قبل النزاع الجاري، فبدلاً من الاستثمار في رأس المال البشري، تبنت الحكومة وعلى مدى عقود، رؤية اقتصادية ضيقة تعتمد على واردات النفط في اليمن.
تناول النقاش القيود الهيكلية المتجذرة تاريخياً والتي أعاقت تنمية رأس المال البشري في اليمن وناقش المشاركون أفضل الطرق لتغيير هذا النهج الذي أعاق تطور القوى العاملة في اليمن على المدى القصير والمتوسط والطويل. كما حاول المشاركون تحديد الفرص التي تشجع على التغيير بالرغم من الصراع المستمر، حيث يكون الهدف المثالي (والذي ليس من السهل تحقيقه) هو تحديد التدابير التي لا تؤمن الإغاثة الفورية وحسب ولكن تضمن رعاية عملية التنمية البشرية بعد انتهاء الصراع أيضا.
ارتفعت إمكانية استثمارات القطاع الخاص في رأس المال البشري في اليمن مقابل ضعف حكم الدولة منذ اندلاع النزاع الحالي. وما زالت الدولة تلعب الدور الرئيسي المتعلق بالرقابة وتشكيل السياسات، ولكن القطاع الخاص أصبح في وضع أقوى وأكثر مرونة ليساعد في تنفيذ سياسات معينة وُضعت لتعزيز تنمية رأس المال البشري في اليمن. وبناء عليه شدد المشاركون على الحاجة إلى المزيد من التنسيق بين القطاعين العام والخاص فيما يتعلق بنظام التعليم وتوفير المعرفة والمهارات التي من شأنها أن تهيئ اليمنيين بشكل أفضل لأسواق العمل المحلية والأجنبية، وأضافوا أنه بإمكان المانحين تقديم الدعم المالي والتقني من خلال التركيز أكثر على المساعدات الإنمائية، بدلاً من التركيز بشكل رئيسي على المساعدات الإنسانية الطارئة.
إن الاستثمار في رأس المال البشري في اليمن الآن – وتحديداً في المناطق التي تخلو من القتال وتلك غير الواقعة على الخطوط الأمامية – بدلاً من الانتظار حتى ينتهي هذا الصراع الشامل، من شأنه أن يُسرع التعافي الاقتصادي بعد النزاع.
كما أكد المشاركون على أهمية استهداف القطاعات التي لديها فرص للنمو لاستخدام الموارد البشرية في اليمن بطريقة أكثر فعالية، فمثلاً الاستثمار في شريحة الشباب الذين يتزايد عددهم بسرعة بالطريقة الصحيحة يمكن أن يثمر نتائج اجتماعية واقتصادية مثمرة. خلال النقاش، تم تحديد الأعمال الزراعية والخدمات والتعدين كقطاعات يمكن أن تستفيد من طفرة الموارد البشرية هذه.
تعريف رأس المال البشري
يصف البنك الدولي رأس المال البشري بأنه “يتألف من المعارف والمهارات والقدرات الصحية التي تتراكم لدى الأشخاص على مدار حياتهم بما يمكِّنهم من استغلال إمكاناتهم كأفراد منتجين في المجتمع.”[1] الرسم البياني التالي (الرسم 1. رأس المال البشري) يوضح المصادر المختلفة لرأس المال البشري ويظهر كيف أن الاستثمار فيه له فوائد فردية ومجتمعية.
يُنظر إلى النهوض برأس المال البشري الفردي، وبشكلٍ كبيرٍ، كعنصر رئيسي في الإنتاجية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.[2] يمكن للقطاعين (العام والخاص) لعب دور على صعيد الاستفادة من تراكم رأس المال البشري.[3]
الرسم 1. رأس المال البشري
المصدر: لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، مؤتمر الإحصائيين الأوروبيين، 2016
رأس المال البشري في اليمن قبل الصراع
أُعيق تراكم رأس المال البشري في اليمن بسبب العنف الدوري وعدم الاستقرار، وضعف الاستثمار من قبل القطاع الحكومي، بالإضافة إلى عوامل أخرى، وتشير مؤشرات الصحة والتغذية إلى أن رأس المال البشري في اليمن كان بالفعل ضعيفًا جداً قبل اندلاع وتفاقم الصراع الحالي.على سبيل المثال كان هناك عام 2009، 31.5٪ من المجموع الكلي للسكان – حوالي 7 ملايين شخص حينها – يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
في المسح الشامل للأمن الغذائي الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي (WFP) عام 2009، دعت المنظمة إلى “تدخلات عاجلة وجريئة وفورية لتجنب تدهور الوضع”. وبحلول عام 2011، كان 44.5٪ من المجموع الكلي للسكان – قرابة 11 مليون شخص – يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ما أدى إلى تدهور الوضع وارتفاع نسبة الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بنحو 60٪ مقارنة بعام 2009.[4] ووفقا لمؤشر الجوع العالمي (GHI)، فقد كان تصنيف اليمن “مثير للقلق”، وهو على هذه الحال منذ عام 1992، وذلك يعود لمستوى الجوع الذي يعاني منه نسبة كبيرة من السكان.
