تضخم يفوق القدرات المالية: الحاجة إلى إصلاح نفقات رواتب القطاع العام

يتناول موجز السياسة هذا تضخم القطاع العام في اليمن. قبل الحرب، كانت رواتب القطاع العام مصدراً للضغوط المالية المستمرة، وذلك بسبب عقود من الفساد والمحسوبية في التعيينات والعديد من العوامل الأخرى. أسفرت الجهود السابقة لتقليص حجم الكادر البشري في القطاع العام، ولا سيما تلك التي يدعمها البنك الدولي، عن نتائج ملموسة قليلة، كما يبين هذا الموجز. خلال النزاع، أضافت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين المسلحة آلاف الأسماء إلى قائمة رواتب القطاع العام – لا سيما في الجهاز العسكري والأمني ​​– بالتوازي مع انكماش الاقتصاد. وسط عجز كبير ومستمر في الميزانية، كانت فاتورة رواتب القطاع العام متضخمة، لكن عملية دفعها لا يتمتع بالاستمرارية والانضباط. وفي حال استمرار هذا الوضع، فإنه يهدد بتقويض أي انتعاش اقتصادي أو استقرار مستقبلي متوقع في اليمن.

يقدم موجز السياسات هذا توصيات لتخفيض فاتورة رواتب القطاع العام في اليمن، مراعياً الدروس المستفادة من الإخفاقات السابقة. توجه هذه التوصيات إلى حكومة ما بعد الصراع وذلك نظراً للتحديات المتعددة أمام إصلاح القطاع العام، حتى في بلد مستقر. يوصي هذا الموجز بأن تقوم حكومة ما بعد الصراع بإجراء تقييم لتقدير الزيادة التي حدثت في رواتب القطاع العام بسبب الصراع، والحد من الفساد الإداري من خلال نظام البصمة الإلكترونية لتحديد هوية جميع العاملين في القطاع العام، ووضع استراتيجية لتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم في المجتمع دون استيعابهم في القطاع العام، كما يوصي بإصلاحات متوسطة إلى طويلة الأجل لخلق قطاع عام فعال ومستدام من الناحية المالية، بما في ذلك فحص حسابات الخدمات العامة وتخفيض حجم الرواتب عن طريق خفض عدد العاملين وتطوير إجراءات توظيف تتسم بالشفافية.

مقدمة

شكل التوظيف المتفاقم في القطاع العام في اليمن ضغطاً على ميزانية الدولة قبل النزاع، لتستهلك ما يمثل في المتوسط 32% ​​من الإنفاق الحكومي كمرتبات وأجور بين عامي 2001 و2014.[1] خلال النزاع، أضافت الأطراف المتحاربة أعداداً كبيرة من الموظفين الجدد إلى كشوف الرواتب العامة، وخاصة الأجهزة العسكرية والأمنية، تزامناً مع انكماش الاقتصاد اليمني.[2] يواجه اليمن أيضاً عجزاً كبيراً في الموازنة العامة، والذي قدّر بـ 660 مليار ريال يمني عام 2018، أي ما يعادل 1.24 مليار دولار أمريكي (بمتوسط ​​سعر صرف الدولار الأمريكي للريال اليمني لعام 2018).[3] بعد انتهاء الصراع، ستكون عملية إعادة الإعمار من أولويات الإنفاق العام والدعم الخارجي، ما يعني أن اليمن قد يواجه صعوبات في الحصول على تمويل ثابت لرواتب القطاع العام.

في ظل أزمة السيولة النقدية، توقف البنك المركزي اليمني عن دفع الرواتب في أغسطس/آب 2016، استؤنفت عملية دفع الرواتب لاحقا فقط في بعض المناطق والقطاعات، لكن لم تكن عملية الدفع كاملة ولم تتم بطريقة منتظمة لجميع موظفي القطاع العام.[4] في حين أن استئناف دفع الرواتب لموظفي الخدمة المدنية يمثل أولوية ملحة للمساعدة في تخفيف الأزمة الإنسانية في اليمن، فإن تضخم القطاع العام يمثل أزمة وشيكة يجب معالجتها إذا أراد اليمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي في المستقبل. كما سيتعين على اليمن بعد الصراع العمل على إعادة دمج عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تستخدمهم الأطراف المتحاربة، ولن يكون دمجهم كل هؤلاء قابلاً للتطبيق من الناحية المالية في الهيئات العسكرية والأمنية التابعة للدولة، ومع ذلك، يجب تقديم خيارات أخرى لهؤلاء المقاتلين من أجل ضمان عدم تحولهم إلى معرقلين لعملية السلام.

خلفية

إن تضخم القطاع العام في اليمن هو النتيجة التراكمية لعدة عقود من سوء إدارة سياسات التوظيف في القطاع العام فضلاً عن أشكال متعددة من الفساد الإداري. في عام 1990، أدى توحيد شمال اليمن وجنوبه إلى دمج قطاعين حكوميين كانا متضخمين بسبب سياسات التوظيف الحكومية التي لم تأخذ في الاعتبار الاحتياجات الفعلية للمؤسسات العامة، فقد استخدم الرئيس السابق علي عبد الله صالح ونظامه التوظيف في القطاع العام كأسلوب مباشر للمحسوبية طوال 33 عاماً،، لا سيما داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، كما استمر في استخدام الوظيفة العامة كأداة سياسية في نهاية فترة رئاسته، حيث أصدر صالح عام 2011 قراراً بتوظيف 60 ألف خريج جامعي وحاصل على شهادة ما بعد الثانوية، ضمن محاولة لوقف موجة المعارضة المتزايدة.[5]

