أهمية رفع فاعلية الاستجابة الإنسانية في اليمن

تم اجتماع أكثر من 20 مشاركا ومشاركة من أبرز القيادات التنموية والاقتصادية في اليمن لمناقشة أهم التحديات التي تواجه البلاد في منتدى قيادات التنمية الثاني الذي عقد مؤخراً ضمن مبادرة “إعادة تصور اقتصاد اليمن”. كانت الحاجة إلى زيادة تغطية وكفاءة التدخلات التي تقوم بها المنظمات الإنسانية الدولية ووكالات الأمم المتحدة للتصدي للأزمة الإنسانية في اليمن من أبرز المواضيع المطروحة في المنتدى.

حول هذه القضية اختار رواد المنتدى خلال المناقشات القضايا الرئيسية التالية كمحاور يجب العمل عليها:

  • الحاجة إلى قيام الجهات الفاعلة الإنسانية الدولية بزيادة التنسيق مع السلطات المحلية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني والقطاع الخاص اليمني.
  • أهمية دور اللامركزية في الاستجابة الإنسانية، والفوائد العديدة المتمثلة في إعطاء الأولوية للتحويلات النقدية للمستفيدين بدلا عن توفير المواد الغذائية بشكل مباشر.
  • أهمية إيلاء الأولوية لتقديم المساعدة إلى أشد السكان فقراً، ولا سيما النازحين داخلياً.

وتوصلت قيادات التنمية الى جملة من التوصيات المختلفة للجهات الفاعلة الانسانية الدولية والحكومة اليمنية وسلطات الامر الواقع في مختلف مناطق الجمهورية وكذلك الدول الأعضاء في التحالف العربي والمجتمع الدولي، كما سيرد هنا لاحقا.

خلفية

أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير الاحتياجات الإنسانية لليمن لعام 2018 أن 22.2 مليون شخص – أي 80 في المائة من السكان –بحاجة إلى المساعدة الإنسانية أو الحماية في نهاية عام 2017، منهم 11.3 مليون في حاجة ماسة. وأن هناك 17.8 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، منهم 8.4 مليون شخص “معرضون لخطر المجاعة”.

وقد شملت الاستجابة الإنسانية في العام الماضي ثمان وكالات تابعة للأمم المتحدة و36 منظمة دولية غير حكومية و147 منظمة محلية غير حكومية. وكانت التحديات التي تواجه هذه الجهات الفاعلة في المجال الإنساني عميقة، وأهمها الحجم الكبير للأزمة واتساع الشريحة السكانية المتأثرة بها باستمرار، حيث يشهد اليمن حالياً أكبر حالة طوارئ إنسانية في العالم، ويشكل حجمها ونطاقها تحدياً هائلاً لقدرة الجهات الفاعلة الإنسانية على إيصال المعونات لجميع المحتاجين، على مستوى الاحتياجات والنطاق الجغرافي الذي تتواجد ضمنه المنظمات العاملة في الاستجابة الإنسانية وقدرتها على توسيع تغطيتها.

بالإضافة إلى ذلك، تواجه الجهات الفاعلة في المجال الإنساني قيودا شديدة تعقد العمل في الظروف الحالية لليمن وتعيق الوصول إلى المحتاجين. وقد اعتبر الفاعلون الإنسانيون أن التحديات البارزة التي تواجههم تتمثل بالآتي:

  • الإجراءات الرسمية البيروقراطية التي تؤخر وصول المساعدات إلى المحتاجين، وكذلك تأخر الحصول على الموافقة لاستيراد المواد الغذائية والطبية ومشتقات الوقود المستثناة من الحصار الذي يفرضة التحالف العربي على ميناء الحديدة، بالإضافة الى تأخر إجراءات تأشيرات دخول العاملين في المجال الانساني إلى المناطق الشمالية والجنوبية من اليمن، والانتظار الطويل للحصول على تلك التأشيرات، والقيود المشددة عليها ومتطلبات الحصول على تصاريح سفر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وغير ذلك.
  • الدمار المنتشر وضعف البنية التحتية أو غيابها مثل – الطرق والجسور وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية ومخازن تخزين الغذاء- وغير ذلك.
  • التحديات الأمنية والمتمثلة بنقاط التفتيش، والجماعات المسلحة، وتحويل مسارات قوافل المساعدات بل واختطافها أحيانا، في ظل استمرار المعارك البرية، والضربات الجوية، وغيرها.
  • التحديات المالية المتمثلة بأزمة السيولة الواسعة النطاق، وتقلب أسعار صرف العملة المحلية أما العملات الأجنبية، والتقلبات السريعة في اسعار السلع والخدمات الناتجة عنه.

لقد أثرت هذه العوامل بشكل كبير في قدرة الجهات الفاعلة في المجال الإنساني على إتمام العمليات الإنسانية وتقييم الاحتياجات ورصد النتائج وجمع البيانات الأخرى الضرورية لوضع برامج تدخل قائمة على الأدلة في الوقت المناسب. وكثيراً ما دفعت حساسية الأطراف المتحاربة حيال هذا النوع من جمع البيانات إلى منع الأنشطة المتعلقة بجمع البيانات الخاصة بالخدمات الإنسانية بالقوة، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.

وفي الوقت نفسه فإن الفرق الوطنية الإنسانية وفرق الشبكات الإنسانية تعمل بشكل جيد وترتبط مع بعضها بآليات تنسيق جيدة، وتؤدي دورا فاعلا لمساعدة الجهات الدولية الإنسانية وتسهيل عملها. وعلى الجانب الآخر فإن التنسيق مع القطاع الخاص اليمني وغيره من الفاعليين المحليين مازال محدودا. مما يؤدي إلى ظهور فجوة متأصلة بين العرض والطلب فيما يتعلق بتوفير المساعدات داخل البلد. وقد نتج عن هذا القصور محدودية نشاط الجهات الإنسانية الفاعلة في تخزين الأغدية والمساعدات في مواقع آمنة في جميع أنحاء البلاد.

ويعاني اليمن من نقص ملحوظ في الاستجابة الإنسانية من المجتمع الدولي. ولم ينتج عن النداءات الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة سوى استلام 55% من الأموال المطلوبة لعام 2015 (1.6 مليار دولار) ثم استلام 63% في لعام 2016 (1.63 مليار دولار) و73% لعام 2017 (2.3 مليار دولار)، و70٪ لهذا العام (2.1 مليار دولار) أي أن التحسن في هذا المجال محدودا وبطيئا.

وأطلق المشاركون من رواد التنمية توصيات متعددة لتجاوز هذه الصعوبات والمعوقات.

توصيات للجهات الفاعلة الإنسانية الدولية:

  • توسيع مفهوم “الاستجابة الإنسانية” لتشمل جهود الإنعاش الاقتصادي، بحيث تتوسع الجهود الإنسانية الطارئة التي تجري حالياً في اليمن وتساعد على إرساء الأسس اللازمة لإعادة تأهيل الخدمات الأساسية المقدمة محلياً على المدى القريب، الأمر الذي سيساعد أيضا على تحقيق الاستقرار الوطني على المدى الطويل وتجنب رسوخ تقليد الاعتماد على المساعدات الخارجية لليمن. ويمكن اختصار هذه النقطة وآليات تجاوزها بكونها تتطلب الانتقال بآليات عمل الخدمات الإنسانية من وظيفة المعيل إلى نقل المحتاجين إلى وضع أفضل وخلق فرص معيشية أفضل لهم.
  • تقوية الجهود الداخلية الرامية إلى التنسيق مع السلطات المحلية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني والقطاع الخاص اليمني من خلال التخطيط التشاركي وعمليات التنفيذ (مع إدراك أن إمكانية التنسيق المحلي تختلف بشكل كبير من منطقة لأخرى بحسب الظروف على الأرض)، ومن شأن ذلك أن يساعد على ضمان استجابة إنسانية أكثر فعالية وشمولا وتكاملاً، مع الحد أيضاً من التكاليف التشغيلية التي تتكبدها الجهات الفاعلة الإنسانية الدولية ومن أعباء الموارد البشرية، ينبغي على الجهات الفاعلة في المجال الإنساني أن تعمل على زيادة التنسيق مع القطاع الخاص اليمني على وجه الخصوص كفرصة للحد من العوائق التي تواجها في إيصال وإدارة المساعدات (لتفاصيل أكثري مكن الاطلاع على المنظمات الإغاثية الدولية والقطاع الخاص اليمني: الحاجة إلى تحسين التنسيق في الاستجابة الإنسانية للأزمة ).
  • إنشاء فرق مفاوضات داخل البلاد مكلفة بالإبقاء على قنوات اتصال قوية ومفتوحة باستمرار مع الأطراف المتحاربة لتيسير وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع مناطق البلاد. ينبغي أن تؤدي هذه الجهود إلى زيادة التنسيق مع السلطات المحلية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني والقطاع الخاص اليمني. كما ينبغي أن تشمل هذه الجهود برنامجاً لتعريف كوادر الأطراف المتحاربة بالتزاماتها المترتبة عليها بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
  • اعتماد اللامركزية في جهود الإغاثة من خلال إنشاء مراكز أو “محاور” إغاثة موزعة بدقة في جميع أنحاء البلاد بحسب قدرة الوصول إلى الواردات الإنسانية – سواء عن طريق البر أو البحر أو الجو – وتنشأ بالقرب من التجمعات السكانية للمحتاجين.
  • وضع إطار شامل لإدارة المخاطر، إضافة إلى نظام موحد للرقابة والتقييم يستعرض الاستجابة الإنسانية بكامل متطلباتها ومجالاتها. من شأن ذلك أن يسمح بإجراء تقديرات دقيقة للاحتياجات والمساعدات اللازمة لمواجهتها، وتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر في إطار نموذج تقديم المعونة الحالي. من شأن ذلك أيضاً أن يعزز الشفافية والمساءلة في إيصال المساعدات، الأمر الذي سيحول بدوره دون شعور المانحين بالإعياء.
  • إعطاء الأولوية للتحويلات النقدية كشكل من أشكال المساعدات الإنسانية للمستفيدين عوضا عن توفير السلال الغذائية، خاصة وأن التحويلات النقدية ستخلق مردودات ايجابية على الاقتصاديات المحلية، حيث ستساعد صغار الباعة والسوق ككل على المحافظة على أعمالهم، مع تعزيز نظم الائتمان المحلية والقدرة على الصمود على مستوى المجتمع المحلي.
  • إعداد وتنفيذ برامج متعددة لبناء وتعزيز قدرات الموظفين المحليين وتمكينهم في مواقع صنع قرار عالية في المنظمات التي يعملون بها، مع مراعاة مبدأ أساسي يتمثل في مراعاة النوع الاجتماعي. من شأن ذلك المساهمة في تعزيز فاعلية ومرونة العمليات الانسانية.
  • تنفيذ تقييم احتياجات التدخلات الإنسانية على المستوى المحلي لضمان تقديم المساعدات للجهات المستهدفة على حسب الاحتياج، مع مراعاة تنوع الاحتياجات المختلفة جغرافيا وديموغرافيا، وكذلك التدهور الاقتصادي وتفاقم الصراع.
  • ضمان تنفيذ آليات التوزيع العادل للمساعدات، وعلى وجه الخصوص منح امتيازات وأولية للنساء المعيلات لأسرهن، لا سيما وقد تسبب الصراع في تهميشهن وأضعف قدرة حصولهن على الوظائف او الوصول للخدمات او المساعدات الإنسانية.
  • مراقبة جهود الجهات الفاعلة المحلية في المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية العاملة في الاستجابة الإنسانية لتحديد فرص الاستثمار في بناء قدرات الجهات المحلية والتعاون معها. وينبغي على قيادات المنظمات الدولية غير الحكومية أن تبني استراتيجية شراكة تضمن الصمود الطويل الأجل للمحليين وتسلمهم زمام القرارات.