لقد تفاقم الواقع المقلق الذي عكسته مؤشرات التعليم والتوظيف الناتجة عن مسح القوى العاملة في اليمن (2013-2014) لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والجهاز المركزي للإحصاء (CSO).[5] وفقا لهذا المسح فإنه خلال مرحلة ما قبل الصراع الحالي، كانت غالبية القوى العاملة اليمنية من الذكور، إذ كان هناك 4.86 مليون في عداد القوى العاملة، معظمهم غير متعلمين وموظفين في القطاع غير الرسمي .[6] وكان هناك 23% من هذه القوى العاملة حاصلين على تعليم ثانوي، و8% فقط حاصلين على تعليم ما بعد المرحلة الثانوية.[7] كما أشار المشاركون في ورشة العمل أن نوعية التدريس والتعليم في اليمن لم تهيئ الطلاب بما فيه الكفاية للانخراط في سوق العمل وأوقفت نمو رأس المال البشري في البلاد، وأن هناك اعتمادا على تقنية التعلم عبر الحفظ (التعليم البنكي) بدلاً من تبني تقنية تعتمد على التفكير النقدي، وأن المناهج لا توفر تدريباً مهنيا كافيا ولا تحضر الطلاب بشكلٍ يلائم متطلبات سوق العمل. كما أدى النمو السكاني المتسارع في اليمن في ظل بيئة يعد الاستثمار الأجنبي المباشر فيها محدودا، والنمو الاقتصادي ضعيفا، إلى شحة فرص العمل أمام الشباب، وبالتالي ارتفعت معدلات البطالة والفقر.
من المنطقي أن يساعد السكان الشباب الذين يتزايد عددهم بسرعة، كما يحدث في اليمن، في تحفيز النمو الاقتصادي إذا كانت الظروف ملائمة وإذا توفر للباحثين عن العمل خيارات على صعيد المسارات المهنية التي تعزز التقدم القائم على الجدارة. ولكن في اليمن، يجد الشباب أنفسهم في سوق عمل ضعيف يعاني من نقص الفرص الاقتصادية والتنوع ومن المحسوبية والفساد. وقد فاقم هذا النقص في فرص العمل الذي يعاني منه الجيل الأصغر سناً من حالة الاستياء وعدم الاستقرار وانعدام الأمن، وبالتالي أدى إلى ازدياد المشاكل الاجتماعية والاقتصادية مثل زواج الأطفال وتجنيد الشباب في الجماعات المسلحة، وأصبحت هذه المشاكل ملحوظة أكثر خلال الصراع القائم.
الصراع الحالي وتراجع رأس المال البشري في اليمن
لقد خلفت الحرب في اليمن مساراً للدمار تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من خطوط المواجهة وسيعاني منه المواطنون لسنوات بعد انتهاء الصراع، وأصبح من المستحيل في الوقت الراهن تحديد حجم الانعكاسات على رأس المال البشري، الذي لا يحظى بالتطوير في البلد. كما ترسم مؤشرات الصحة والتعليم والتوظيف صورة قاتمة عن الوضع، إذ من المحتمل أن يكون واقع رأس المال البشري قد أعيد سنوات للوراء إن لم يكن عقودا؛ وبالتالي من المهم محاولة مواجهة هذا الواقع عاجلاً وليس آجلاً.
هناك ما يقدر بنحو 24 مليون يمني – 80% من السكان – يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.[8] وبناء عليه، يمكن القول أن التدهور الاقتصادي في اليمن أثر على السكان بشكلٍ شامل أكثر من العنف المباشر نفسه، وهو أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الإنسانية المهولة،[9] كما أن انخفاض قيمة الريال اليمني وبالتالي انخفاض القوة الشرائية أديا إلى ارتفاع مستويات البطالة وارتفاع نسبة الفقر. كان لهذه الأزمات تأثير تراكمي أدى إلى صعوبات في تأمين الطعام أو الحصول على الأدوية أو تلقي الرعاية الصحية عند الحاجة.