تضمنت القوى العاملة في القطاع العام في اليمن منذ فترة طويلة عدداً كبيراً من “الأسماء الوهمية” (أسماء أفراد إما لا يعملون أو أنهم غير موجودين أصلا، لكنهم مسجلين في كشوف الراتب) و”مزدوجي التوظيف” الذين يحصلون على رواتب متعددة من مصادر مختلفة من القطاع العام. في عهد صالح، حصل القادة العسكريون والأمنيون على الامتيازات المالية والعينية وفقاً لعدد الجنود أو العناصر الموجودين تحت قيادتهم، ما دفعهم إلى تضخيم أعداد الجنود الذين يترأسونهم.[6] للحصول بموجب ذلك على رواتب ومعدات إضافية يمكن بيعها في السوق السوداء أو استخدامها لمصلحة هؤلاء القادة بشكل عام، وبعد تنحي صالح عن رئاسة البلاد في فبراير/شباط 2012، كانت مختلف الجهات السياسية الفاعلة داخل الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي تعمل على تعزيز قواعد الدعم الخاصة بها أثناء مناورتها على المناصب، وكانت إحدى الطرق لتحقيق ذلك توظيف الموالين لهم في القطاع العام.[7]

بعد أن استولى الحوثيون (أنصار الله)، بدعم من القوات الموالية لصالح، على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 ووضعهم الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية، ثم فراره إلى عدن وإجباره مرة أخرى على مغادرتها ــ إلى السعودية عبر سلطنة عمان ــ بالهجوم العسكري عليها في مارس/آذار 2015، اتبعت سلطات الحوثي استراتيجية موجهة لتوظيف القطاع العام.[8] وقد شمل ذلك استبدال موظفي القطاع العام القدامى في الوزارات التي تتخذ من صنعاء مقراً لها (خاصة الدفاع والداخلية) ومؤسسات الدولة الأخرى بأنصار الحوثيين المختارين بعناية. كما قامت سلطات الحوثيين بتعيين مسؤولين مدنيين وعسكريين وأمنيين من أتباعها لم يكونوا ضمن كشوفات الرواتب الرسمية بل أتوا من خارج القطاع العام.



إعادة دمج المقاتلين بعد الصراع

كما هو الحال مع عدد من الجماعات المسلحة الناشطة في النزاع، هناك مقاتلون ينتمون إلى الحوثيين يتلقون رواتب غير مسجلة ضمن النفقات العامة. إضافة إلى ذلك، تمت ترقية عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين التابعين للجماعة في القطاع العسكري والأمني بشكل سريع، وبينما لا تنطبق عليهم شروط التعيين أو الترقيات، إلا أنهم أصبحوا جزءا من موظفي القطاع العام. في الوقت نفسه، تم دمج عشرات الآلاف من المقاتلين في الجهاز العسكري والأمني ​​للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتلقى الأفراد العسكريون رواتبهم الشهرية بشكل أكثر انتظاماً من موظفي القطاع العام المدنيين. بسبب إجراءات دفع رواتب مشكوك فيها والافتقار إلى الشفافية، يُعتقد على نطاق واسع أن القادة العسكريين يواصلون تضخيم عدد الرجال الخاضعين لقيادتهم من أجل تلقي مدفوعات رواتب هؤلاء “الجنود الوهميين”.[9] أحد العوامل الرئيسية المساهمة في تضخم وفساد القطاع العسكري لدى الحكومة اليمنية هو وجود اثنين من الرعاة الأثرياء، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. بينما تمول الرياض القوات العاملة تحت قيادة الحكومة اليمنية، تدفع أبو ظبي رواتب قوات الأمن المحلية التي ساعدت في تأسيسها والتي تعمل في عدن وأبين وشبوة وحضرموت. من المعروف أن أفراد قوات الحزام الأمني ​​المدعومة من الإمارات العربية المتحدة في عدن يتلقون راتبيْن، أحدهما من الإمارات والآخر من الحكومة اليمنية.[10]

في حالة التوصل إلى اتفاق سلام، يجب إعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية، حيث أنهم إذا تركوا مسلحين وبدون مرتبات، قد يصبحون مفسدين لعملية السلام. لن يكون من الممكن مالياً استمرار استيعاب جميع المقاتلين في القوات المسلحة وقوات الأمن الحكومية بعد انتهاء الصراع، وبالتالي، يجب توفير الدعم والحوافز الكافية عبر برنامج وطني لإعادة التأهيل وإعادة دمج المقاتلين ضمن قوى العمل المدنية. يحرك المقاتلين دوافع متعددة، بما في ذلك البطالة، والشعور بالضيق واليأس الاقتصادي، بالإضافة إلى المعتقدات الإيديولوجية، وعلى أنه لا ينبغي دمج المقاتلين بشكل جماعي في القطاع العام، يعتبر إدخالهم في القوى العاملة المدنية أمراً بالغ الأهمية لاستقرار اليمن والمنطقة ككل على المدى البعيد.