توصيات للحكومة اليمنية:

  • إلزام اللجنة العليا للإغاثة الإنسانية بالاضطلاع بدورها الرقابي والتنسيقي لتوسيع التغطية ورفع فعالية الاستجابة الإنسانية ومنع ازدواجية الجهود. يشمل ذلك: وضع وتنفيذ خطة استباقية للتنسيق مع المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة ودعمها في مجال الاستجابة الإنسانية. ينبغي أن يشمل ذلك مساعدة الجهات الفاعلة الإنسانية في تأمين الاستيراد السلس للإمدادات الإنسانية، وتأمين حصولها على تأشيرات دخول الموظفين الأجانب إلى البلد دون عراقيل وفي الوقت المناسب، وتحديد المناطق الآمنة لإيواء الموظفين والإمدادات، وتأمين ممرات انتقال عبر مناطق النزاع. ينبغي أن يشمل ذلك أيضاً تيسير وصولهم إلى مجتمعات المحتاجين – بمن فيهم النازحين داخلياً – لإجراء دراسات استقصائية ميدانية لتحديد الاحتياجات اللازمة في مختلف المناطق: والتنسيق مع المكاتب الفنية للوزارات في صنعاء لضمان تنسيق ورقابة فاعلة للمساعدات الإنسانية.
  • العمل بشكل فعال على اتباع سياسات تحمي المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن من تدخل الأطراف المتحاربة، حيث وان هـذه المنظمات تواجه معوقات مختلفة بحسب المكان التي تعمل فيه.
  • تحديد الأولويات والشروع في إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية اللازمة لتسهيل حركة المساعدات الإنسانية عبر المحافظات اليمنية.
  • المساعدة في بناء قدرات السلطات المحلية لدعم المنظمات الدولية في الاستجابة للأزمة الإنسانية.
  • على الحكومة التخاطب مع السلطات السعودية ومحاولة ايجاد استثناء للمغتربين اليمنيين هناك من الرسوم التي تم فرضها مؤخرا عليهم، ويشمل ذلك الطلب من السلطات السعودية مراعاة ظروف اليمنيين الذين يعملون في القطاعات التي تمت سعودتها/توطينها بما يسمح بزيادة قيمة التحويلات إلى اليمن واستمرارها.

توصيات لسلطات الأمر الواقع في اليمن:

  • إزالة العقبات البيروقراطية التي تعقّد وتأخّر دخول عاملي الإغاثة الإنسانية إلى اليمن.
  • إزالة القيود المفروضة على تصاريح السفر لعاملي الإغاثة الإنسانية داخل اليمن وتيسير وصولهم الآمن وغير المعاق إلى السكان المحتاجين. ويشمل ذلك منع ابتزاز عمال الإغاثة عند نقاط التفتيش.
  • إزالة القيود التي يفرضها موظفو وزارة التخطيط والتعاون الدولي بصنعاء والتي تحد من قدرة المنظمات الإنسانية على إجراءات تقييم الاحتياجات ورصد المساعدات الإنسانية.

توصيات إلى الدول الأعضاء في التحالف العربي والمجتمع الدولي:

  • السماح باستئناف الرحلات الجوية إلى مطار صنعاء الدولي، وذلك لتسهيل عملية السفر لمن هم بحاجة الى عناية طبية خارج البلد، وكذلك تسهيل حركة التنقل للعاملين الإنسانيين والمؤن الإنسانية من وإلى مناطق شمال اليمن تحديدا.
  • رفع القيود المفروضة على الاستيراد التجاري والإنساني للأغذية والوقود والإمدادات الطبية عبر جميع الموانئ في اليمن بشكل نهائي، ولا سيما ميناء الحديدة على البحر الأحمر.
  • اتخاذ خطوات عملية لاستعادة القدرات الوظيفية للبنك المركزي اليمني، على النحو المفصل في موجز سياسات مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن: استعادة قدرة البنك المركزي واستقرار الريال. من شأن ذلك أن يساعد، مع عوامل أخرى كثيرة على استقرار أسعار السلع الأساسية في السوق، وبالتالي زيادة فعالية التحويلات النقدية للمعونة الإنسانية إلى المستفيدين في اليمن.
أهمية رفع فاعلية الاستجابة الإنسانية في اليمن
أبريل 10, 2018

مشاركة:

أقرأ ايضا

الملخص التنفيذي

تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام

تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة

ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً

استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ

وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة

وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.

رسالة إلى صناع القرار (Executive Note)

لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة

ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة

ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن

مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ

أبريل 30, 2026

أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.

مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي

أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.

إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي

فبراير 17, 2026

يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.

على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.

توصيات مختارة

  • على المنظمات الدولية التركيز على الاستثمار في خدمات الأقمار الصناعية مثل ستارلنك، ويجب على الحكومة تركيز جهودها على إنجاح نشرها.
  • على المؤسسات الإنمائية الدولية دعم إطار تنظيمي أكثر تماسكًا، يتمتع بقدرات كبيرة على الرقابة والإنفاذ.
  • على البنك المركزي بعدن، تعزيز حوكمته وسد الثغرات التنظيمية، مثل تنظيم التجارة الإلكترونية.
  • على الحكومة والمنظمات الدولية العمل على رفع مستوى المعرفة الرقمية ووعي المستهلكين، لا سيما أوساط الفئات الضعيفة والمحرومة.
  • على المانحين الدوليين والمنظمات غير الحكومية، دعم تدابير الأمن السيبراني لتحسين الثقة في الفضاءات الرقمية، وتعزيز نمو التجارة الإلكترونية.
  • على الجهات الحكومية أن تتعاون مع القطاع الخاص، لتحسين البنية التحتية، وتثقيف المستهلكين، وتحفيز المدفوعات الرقمية.
  • على وزارة المياه والبيئة أن تدرج حماية البيئة جزءًا من الإطار التنظيمي والاستثمارات في البنية التحتية.
سبتمبر 15, 2025

شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015

وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.

ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.

التوصیات الرئیسیة:
  • الاستراتیجیة الوطنیة الصناعیة: وضع استراتیجیة صناعیة وطنیة بالشراکة مع القطاع الخاص، بما ﻓﻲ ذلك تحدید القطاعات الرئیسیة وإجراءات الدعم وآلیات التنسیق.
  • الإصلاح التنظیمي: تبسیط تسجیل الأعمال وتحدیث القوانین وإنشاء مجالس التحکیم الصناعي.
  • إدماج المرأة: توسیع نطاق التدریب، وتطویر المناطق الصدیقة للنساء، وإطلاق التمویل المستهدف لرائدات الأعمال.
  • الابتکار والبحث والتطویر: تمویل مختبرات البحوث الصناعیة وتعزیز شراکات الابتکار مع القطاع الخاص.
  • تطویر البنیة التحتیة: إعادة تأهیل المناطق الصناعیة بالطاقة الشمسیة ومراکز الخدمات اللوجستیة وتبسیط الوصول إلی الموانئ.
  • الحصول ﻋﻠﯽ التمویل: إنشاء صندوق تمویل صناعي وتوسیع نطاق الائتمان المیسر للشرکات الصغیرة والمتوسطة.
  • الاستدامة البیئیة: فرض ضوابط التلوث، وتحفیز اعتماد التکنولوجیا النظیفة، ودمج الضمانات ﻓﻲ التخطیط الصناعي.
سبتمبر 8, 2025

تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.

يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.

يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.

أغسطس 11, 2025

تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.

استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.

ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.

يوليو 28, 2025

عن ماذا تبحث