في ذات السياق، عادت بعض الأمراض التي تهدد الحياة مثل الكوليرا للظهور والانتشار في مناطق عدة من اليمن، ومن الواضح أنه ليس من السهل مواجهة تفشي هذا المرض وسط غياب الخدمات الأساسية مثل جمع القمامة وإدارة النفايات ومعالجة المياه وتأمينها للسكان والحصول على الوقود وتوفير الكهرباء.[10] هذا بالإضافة إلى إضعاف نظام الرعاية الصحية في اليمن: قرابة نصف مرافق الرعاية الصحية العامة توقفت عن العمل خلال النزاع، ومعظم المنشآت التي لا تزال تعمل تعاني من نقص في الطاقم الطبي والمستلزمات الطبية وبالتالي تعمل بشكل جزئي فقط.[11]
فيما يخص نظام التعليم في اليمن، قالت اليونيسف في 25 سبتمبر / أيلول 2019، أنه لم يعد من الممكن استخدام مدرسة واحدة من كل خمس مدارس في اليمن كانت تعمل قبل مارس 2015 . ووفقًا لنفس البيان، يوجد حاليًا مليونا طفل يمني خارج المدرسة – حوالي نصف مليون منهم تسربوا من الدراسة بعد فترة وجيزة من مارس / آذار 2015.[12] ومع ارتفاع معدلات التسرب المدرسي، ارتفعت نسبة زواج الأطفال وتجنيد الأطفال.
تساعد هذه المؤشرات المقلقة في فهم انعكاسات النزاع على رأس المال البشري في اليمن، وإن كانت الإحصاءات المتوفرة لا تروي القصة الكاملة، ولا سيما خلال الحرب، حتى حين تكون الإحصاءات دقيقة، فإن جمع البيانات على نطاق واسع والتحقق منها حاليا يعتبر أمرا مستحيلا تقريبًا، فآخر إحصاء وطني للسكان والمساكن والمنشآت أجراه الجهاز المركزي للإحصاء، وهو هيئة حكومية يمنية، كان عام 2004. ومنذ ذلك الحين، فإن البيانات التي جمعتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات غير الحكومية المحلية كانت معظمها محدودة على صعيد النطاق الجغرافي ومن حيث حجم العينة. وبالتالي، الافتراض بشكل عام هو أن الوضع الإنساني والتنموي في اليمن أكثر قتامة مما يتم الإعلان عنه.
ونظراً إلى حدة الأزمة الإنسانية في اليمن، فإن تركيز وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة على توفير الإغاثة الطارئة أمر مفهوم. ولكن، على المجتمع الدولي توفير المزيد من المساعدات الإنمائية، بدلا عن التركيز بشكل ضيق للغاية على تأمين المساعدات الإنسانية الطارئة، فاليمن لا يجب أن يكون “شعب من المتسولين” عبر انتظار سلال الغذاء الدولية.
تمثل هذه السلال ملايين الدولارات من المساعدات التي “تؤكل” حرفيًا، وتخلق إرباكا في السوق المحلية وتؤثر على القطاع الخاص القائم من دون إفادة المجتمع بشكلٍ دائم، ومن الأهمية بمكان إجراء دراسات دقيقة حول أين يجب أن تؤمن المساعدة الإنمائية على المستوى المحلي من أجل توفير حلول مستدامة يستطيع اليمن أن يستفيد منها بعد النزاع الحالي.
التوصيات
على المدى القصير:
الاستفادة من النافذة الديموغرافية القادمة في اليمن
بهدف تغيير النهج غير المستدام على صعيد الاستجابة للأزمة في اليمن، يترتب على الحكومة صياغة رؤية واستراتيجية لرأس المال البشري وتطوير سياسات وطنية وقطاعية للسنوات العشر المقبلة، وخاصة في القطاعات الاقتصادية الحيوية التي من شأنها أن تعجل نمو رأس المال البشري. ويجب على هذه الرؤية أن تغتنم فرصة ثمينة تتعلق برأس المال البشري في اليمن تتمثل النافذة الديموغرافية القادمة والمنسية. وفقًا لتقديرات خبراء التنمية، من المتوقع أن تدخل اليمن النافذة الديموغرافية حوالي عام 2030، نتيجة للتحولات التي سيشهدها الهيكل العمري للسكان، حيث ستكون نسبة السكان الذين هم في سن العمل – في حالة اليمن، من المفترض أن يكون هذا السن بين 16 عامًا و59 عامًا – وهي شريحة كبيرة مقارنة بالسكان الذين هم خارج سن العمل.