التقييمات الحالية لنفقات رواتب الموظفين الحكوميين في اليمن

تمثل رواتب القطاع العام 39.33% من النفقات المقدمة في الباب الأول من موازنة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لعام 2019، ولا يشمل ذلك نفقات الحكومة على الهيئات والصناديق الأخرى التي هي من خارج الباب الأول.[11]

الشكل (1): الإنفاق الحكومي على أجور القطاع العام من الباب الأول (ملايين الريالات اليمنية) *

التكلفة الإجمالية المدنيين الجيش والأمن الوحدة
977,085 546,873 430,212 ميزانية 2014
829,245** 271,064 558,181 نفقات 2018
1,223,525 694,896 528,629 ميزانية 2019

المصدر: وزارة المالية، الحكومة اليمنية

* تم تقريب جميع الأرقام إلى أقرب مليون.

** هذا الرقم أقل من المسجل للعام 2014 لأن الحكومة اليمنية دفعت فقط رواتب 51% من موظفي الخدمة المدنية خلال عام 2018.

لا تشمل النفقات المتوقعة للعام 2019 من هم في الوحدات العسكرية والأمنية في المناطق التي تسيطر عليها سلطات الحوثيين او التعيينات التي قامت بها أثناء النزاع. لقد عينت سلطات الحوثيين موظفين في وزارات صنعاء والمؤسسات التي يسيطرون عليها، بما في ذلك شركة النفط اليمنية (YPC) وشركة موانئ البحر الأحمر، كما أنشأ الحوثيون هيئات جديدة، مثل الهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية ومواجهة الكوارث التي تشرف على التنسيق بين مختلف المنظمات الإنسانية وبرامج المساعدات. يعمل عدد من الأفراد المعينين من قبل الحوثيين في مناصب غير رسمية أو في مؤسسات شبه حكومية، مثل تلك التي تعمل تحت مظلة اللجنة الثورية العليا والمشرفين المعينين من قبل الحوثيين (معروفون محلياً أيضاً باسم “المشرفين”). على الرغم من عدم توفر إحصاءات دقيقة حول العدد الحالي لموظفي القطاع العام في اليمن، فمن الواضح أن حجم كشوف المرتبات قد زاد منذ عام 2014، عندما وصل إلى 1,25 مليون شخص.

عدم فاعلية الجهود السابقة لإصلاح القطاع العام

لم تحقق الجهود السابقة النتائج المرجوة في تنفيذ الإصلاحات ومعالجة الفساد الذي أدى إلى تضخم حجم رواتب القطاع العام في اليمن. في السنوات الأولى من الجمهورية الجديدة، استخدمت الحكومة اليمنية تخفيضات الرواتب في محاولة لخفض حجم الأجور، الذي زاد مع دمج قطاعين عامين بعد توحيد الشطرين عام 1990. بحلول عام 1996، كان متوسط ​​الأجور الحقيقية لموظفي القطاع العام قد خفض بنسبة 15% من مستويات عام 1990، وحصّل كبار المديرين 11% فقط من رواتب أقرانهم من القطاع الخاص.[12] هذه الأجور المنخفضة شجعت الغياب والإنتاجية المنخفضة، وكذلك الممارسات مثل الازدواج الوظيفي والعمالة الوهمية والفساد.

في عام 1998، اعتمدت الحكومة اليمنية “الإطار الاستراتيجي لتحديث الخدمة المدنية” لإعادة هيكلة القطاع العام وإنشاء نظام يتسم بالشفافية لإدارة شؤون الموظفين وتقليل عدد العمال الزائدين عن الحاجة، بالإضافة لأهداف أخرى. دعم البنك الدولي أجندة الإصلاح الحكومية بمجموعة من آليات التمويل، بما في ذلك مشروع رائد بقيمة 30 مليون دولار أمريكي تمت الموافقة عليه في أبريل/نيسان 2000 لوضع أنظمة جديدة لإدارة شؤون الموظفين والمالية، وإلغاء عمل 34 ألف موظف كعمالة فائضة، وإزالة جميع العاملين ذوي الازدواج الوظيفي والعمالة الوهمية من القطاع العام ضمن أهداف أخرى.

بعد عقد من الزمان، حدد مشروع تحديث الخدمة المدنية 17753 موظفاً زائداً عن الحاجة، معظمهم في إطار مشاريع وأعمال حكومية وهمية او معطلة. بالإضافة إلى ذلك، تمت إزالة 3792 حالة ازدواج وظيفي من كشوف المرتبات، منهم 3767 صرحوا عن أنفسهم طوعاً بينما تم تحديد 25 فقط من خلال قواعد البيانات التي طورها المشروع.[13] لم يتم التعرف على العمال الوهميين أي أن المشروع عمليا لم يحقق نتائجه بناء على الآليات المقترحة يومها، كما هدف المشروع إلى تنظيم الهياكل الإدارية في الوزارات، لكن لم يكن هنالك دليل على التنفيذ أو نتائج في هذا الصدد وفقاً لتقييم البنك الدولي. بشكل عام، فشل المشروع في تقليل عدد موظفي الخدمة المدنية أو حجم نفقات الرواتب والتي تضاعفت من 281 مليار ريال يمني في عام 2005 إلى 597 مليار ريال يمني في عام 2010.[14]

خلص التقييم الداخلي للبنك الدولي إلى أن المشروع كان مفرط الطموح في نطاقه وتطوره، كما قلل من تقديره للحساسية والطابع السياسي المتأصل للإصلاحات، فضلاً عن مصالح وارتباطات ومحسوبية القطاع العام في اليمن.[15] ومما أعاق محاولات الإصلاح تلك ضعف التنسيق بين الوزارات، وغياب التزام الحكومة بالإصلاح، وضعف التنسيق مع الجهة المانحة، ووجود وضع سياسي وأمني غير مستقر أثر على سلطة الحكومة وقدرتها على دفع الإصلاحات في بعض المناطق، نتيجة استمرار الفساد والمحسوبية، وضغوط من الدوائر الانتخابية الإقليمية والقبلية التي تعتمد على توظيف القطاع العام في ظل غياب المؤهلات التي تساعدهم على الانخراط في سوق العمل لدى القطاع الخاص، وأيضا لمقاومة إنشاء قاعدة بيانات مركزية للخدمة المدنية وأنظمة الإدارة في بعض المحافظات اللامركزية.

