ملخص تنفيذي
يواجه قطاع الأسماك في اليمن العديد من التحديات الهيكلية التي حدت من إنتاجه ومساهمته المحتملة في الاقتصاد الوطني. عانت البنية التحتية للقطاع من تدني مستويات التطوير والتنمية، حتى في مرحلة ما قبل اندلاع النزاع المسلح في البلاد، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بتطوير القدرات البشرية. وبالتالي، ازدادت التحديات التي تواجه القطاع بعد اندلاع الحرب عام 2015، لتشمل: انخفاض حاد في الإنتاج، نتيجة نزوح العديد من الصيادين والقوى العاملة في القطاع؛ إيقاف الإنتاج في مصانع الأسماك؛ ارتفاع أسعار الوقود؛ انخفاض القوة الشرائية المحلية، وبالتالي انخفاض الطلب المحلي على الأسماك؛ عدم تمكين وزارة الثروة السمكية، وغيرها من مواجهة التحديات التي يعانيها القطاع.
في إطار مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن، اجتمع عدد من الخبراء وأصحاب المصلحة، من قطاع الأسماك من مختلف المحافظات الساحلية في الجمهورية، بمدينة المكلا في حضرموت خلال الفترة (26-28 نوفمبر / تشرين الثاني 2019)، لمناقشة التحديات التي تواجه القطاع السمكي واقتراح الحلول المناسبة لها. توصلت هذه المناقشات إلى ضرورة التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص ومجتمعات الصيد والمؤسسات التعليمية والفاعلين الدوليين، لتحقيق التنمية المستدامة والتعافي من آثار الصراع الحالي. بالنظر إلى عدم قدرة وزارة الثروة السمكية على إنجاز مهامها نتيجة للنزاع القائم، رأى المشاركون أنه بات من المهم منح امتيازاتها التنفيذية فيما يخص وضع السياسات والتنظيم على المدى القصير إلى المجالس المحلية، وتمكين الأخيرة وتفويضها مؤقتا لإدارة القطاع خلال الصراع، كما اقترحوا سياسات طويلة الأجل من شأنها، في حال تبنيها من قبل الحكومة اليمنية والفاعلين الدوليين، أن تعيد تنشيط القطاع وتحسن قدراته.
تشمل التوصيات:
خلفية:
يعتبر القطاع السمكي في اليمن من القطاعات الواعدة التي من شأنها المساهمة في تعزيز الاقتصاد الوطني، إذ يبلغ طول السواحل اليمنية أكثر من 2500 كيلومتر، وتتميز بالمناطق الغنية بالأسماك،[1] لكنها تعاني العديد من التحديات التي فاقمتها الأزمة الحالية. أظهرت أحدث البيانات التي نشرتها وزارة الثروة السمكية عام 2012، أن قطاع الأسماك ساهم بحوالي 3% من إجمالي الناتج المحلي، وشكل ثاني أكبر مصدر لإيرادات التصدير بعد النفط.[2]
ينقسم قطاع الأسماك إلى مكونين أساسيين: مصائد الأسماك البحرية؛ والاستزراع السمكي، والأول هو المهيمن في القطاع، بينما الثاني يعتبر محدودا نسبياً، من حيث الحجم والإنتاج. بحسب أحدث بيانات متوفرة من وزارة الثروة السمكية، هناك حوالي 90 ألف صياد مرخص في البلاد،[3] جميعهم تقريباً صيادون تقليديون من الذكور.[4] ويبلغ عدد القوى العاملة في أنشطة الصيد، والأنشطة ذات الصلة بالصيد حوالي 500 ألف شخص يعيلون قرابة 1.7 مليون نسمة.[5] بالمقابل، هناك مزرعة واحدة فقط تعمل في قطاع الاستزراع السمكي في اليمن، حسب بيانات وزارة الثروة السمكية عام 2012.[6]
تشير التقديرات إلى أن إنتاج اليمن من الأسماك والأحياء البحرية يبلغ سنويا حوالي 200 ألف طن قبل اندلاع الصراع، حيث تم تصدير ما بين 40% إلى 50% من هذا الإنتاج، ما أدر عائدات تقدر بحوالي 300 مليون دولار.[7] هناك مراكز استلام، وﻣﺮاﻓﻖ لتفريغ الأﺴﻤاك مملوكة للدولة، وأخرى خاصة، ولكن الدولة لا تملك أساطيل صيد، وبالتالي يعمل الصيادون على قواربهم الخاصة أو على قوارب يستأجرونها من القطاع الخاص. أظهرت دراسة أجريت عام 2018 أن 60% فقط من الصيادين يملكون قوارب صيد، بينما يعمل الباقون مقابل أجر يومي،[8] وأن قرابة الثلث من هؤلاء يملكون القوارب بالشراكة مع آخرين.[9]
واجه قطاع الأسماك خلال العقد الأخير تحديات بيئية متزايدة، مثل تدمير الشعاب المرجانية، والتلوث، وآثار التغير المناخي، وظواهر جوية عنيفة مثل الأعاصير الحلزونية، ومن شبه المؤكد أن هذه العوامل أثرت على حجم الأرصدة السمكية، ولكن لم يتم إجراء تقييم نهائي بهذا الشأن (انظر قسم التحديات أدناه).