بناءً على تحليلنا،[13] سيستمر عدد السكان الذين هم في سن العمل بالارتفاع بشكلٍ بطيء وثابت وسيشكلون حوالي نصف السكان بحلول عام 2050. تنامي عدد السكان الذين هم في سن العمل يعد إما بعائد ديمغرافي أو بعصر آخر من الاضطرابات في اليمن، إذا لم تحصل هذه الفئة على تعليم ذي جودة، ولم يجد أفرادها فرص عمل جيدة وفرصا عادلة لتحقيق ازدهار اقتصادي.
عام 2015، قدّر عدد الذكور الذين هم في سن العمل ب 7.5 مليون، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2050، ليتجاوز 15 مليونا. ستستمر حتماً مشاكل التطرف الديني والتعصب والحروب الأهلية ومعضلة القات – وهذه بعض الأمثلة فقط للمشاكل التي هي من صنع الرجل والموجودة منذ فترة طويلة – ، إلا إذا كانت هناك تدابير سياسية فعالة وتدخلات من طرف الحكومة لمنع تفاقم تأثيرها.
تمكين الجهاز المركزي للإحصاء (CSO) من إجراء المسوحات الميدانية
إذا قامت الأطراف المتحاربة الرئيسية بإعطاء الجهاز المركزي للإحصاء مساحة أكبر للتحرك من دون أي تدخل سياسي، سيكون الجهاز في وضع أقوى بكثير لتقييم تأثير النزاع بشكل أفضل. ومن الممكن بعد ذلك مشاركة هذه المعلومات مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة لتعميق فهمهم، وللمساعدة في صنع السياسات والقرارات المتعلقة باليمن. هذه المعلومات قد تساعد أيضاً في وضع برامج أكثر فعالية للمساعدات الإنسانية والتنموية وتنفيذها على الأرض، وتستطيع أن ترشد الجهود المبذولة لحماية رأس المال البشري في اليمن والاستثمار فيه بالرغم من استمرار النزاع.
على الأطراف المتحاربة أن تضع الشروط والأحكام لإطار عمل متفق عليه بشكل متبادل ويمكّن الجهاز المركزي للإحصاء من إجراء مسح ميداني شامل يمتد إلى أكبر مساحة ممكنة من اليمن. ينبغي على هذا المسح الميداني أن يحدد عددًا من المؤشرات السكانية التي من الممكن أن تساعد في تعميق مستوى الفهم لتأثير الصراع الحالي على رأس المال البشري. وعلى المسح أيضاً أن يهدف إلى تقييم: (أ) المؤشرات السكانية المحلية التي تفسر لاحقًا حركة السكان والتهجير أثناء النزاع؛ (ب) مؤشرات الصحة والتعليم وتحديد عدد المرافق الصحية والتعليمية التي لا تزال تعمل، وتقييم مدى قدرة وصول السكان إليها؛ (ج) مؤشرات التوظيف للقطاعين العام والخاص.
على الأطراف المتحاربة الرئيسية أن تتفق على النطاق والمنهجية والميزانية التشغيلية لتمكين الجهاز المركزي للإحصاء من إجراء المسح الميداني، وتطوير إطار عمل متفق عليه بشكل متبادل ويستطيع الجهاز المركزي للإحصاء تنفيذه، سيحتاج على الأرجح إلى التوافق على ما يلي:
على المانحين الدوليين الاستثمار أكثر في التنمية
يركز المانحون الدوليون الآن على تمويل المشاريع التي تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في اليمن. ولكن يمكن القيام بالمزيد، وعلى المانحين الدوليين التشاور مع الجهات الفاعلة في القطاعين العام والخاص بهدف تقييم جدوى إدخال عدد متزايد من مشاريع التنمية على المستوى المحلي.
يمكن فهم القلق المتزايد للمانحين الدوليين، بالنسبة لضرورة مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة للتخفيف من الآثار السلبية للأزمة الإنسانية في اليمن، ولكن على المانحين الدوليين أن يعملوا لدمج جهود الإغاثة الإنسانية الطارئة مع المساعدات الإنمائية، فهذا سيساهم في تمكين الجهات المحلية الفاعلة ويؤدي إلى الاستمرار في الاستفادة من هذه الجهود حتى بعد الصراع الحالي. وما يجب أيضاً النظر فيه هو الدمج بين الإغاثة الإنسانية والاستثمار في رأس المال البشري عن طريق توفير وجبات مدرسية في عموم البلاد.