القانون رقم 43 لعام 2005 قدم مطلباً لإنشاء نظام بصمة إلكترونية لتحديد هوية موظفي الخدمة المدنية وتأسيس قاعدة بيانات مركزية للعاملين في وزارة الخدمة المدنية لمنع حدوث ازدواج وظيفي، ومع ذلك، تمت إعاقة هذه العملية بسبب قيود تتعلق بالأجهزة والبرمجيات، وفي وقت لاحق، نتيجة الأضرار التي لحقت البنية التحتية الإلكترونية خلال انتفاضة عام 2011.[16] كان لدى أجهزة الكمبيوتر والبرامج الخاصة بقاعدة البيانات القدرة على تسجيل 500 ألف موظف حكومي فقط، ولم تكن هناك ميزانية كافية مخصصة لتطوير نظام تحديد الهوية.[17] ونظراً لأن النظام الآلي لم يكن مرتبطاً ببرامج الدوام والحضور، فلا يمكن استخدامه لتحديد العمال الوهميين. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم دمجه مع قواعد بيانات الرواتب.[18] في عام 2013، أعلنت الحكومة اليمنية أنها ستنفذ برنامجاً جديداً لإزالة العمال الوهميين وحالات الازدواج الوظيفي من القطاعين المدني والعسكري، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.[19] تضمنت الخطط استعادة قواعد البيانات، وكذلك رفع سعة التخزين لقاعدة البيانات بحيث يمكن تسجيل جميع موظفي الحكومة. حتى الآن، تبقى معلومات الإحصاء البشري الإلكتروني التي تم جمعها كبيانات أولية، وقواعد البيانات التي تم إنشاؤها لديها فقط القدرة على تحديد الأسماء المكررة.

توصيات

إن معالجة القطاع العام المتضخم هي مشروع مهم وصعب يتطلب إرادة سياسية مستدامة وتأييداً عاماً وقدرة وموارد مؤسساتية كافية، حتى في بلد مستقر. بالنسبة لبلد في حالة حرب، قد تواجه الإصلاحات تحديات لا يمكن التغلب عليها، وبالتالي تركز التوصيات التالية على سيناريو ما بعد الصراع. راعت هذه التوصيات الدروس المستفادة، وتدعو إلى اتباع نهج تدريجي مرحلي لكل خطوة.

أولويات المدى القريب في سيناريو ما بعد الصراع

  • تقييم حجم القطاع العام:
    • ينبغي إنشاء لجنة خدمة مدنية مستقلة، على النحو الموصى به في مؤتمر الحوار الوطني، لإدارة الخدمة المدنية. يجب أن يكون من بين مهامها الأولى البدء في تقييم عدد الأشخاص في كشوف الرواتب الخاصة بالخدمة المدنية، وأن تكون هذه الهيئة مسؤولة أيضاً عن وضع ممارسات توظيف عادلة في الخدمة المدنية، وتحديد ظروف العمل، وتطوير التوصيفات الوظيفية لجميع مناصب الخدمة المدنية.
    • ينبغي أيضاً أن يبدأ التقييم بعدد الأشخاص المدرجين في كشوف المرتبات الخاصة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، والتي شهدت أكبر نمو منذ بداية النزاع. يمكن القيام بذلك من قبل لجنة مستقلة، ويتطلب في البداية من وزارتي الدفاع والداخلية والمؤسسات العامة العسكرية الكشف عن سجلات جميع الموظفين.
    • يجب أن تعكس تقييمات حجم القطاع العام كل من تمت إضافته إلى كشوف نفقات الرواتب من قبل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وسلطات الحوثيين خلال الصراع كل في مناطق سيطرته، وكذلك حركة تبديل الموظفين منذ عام 2014.
  • الحد من الفساد الإداري: يجب على القادة السياسيين والمؤسسات الحكومية بذل الجهود لتقليل نفقات رواتب القطاع العام من خلال اتخاذ خطوات لإزالة حالات الازدواج الوظيفي والعمالة الوهمية من جدول الرواتب.
    • يجب تخصيص الاستثمارات لإنشاء البنية التحتية والقدرات التقنية اللازمة لتشغيل نظام تحديد الهوية الإلكترونية بالكامل، ولإجراء تسجيل البصمات لجميع موظفي القطاع العام، وربط هذه المعلومات الالكترونية بقاعدة بيانات الأرقام الشخصية الوطنية. هذا سيمكن الحكومة من تحديد وإزالة مزدوجي التوظيف، ومن خلال ربط قاعدة البيانات هذه بسجلات المؤسسات الحكومية وبرمجيات الدوام والحضور، يمكن للحكومة أيضاً تحديد العمال الوهميين وإزالتهم، ولنجاح كل هذا، يجب وضع لوائح لمنع و/أو معاقبة إساءة استخدام أو التلاعب بالبيانات.
    • يجب زيادة عدد الموظفين الذين يتم دفع رواتبهم عن طريق الحسابات المصرفية، مما يقلل من القدرة على الاحتيال.
  • تسريح المقاتلين السابقين وإعادة دمجهم: ينبغي على القادة السياسيين والمؤسسات الحكومية وضع استراتيجية لإعادة دمج المقاتلين في القطاع المدني بعد انتهاء الصراع كجزء من الاتفاق السياسي لإنهاء النزاع. يمكن أن تستند هذه الاستراتيجية إلى إعادة دمج المقاتلين في سياقات أخرى بعد انتهاء الصراع.
    • يجب إنشاء لجنة وطنية لإعادة تأهيل ودمج المقاتلين، بوجود ممثلين عن وزارات الخدمة المدنية والمالية والدفاع والداخلية والتعليم الفني والتدريب المهني لتنفيذ برنامج للتسريح وإعادة الدمج. يجب تكليف اللجنة بتسجيل المقاتلين، وإدارة دعم الفترة الانتقالية للمقاتلين المسرحين، وجمع الأسلحة منهم.
    • ينبغي تجنب محاولات إعادة دمج المقاتلين السابقين عبر توسيع القطاع العام. قد تتضمن خيارات دمج المقاتلين السابقين في قوة العمل تشغيلهم في جهود إعادة الإعمار والتأهيل بعد انتهاء الصراع، وتدريبهم مهنياً بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.