خلال الصراع الجاري انخفض حجم الإنتاج السمكي قرابة النصف، بينما تراجعت الصادرات إلى أقل من 70 ألف طن سنوياً منذ اندلاع الحرب.[10] كما أثر نقص الوقود الذي عانت منه البلد بشكل منتظم على عمل الصيادين، إذ أدى إلى ارتفاع التكاليف اللازمة لتشغيل قواربهم. وخلال الحرب هُجر العديد من الصيادين من المجتمعات الساحلية، بسبب الاشتباكات المسلحة في مناطقهم، وبالتالي خسروا مصدر رزقهم، كما أن أولئك الذين لم يُهجروا وظلوا في مناطقهم على طول سواحل البحر الأحمر من الحديدة إلى عدن، لم يتمكنوا من ممارسة عملهم بانتظام بسبب القتال وانعدام الأمن.
التحديات الأساسية التي تواجه القطاع السمكي في اليمن
نقص البيانات والمعرفة
تعتبر شحة الأبحاث العلمية، وتدني إنتاج المعرفة فيما يخص حجم وصحة المخزون السمكي، أبرز التحديات التي تواجه القطاع السمكي في اليمن. آخر تقييم تم إجراؤه لتحديد مناطق الصيد والنظم الإيكولوجية الساحلية والبحرية ومواقع تربية الأحياء المائية كان منذ أكثر من 30 عاماً،[11] وليس هناك أي تقييم حديث، وبالتالي ليس هناك معلومات وبيانات عن القطاع ووضع المخزون السمكي من حيث الجدوى التجارية، والأنواع المهددة بالانقراض والشعاب المرجانية، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالنظام البيئي البحري والمواطن البحرية.
لا زالت أدوات وأساليب الصيد في اليمن تقليدية، وتقل نسبة استعمال معدات تكنولوجية متطورة، وهذا يحد من كميات الإنتاج ككل، كما أن ممارسات الصيد المدمرة، التي تتزايد شعبيتها بين الصيادين، تهدد استدامة القطاع. تشمل بعض هذه الممارسات: الصيد العرضي المفرط؛ وصيد الأسماك اليافعة؛ والصيد باستخدام الشباك الدقيقة التي تُجر في أعماق البحار؛ والصيد بالتفجير، ما يدمر الشعاب المرجانية والموائل البحرية.[12]
البنية التحتية الضعيفة
تعاني صناعة الأسماك في اليمن من مشاكل جدية في البنية التحتية، حيث تدار مراكز الاستلام البدائية وذات السعة الصغيرة، ومصانع الأسماك بشكل سيء وغير فعال، ويحد غياب مراكز استلام ملائمة، وعدم وجود إدارة وموظفين مدربين على ضمان معايير الجودة، من قدرة القطاع على تلبية معايير الجودة سواء في السوق المحلية أو الأجنبية، بالإضافة إلى غياب البنية التحتية الملائمة في المرافئ وأرصفة الصيد، مثل عدم وجود كواسر أمواج كافية، أو مرافق تخزين بارد ملائمة، وغياب وسائل لتوليد الطاقة بأسعار مقبولة.
في ذات السياق؛ يفتقر العاملون في قطاع صيد السمك للتدريب اللازم على استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، التي من شأنها أن تطور القطاع. تفتقر اليمن أيضا إلى مدونة سلوك تضمن أفضل الممارسات لإنتاج وتخزين وتوزيع وتصدير واستيراد وبيع الأسماك والمنتجات السمكية، ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الأسماك المصطادة. كل هذا يؤدي في المحصلة إلى تقويض الجهود الرامية إلى حماية الموائل البحرية – مثل الشعاب والمزارع المرجانية.