على الجهات الدولية المانحة أيضًا أن تجري تقييماً شاملاً لتحديد المناطق التي يجب استهدافها وأنواع الدعم التقني والمالي الذي يجب تقديمه لها. كما أن على هذا التقييم أن يتجاوز المواضيع المعتادة أو الضيقة التي تندرج معاناة اليمنيين تحتها ويطور إطار عمل مبتكر وبعيد النظر على مستوى التنمية البشرية ويتجاوز النزاع المستمر. ويجب على التقييم أن يركز أكثر على التنمية البشرية على المدى الطويل من خلال تدابير السياسات العامة التي تشجع المعرفة والابتكار وريادة الأعمال، وتضمن توفير الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية.
على الجهات الدولية المانحة أيضًا أن تنسق جهودها مع المؤسسات المحلية مثل الجهاز المركزي للإحصاء (إذا منحته الأطراف المتحاربة حرية أكثر للتحرك وفقًا للتوصيات المذكورة أعلاه) ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، والجهات الفاعلة في القطاعين الخاص والعام. فمثلاً، بدلاً من عمليات التوصيل لمياه الشرب النظيفة إلى المناطق التي تعاني حاليًا من مشكلة الحصول على هذه السلعة الأساسية، يمكن للمانحين الدوليين أن يخططوا للعمل مع الجهات المحلية الفاعلة في القطاع الخاص (كشركات البناء) لبناء منشأة لمعالجة المياه وتعبئتها، فمشروع كهذا سيساعد على توظيف أفراد من السكان المحليين في أعمال البناء، وعلى تدريب آخرين، أيضاً من السكان المحليين، على العمل في المنشأة عند الانتهاء من بنائها. وطبعاً يمكن أن يستمر توفير المساعدة الطارئة أثناء بناء المنشأة.
على المدى المتوسط وطويل الأجل:
الإصلاحات التعليمية
على مستوى أبعد من النزاع الحالي، يتوجب على السلطات الحاكمة الوطنية والمحلية – وتحديداً وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني – القيام بإصلاحات تعليمية بالتنسيق مع الجهات الفاعلة في القطاع الخاص. إحدى الوسائل التي تساعد في تحقيق هذه الإصلاحات هي الشراكات الرسمية بين المؤسسات التعليمية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص والتي تشمل تمثيل منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ذات العلاقة.
يجب أن تستند أي استراتيجية لإصلاح التعليم في اليمن إلى مبدأ تحسين الصلة بين النظام التعليمي وسوق العمل في البلاد. ومن الضروري أيضاً أخذ النوع الاجتماعي بعين الاعتبار للتأكد من حصول المرأة على التعليم بقدر يسمح لها بمشاركة أفضل في القوى العاملة ضمن القطاعين العام والخاص.
ويجب على محاولات الإصلاح التعليمي أخذ المهارات المطلوبة للقطاعات المختلفة بعين الاعتبار. وعليها أيضاً أخذ الجهات الفاعلة المعنية في القطاعين العام والخاص ومهام كل منها بعين الاعتبار (كتوفير التدريب التقني)، حيث أن جعل التعليم والتدريب المهني في المدارس والثانويات والكليات والجامعات موجهًا نحو سوق العمل سيهيئ المواطنين اليمنيين بشكلٍ أفضل للانخراط في قطاعات معينة من أسواق العمل المحلية والأجنبية.
الاستثمار في القطاعات ذات العوائد المرتفعة
هناك عدد من القطاعات الممكن استهدافها لتحسين رأس المال البشري وتطوير التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي والاستفادة من إمكانات الصناعات المنتجة وخلق فرص عمل جديدة، (انظر موجز السياسات من سلسلة “إعادة تصور اقتصاد اليمن” بعنوان “خلق فرص عمل جديدة” ، نشر في أكتوبر / تشرين الأول 2018.)،[15] فالأولوية يجب أن تكون لقطاعي صيد الأسماك والزراعة، باعتبار أن أكثرية السكان الذين هم في سن العمل يقيمون في المناطق الريفية ومعظمهم يعملون في هذين القطاعين، ويجب إيلاء المزيد من الاهتمام لقطاعات الخدمات والتعدين والمعادن، فكل هذه القطاعات لديها إمكانات عظيمة غير مستغلة نسبيًا.