أولويات متوسطة إلى طويلة الأجل

  • بدء إصلاحات تدريجية ومتسلسلة لتحقيق استدامة وكفاءة مالية للقطاع عام.
    • يجب على حكومة ما بعد الصراع تحديد الخدمات العامة الأساسية بهدف التدقيق، ما يؤدي إلى تحديد مستويات التوظيف المناسبة وزيادة كفاءة تقديم الخدمات، وتقليص أعداد المسجلين في كشوف المرتبات تدريجياً عن طريق عدم توظيف بدائل عن المتقاعدين، وتطوير إجراءات توظيف شفافة، وبناء مدونات سلوك، كخطوات أولية نحو إنشاء عملية اختيار قائمة على الجدارة.
    • يجب الحد من الفساد من خلال: صياغة تشريعات تفرض عقوبات قانونية على ممارسات التوظيف غير القانونية ووضع آليات وإجراءات لتنفيذ هذه العقوبات، وتشكيل هيئة إشراف مستقلة لمراقبة ممارسات التوظيف وتعزيز المساءلة، ومراجعة سياسات المكافآت لضمان تعويض الموظفين الحكوميين بشكل عادل، ما يقلل من دوافع الموظفين لارتكاب عمليات احتيال كالازدواج الوظيفي، ويؤدي إلى تحفيز المرشحين المؤهلين للانضمام إلى القطاع العام.
    • يجب على حكومة ما بعد الصراع أيضاً وضع رقم وطني خاص لجميع المواطنين منذ الولادة، يتم تخصيصه إلكترونياً بواسطة السجل المدني واستخدامه في جميع المعاملات مع المؤسسات الحكومية، بما في ذلك توظيف القطاع العام. بالإضافة إلى تمهيد الطريق للحكومة الإلكترونية، فإن ذلك سيساهم في تقليل القدرة على الازدواج الوظيفي والعمل الوهمي.
  • تمكين القطاع الخاص لخلق بدائل أكبر عن التوظيف في القطاع العام.
  • زيادة وعي المواطن.
    • يجب على السلطات الحكومية والإعلام والمجتمع المدني التنسيق لتطوير حملات الاتصال لرفع الوعي العام بأن القطاع العام المتضخم يحول الأموال العامة عن التنمية اللازمة ويشكل مصدراً للفساد. يمكن أن تكون هذه خطوة أولى نحو بناء تأييد شعبي للإصلاحات.

الهوامش:

[1] عام 2014، كلفت رواتب القطاع العام الحكومة 1,14 تريليون ريال يمني، والتي كانت في ذلك الوقت تعادل 5,3 مليار دولار. راجع: منصور البشيري، “الإجراءات الاقتصادية لبناء الثقة – رواتب موظفي الخدمة المدنية”، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 18 مارس/آذار 2019، https://devchampions.org/ar/publications/policy-brief/civil-servant-salaries. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[2] قدر البنك الدولي في أبريل/نيسان 2019 أن إجمالي الناتج المحلي لليمن قد تقلص بنسبة 39% متراكمة منذ نهاية عام 2014. انظر: “اليمن: الآفاق الاقتصادية – أبريل 2019″، البنك الدولي، أبريل/نيسان 2019، http://pubdocs.worldbank.org/en/487261554133954384/yemen-MEU-April-2019-ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[3] “جوع، دبلوماسية، وأصدقاء لدودون: تقرير اليمن السنوي 2018″، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 22 يناير 2019، http://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/6976. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[4] “الإجراءات الاقتصادية لبناء الثقة – رواتب موظفي الخدمة المدنية”، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 18 مارس/آذار 2019، https://devchampions.org/ar/publications/policy-brief/civil-servant-salaries. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[5] فارع المسلمي ومنصور راجح، “انهيار الاقتصاد والمجاعة الوشيكة في اليمن: خطوات جادة وعاجلة يجب اتخاذها لمواجهة الأسوأ”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أكتوبر/تشرين الأول 2015، http://sanaacenter.org/wp-content/uploads/2015/11/files_yemens_economic_collapse_and_impending_famine_ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[6] “بعيداً عن استمرار نهج العمل كالمعتاد: مكافحة الفساد في اليمن”، إعادة تصور الاقتصاد اليمني، نوفمبر/تشرين الثاني 2018،http://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No4_Ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[7] Peter Salisbury, “Corruption in Yemen: Maintaining the Status Quo?” in Rebuilding Yemen: Political, Economic, and Social Challengers, ed. Noel Brehony and Saud al-Sarhan (Berlin: Gerlach Press, 2015)

[8] “بعيداً عن استمرار نهج العمل كالمعتاد: مكافحة الفساد في اليمن”، إعادة تصور الاقتصاد اليمني، نوفمبر/تشرين الثاني 2018،http://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No4_Ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[9] المرجع نفسه.