غياب الدعم من القطاعين العام والخاص
ليس بمقدور وزارة الثروة السمكية حالياً القيام بمهامها المعتادة، بسبب غياب الموظفين المؤهلين، وغياب التمويل، ما يعني غياب الرقابة الحكومية بشكل شبه كامل، وعدم تطبيق معايير الجودة المطلوبة، وعدم دعم القطاع السمكي فيما يخص صيد وتجهيز الأسماك، والتصدير وتأمين الخدمات اللوجستية والتسويق الدولي. وفي الواقع، ما يحدث هو العكس، إذ على مصانع تجهيز الأسماك أن تدفع ضريبة تصل إلى 25% على الإنتاج السمكي، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر البيع، والحد من القدرة التنافسية لصادرات اليمن من الأسماك.
وأدى الصراع، وتحديداً انتقال وزارات الحكومة المعترف بها دولياً، مثل وزارة الثروة السمكية، من صنعاء إلى عدن عام 2016، إلى ظهور عدة تحديات أمام التواصل مع البلدان المستوردة، وإلى صعوبات في تسجيل الشركات المصدرة لدى الاتحاد الأوروبي. خسرت الوزارات رأس المال البشري ومهارات عدة بعد انتقالها إلى عدن، إذ أن معظم موظفيها لم ينتقلوا إلى عدن. أدت هذه التحديات التي تواجه القطاع، وكذلك الاعتماد على الطرق البدائية في إدارته، إلى تردد الجهات الفاعلة في القطاع الخاص عن الاستثمار في تطوير قطاع الأسماك في اليمن، ما عرقل تحديداً التنمية في تربية الأحياء المائية، خاصة مع ارتفاع التكلفة الرأسمالية الأولية.
التطلع قدماً
من الجدير بالذكر، أن جذور أغلب هذه التحديات لا ترتبط بالنزاع الحالي بشكل أساسي، لكن ومن دون شك، فقد ازداد الوضع تعقيداً بسبب الحرب. لا بد من اتخاذ إجراءات معينة لكي يتمكن قطاع صيد الأسماك من العمل بكامل طاقته، والمساهمة في الاقتصاد كمكون رئيسي وفعال، وبالتالي، فقد اقترح المشاركون في ورشة العمل خطوات أساسية للحكومة والفاعلين الدوليين، تساعد في تأهيل وتطوير القطاع السمكي في اليمن:
التوصيات:
الهوامش:
[1] “الاستراتيجية الوطنية لمصايد الأسماك (2012-2025)”، وزارة الثروة السمكية، 2012.
[2] المرجع نفسه.
[3] مقابلة مع مسؤول في وزارة الثروة السمكية.
[4] على الرغم من أن هناك نساء يعملن في هذا القطاع – وبحسب بعض الأدلة القولية بأن عددهن تزايد خلال النزاع الحالي – فإن الذكور يهيمنون على الصناعة والمهنة بشكل كبير.
[5] الفرح، عمار محمد، “تأثير الحرب في اليمن على الصيد الحرفي في البحر الأحمر”، مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، 2018، http://eprints.lse.ac.uk/91022/، تم الاطلاع عليه في 13 فبراير / شباط 2020.
[6] “الاستراتيجية الوطنية لمصايد الأسماك (2012-2025)”، وزارة الثروة السمكية، 2012: “المزرعة الوحيدة التي تعمل في قطاع الاستزراع السمكي هي مزرعة “المسلم” التجارية التي تقع شمال الحديدة على ساحل البحر الأحمر. تضم المزرعة 50 هکتارا من أحواض الروبيان ويبلغ إنتاجها السنوي 400 طن (بشكل رئيسي الجمبري الهندي الأبيض والجمبري النمر العملاق).”
[7] مقابلة مع مسؤول في وزارة الثروة السمكية.
[8] الفرح، عمار محمد، مصدر سابق.
[9] المصدر نفسه.
[10] مقابلة مع مسؤول في وزارة الثروة السمكية.
[11] “الاستراتيجية الوطنية لمصايد الأسماك (2012-2025 مصدر سابق.
[12] الفرح، عمار محمد، مصدر سابق.
تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام
تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة
ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً
استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ
وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة
وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.
لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة
ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة
ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن
مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ
أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.
مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي
أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.
إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي
يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.
على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.
شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015
وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.
ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.
تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.
يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.
يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.
تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.
استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.
ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.