ولتحقيق نتائج أفضل، يجب العمل على تشجيع توظيف اليمنيين في قطاع الخدمات في الدول المجاورة، مثل توظيفهم في مراكز الاتصالات (call centers). فعلى الأرجح سيكون الاقتصاد اليمني غير قادر على استيعاب جميع القوى العاملة اليمنية. وبالتالي تصدير القوى العاملة اليمنية – وتدريب الأفراد على العمل في قطاعات معينة في الخارج – يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية رأس المال البشري الشاملة للمستقبل.
الحواشي:
[1] البنك الدولي، https://www.worldbank.org/en/publication/human-capital/brief/about-hcp، اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019.
[2] مجموعة البنك الدولي، “مشروع رأس المال البشري” (واشنطن: البنك الدولي، 2018)، https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/30498/33252.pdf?sequence=5&isAllowed=y، اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019.
[3] بييترو كاليس، “كيف يمكن للتعمق المالي أن يساهم في تنمية رأس المال البشري”، تنمية القطاع الخاص، مدونات البنك الدولي، 30 أبريل 2019، https://blogs.worldbank.org/psd/how-financial-deepening-can-contribute-human-capital-development، اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019.
[4] برنامج الأغذية العالمي (WFP). “مسح شامل للأمن الغذائي 2012: حالة الأمن الغذائي والتغذية في اليمن”. 2012 http://documents.wfp.org/stellent/groups/public/documents/ena/wfp247832.pdf?_ga=1.262912651.687705134.1486911247
[5] منظمة العمل الدولية (ILO)، “مسح القوى العاملة في اليمن 2013-2014،” (بيروت: منظمة العمل الدولية، 2015)، 7، https://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—arabstates/—ro-beirut/documents/publication/wcms_419016.pdf. اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019; البنك الدولي، “جمهورية اليمن: إطلاق العنان لإمكانات النمو الاقتصاد”، تقرير رقم 102151-YE (واشنطن: البنك الدولي، 2016)، xi؛ https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/23660/Yemen00Republi00for0economic0growth.pdf. خلق فرص عمل جديدة في اليمن، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 17 أكتوبر / تشرين أول 2018، https://www.devchampions.org/ar/publications/policy-brief/Generating-new-employment-opportunities. اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين أول 2019
[6] منظمة العمل الدولية، سوق العمل اليمني، 7.
[7] المصدر السابق.
[8] “حول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن”، https://www.unocha.org/yemen/about-ocha-yemen. اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين أول 2019.
[9] خلق فرص عمل جديدة في اليمن، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 17 أكتوبر / تشرين أول 2018، https://www.devchampions.org/ar/publications/policy-brief/Generating-new-employment-opportunities. اطلع عليه بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين ثاني 2019.
[10] “وضع الكوليرا في اليمن”، منظمة الصحة العالمية (WHO)، نوفمبر/ تشرين ثاني 2018، applications.emro.who.int/docs/EMROPub_2018_EN_20770.pdf?ua=1. اطلع عليه بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين ثاني 2019
[11] منظمة الصحة العالمية تعزز الوصول للرعاية الصحية الأساسية عبر حزمة الحد الأدنى من الخدمات، 17 ديسمبر / كانون أول 2018. http://www.emro.who.int/ar/2018-arabic/who-enhances-access-to-basic-healthcare-through-minimum-service-package.html. اطلع عليه بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين ثاني 2019.
[12] مع بدء العام الدراسي في اليمن، مليوني طفل خارج المدراس و3,7 مليون طفل آخر معرضون لخطر التسرب، يونيسف، 25 سبتمبر / أيلول 2019، https://www.unicef.org/ar/%D9%85%D8%B9-%D8%A8%D8%AF%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%8C-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A-%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D9%88%D9%8E-37-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D9%88%D9%86/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9. اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين أول 2019.
[13] يستند هذا التحليل إلى التقديرات والتوقعات السكانية الرسمية للأمم المتحدة (الأمم المتحدة، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية (DESA)، شعبة السكان، “التوقعات السكانية في العالم” http://esa.un.org/unpd/wpp/DVD/.
[14] على سبيل المثال، تشير معلومات الإحصاء الرسمي للسكان في المهرة من مسح عام 2004 إلى أنها أقل بكثير من العدد الفعلي للسكان.
[15] خلق فرص عمل جديدة، مشروع إعادة تصور اقتصاد اليمن.
تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام
تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة
ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً
استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ
وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة
وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.
لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة
ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة
ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن
مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ
أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.
مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.
إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي
يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.
شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015
وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.
ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.
تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.
يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.
يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.
تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.
استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.
ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.