[10] على الرغم من أن أفراد قوات الحزام الأمني ​​المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة في عدن يعملون تحت السيطرة المباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أنهم مسجلون رسمياً لدى وزارة الداخلية في حكومة اليمن، وبالتالي يحصلون على راتب شهري من كل من الإمارات والحكومة.

[11] الفصل 1، ميزانية الحكومة اليمنية لعام 2019.

[12] “Implementation completion and results report on a credit in the amount of SDR 22.4 million to the Republic of Yemen for a civil service modernisation project,” The World Bank, December 2010, http://documents.worldbank.org/curated/en/206391468340752501/text/ICR16880P050701OFFICIAL0USE0ONLY191.txt. Accessed August 19, 2019.

[13] المرجع نفسه.

[14] المرجع نفسه.

[15] المرجع نفسه.

[16] “خطة العمل لتنفيذ برنامج إزالة العمال الوهميين وحالات الازدواج الوظيفي في نظام الخدمة المدنية، بما في ذلك الأجهزة العسكرية والأمنية”، الحكومة اليمنية، https://www.undp.org/content/dam/yemen/DemDov/Docs/UNDP-YEM-biometric_ar_Final.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[17] المرجع نفسه.

[18] المرجع نفسه.

[19] المرجع نفسه.

تضخم يفوق القدرات المالية: الحاجة إلى إصلاح نفقات رواتب القطاع العام
سبتمبر 23, 2019

مشاركة:

أقرأ ايضا

الملخص التنفيذي

تناول هذه الورقة مسألة الحوكمة بوصفها العامل الحاسم في نجاح أو تعثر الإصلاحات الحكومية وخطط الحكومة الحالية في اليمن. وتطلق من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة التي تواجهها الدولة اليمنية في مجال الإصلاح ليست ناتجة عن نقص في الخطط أو غياب الرؤى، بل عن ضعف بنيوي في منظومة الحوكمة التي تحكم تصميم السياسات وتنفيذها ومتابعتها ومساءلتها. وقد أظهرت التجربة اليمنية، قبل الحرب وخلالها، أن الإصلاحات التي لا تُسند بإطار حوكمة واضح تتحول إلى قرارات شكلية، تُنفَّذ انتقائياً، أو تُفرغ من مضمونها، أو تفشل في تحقيق أثر مستدام

تبيّن الورقة أن فجوة التنفيذ تمثل التحدي المركزي أمام الإصلاحات الحكومية، وهي فجوة ناتجة عن تدخل السلطات، وتعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق المؤسسي، وغيب المساءلة الفعالة، ونقص الشفافية والبيانات، فضلا عن الانفصال المزمن بين الإصلاحات المالية والإصلاحات المؤسسية. كما توضح أن الفساد في السياق اليمني لم يعد ظاهرة إدارية معزولة، بل أصبح جزءاً من اختلالات أعمق في الاقتصاد السياسي للدولة، ما يجعل معالجته ممكنة فقط عبر إصلاحات حوكمة شاملة، لا عبر أدوات رقابية تقليدية منفصلة

ومن خلال تحليل حالة تطبيقية لقرارات وإصلاحات واضحة الصياغة لكنها متعثرة التنفيذ، تخلص الورقة إلى أن وجود القرار السياسي لا يكفي لضمان التنفيذ في غياب منظومة حوكمة متكاملة. إذ إن ضعف السلطة التنفيذية الفعلية، وغيب سلسلة مساءلة واضحة، والمقاومة المؤسسية غير المعلنة، وعدم مواءمة الإصلاحات مع القدرات المؤسسية، كلها عوامل تؤدي إلى تعطيل الإصلاح أو تحييده عملياً

استناداً إلى هذا التشخيص، تقترح الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات في اليمن، يقوم على التعامل مع الإصلاح بوصفه عملية سياسية-مؤسسية مستمرة، لا تدخلاً فنياً أو مالياً معزولاً. ويتركز هذا الإطار على ضرورة وجود مرجعية وطنية موحدة لحوكمة الإصلاح، وآليات واضحة لتوزيع الأدوار عبر المؤسسات، وتوازن منظم بين المركزية والحوكمة المحلية، وإدماج الشفافية ونظم المعلومات في صلب عملية الإصلاح، واعتماد نهج تدريجي يبني الثقة ويقلل مقاومة التنفيذ

وفي ضوء هذا الإطار، تقدم الورقة حزمة توصيات عملية تهدف إلى تعزيز حوكمة الإصلاحات الحكومية، من خلال اعتماد إطار وطني موحد لحوكمة الأداء المؤسسي، وتعزيز الحوكمة المالية عبر انضباط الميزانية وضبط الإنفاق، وإنشاء منظومة بيانات رقمية موحدة، وتفعيل آليات مساءلة مركزية ومحلية قائمة على معايير أداء واضحة، وإتاحة أدوات استثنائية منظمة لإدارة الأزمات الاقتصادية، إلى جانب التأكيد على أهمية الإرادة السياسية الجادة في دعم الحوكمة ومكافحة الفساد. كما تؤكد الورقة أن نجاح هذه التوصيات يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الحكومة المركزية، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن إطار وطني واحد يقود عملية الإصلاح ولا يستبدل مؤسسات الدولة

وتخلص الورقة إلى أن الحوكمة ليست مسألة إجرائية أو شرطاً خارجياً، بل هي المدخل الأكثر واقعية لإعادة الاعتبار للخطط الحكومية وتحويلها إلى أدوات فاعلة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المؤسسي. ومن دون معالجة فجوات الحوكمة بصورة منهجية، ستظل الإصلاحات الحكومية عرضة للتعثر مهما بلغت جودتها الفنية أو حجم الدعم المخصص لها. أما الاستثمار الجاد في بناء منظومة حوكمة واضحة وقابلة للتنفيذ، فيمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، ووضع اليمن على مسار إصلاح أكثر استدامة.

رسالة إلى صناع القرار (Executive Note)

لماذا هذه الورقة الآن؟
تواجه الحكومة اليمنية اليوم تحدياً لا يتمثل في غياب الخطط أو ضعف الرؤى، بل في العجز المزمن عن تحويل القرارات والخطط المعتمدة إلى نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن استمرار هذا النمط يُضعف هيبة القرار السياسي، ويُحَوِّل الإصلاحات إلى التزامات نظرية منخفضة الكلفة للجهات غير الملتزمة

ما الذي تقوله هذه الورقة؟
تطلق هذه الورقة من فرضية واضحة مفادها أن أزمة الإصلاح في اليمن هي أزمة حوكمة تنفيذ، لا أزمة سياسات. فالإصلاحات الحكومية، مهما بلغت جودتها الفنية أو مستوياتها السياسية، لن تُنفَّذ تلقائياً في غياب إطار حوكمة يربط بين القرار، والجهة القائمة، والموارد، والمتابعة، والمساءلة

ما الذي يتطلبه القرار السياسي الآن؟
لا تتطلب معالجة هذا الخلل إطلاق خطط جديدة، بل اتخاذ قرارات محددة لإعادة تنظيم إدارة الإصلاحات نفسها، وضبط سلسلة التنفيذ والمساءلة، وحماية القرار السياسي من التعطيل المؤسسي غير المعلن

مخاطر عدم التحرك
إن استمرار الوضع القائم يعني بقاء فجوة التنفيذ، وتآكل الثقة الداخلية والدولية، وتحول الإصلاحات من أداة استقرار وتعافٍ إلى عبء سياسي وإداري متزايد. تقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لحوكمة الإصلاحات دون إنشاء هياكل موازية أو تعليق قواعد المساءلة، مما يحفظ دور مؤسسات الدولة ويعزز قدرتها على التنفيذ

أبريل 30, 2026

أحدثت الحرب تغييراً جذرياً في منظومة تمويل التجارة في اليمن، حيث تحولت من نظام موحد وموثوق تقوده البنوك إلى هياكل متصارعة ومتباينة تتسم بالتعقيد والتكلفة الباهظة. أدى توقف صادرات النفط والغاز — المصدر الرئيسي للإيرادات والنقد الأجنبي في البلاد — وانقسام المؤسسات الاقتصادية الحيوية بين مناطق السيطرة المختلفة إلى خلق مشهد معقد لتمويل التجارة؛ حيث نازع البنك المركزي بصنعاء (التابع للحوثيين)، البنك المركزي بعدن على صلاحياته، وتم إصدار سياسات متضاربة حولت تنظيم الاستيراد وتمويله إلى أداة في الصراع.

مع انهيار النظام المصرفي الرسمي وتفاقم أزمة السيولة، تآكلت الثقة في الخدمات المالية، مما مهد الطريق لهيمنة شبكات التحويلات الأقل تنظيماً على الدورة النقدية وتسهيل التجارة، كما أدت البيئة التنظيمية المجزأة إلى تعريض اليمن لمخاطر مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وواجهت المؤسسات المالية اليمنية صعوبات بالغة في الوصول إلى البنوك المراسلة الأجنبية، مما تسبب في ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم انعدام الأمن الغذائي

أدى تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الحوثيين كمنظمة إرهابية عالمية وما تلا ذلك من عقوبات على البنوك، إلى نقل البنوك اليمنية مراكز عملياتها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أنهى هيمنة الحوثيين على العمليات الرئيسية لها. تواجه هذه البنوك اليوم تحديات تشغيلية كبيرة، ناتجة عن المركزية التقليدية للنظام المالي والسوق التجارية والقاعدة العمالية الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

من جانبها، نفذت الحكومة المعترف بها دولياً، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني بعدن، إصلاحات ساهمت مؤخراً في استقرار الريال اليمني، بما في ذلك إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد. لكي تؤدي هذه اللجنة والبنك المركزي مهامهما بفعالية، يجب تمكينهما من كبح تدهور العملة، وضمان تدفقات النقد الأجنبي، واستخدام هذه الموارد في تمويل واردات السلع الأساسية. لتعزيز ذلك، يجب على الحكومة خلق بيئة أعمال تساعد البنوك على تقديم الخدمات المالية بكفاءة، وتسهيل التجارة، وإيجاد مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. يعد الدعم المالي من المملكة العربية السعودية والمانحين الآخرين أمراً حاسماً لرفد الاحتياطيات الخارجية للبنك المركزي والحفاظ على قيمة الريال.

إن التنسيق الوثيق مع المؤسسات المالية الدولية ضروري لتعزيز قدرة البنوك اليمنية على الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يجب على سلطات الحوثيين وقف الإجراءات العقابية ضد البنوك والتجار، والامتناع عن أي خطوات مستقبلية من شأنها تعميق الانقسام النقدي وتعقيد تمويل التجارة.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي للأمم المتحدة والمجتمع الدولي المساعدة في وضع ضمانات وقائية ضمن نظام العقوبات لحماية التدفقات الإنسانية وتحويلات المغتربين، ومع تحسن الظروف، يتعين على المجتمع الدولي دعم إنشاء آلية وطنية شاملة لتمويل التجارة تكون فعالة من الناحية الفنية ومحصنة ضد الصراع السياسي

فبراير 17, 2026

يتمتع قطاع التجارة الإلكترونية في اليمن بإمكانات كبيرة لدفع عجلة النمو الاقتصادي والشمول المالي، خصوصاً للمرأة والمجتمعات الريفية، لكن هذا القطاع يواجه تحديات كبيرة، منها: ضعف الاتصال بالإنترنت؛ ومحدودية أنظمة الدفع الرقمية؛ وغياب الأطر القانونية والتنظيمية. لا يزال البلد يعتمد اعتماداً كبيراً على النقد، كما أن الوصول إلى الخدمات المصرفية الرسمية لا يزال محدودا. يعاني الإشراف على القطاع من الانقسام، ما يعرض المستهلكين ومقدمي الخدمات للاحتيال، ويحد من تحقيق التنمية في القطاع. تعد البنية التحتية للإنترنت في اليمن من بين الأسوأ في العالم، حيث بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 17.7 في المائة فقط من السكان عام 2024، إلا أن دخول خدمة ستارلنك إلى اليمن مؤخراً يبعث الأمل في تحسين الاتصال بالإنترنت، كما أن الأضرار التي لحقت بشبكات النقل جراء الصراع تعيق خدمات التوصيل.

على الرغم من هذه العقبات، إلا أن بعض الشركات حققت نجاحًا خاصة في المناطق الحضرية، وذلك بالتكيف مع القيود اللوجستية. يمثل الشباب الذين يتزايد استخدامهم للهواتف الذكية في اليمن، والتقنيات الناشئة، ونماذج الأعمال الجديدة، فرصًا واعدة لنمو التجارة الإلكترونية الشاملة، شريطة أن يقوم صانعو السياسات بالاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وسن لوائح للحماية، وخلق بيئة داعمة للمشاريع على الإنترنت.

توصيات مختارة

  • على المنظمات الدولية التركيز على الاستثمار في خدمات الأقمار الصناعية مثل ستارلنك، ويجب على الحكومة تركيز جهودها على إنجاح نشرها.
  • على المؤسسات الإنمائية الدولية دعم إطار تنظيمي أكثر تماسكًا، يتمتع بقدرات كبيرة على الرقابة والإنفاذ.
  • على البنك المركزي بعدن، تعزيز حوكمته وسد الثغرات التنظيمية، مثل تنظيم التجارة الإلكترونية.
  • على الحكومة والمنظمات الدولية العمل على رفع مستوى المعرفة الرقمية ووعي المستهلكين، لا سيما أوساط الفئات الضعيفة والمحرومة.
  • على المانحين الدوليين والمنظمات غير الحكومية، دعم تدابير الأمن السيبراني لتحسين الثقة في الفضاءات الرقمية، وتعزيز نمو التجارة الإلكترونية.
  • على الجهات الحكومية أن تتعاون مع القطاع الخاص، لتحسين البنية التحتية، وتثقيف المستهلكين، وتحفيز المدفوعات الرقمية.
  • على وزارة المياه والبيئة أن تدرج حماية البيئة جزءًا من الإطار التنظيمي والاستثمارات في البنية التحتية.
سبتمبر 15, 2025

شهد القطاع الصناعي ﻓﻲ الیمن تطورًا تاریخیًا عبر مبادرات خاصة صغیرة النطاق، حیث إن 78 % من المؤسسات الصناعیة توظف أقل من أربعة عمال، وتترکز معظم هذه المؤسسات ﻓﻲ صناعات الأغذیة والمعادن والنسیج. وتعتمد الصناعة الیمنیة بدرجة کبیرة ﻋﻠﯽ المدخلات المستوردة، کما تعاني من ضعف ﻓﻲ البنیة التحتیة، مماجعلها عرضة للمخاطر حتی قبل اندلاع الحرب ﻓﻲ عام .2015

وبعد تصاعد الصراع، تعرض القطاع الصناعي لخسائر جسیمة تجاوزت 35 ملیار دولار، إضافة إلی انهیار الإنتاج ونزوح أکثر من نصف القوى العاملة. وﻋﻠﯽ الرغم من وجود أطر قانونیة تنظم القطاع، إلا أن ضعف تنفیذها یظل عائقًا رئیسیًا، إلی جانب استمرار الفجوة الکبیرة بین الجنسین، حیث تشکل النساء ما بین 1% و 6% فقط من القوى العاملة الصناعیة. کما أن التدهور البیئي، الناجم عن القوانین القدیمة وضعف القدرة ﻋﻠﯽ الامتثال، یزید من صعوبة التعاﻓﻲ.

ومع ذلك، أبدت بعض الصناعات المحلیة، وخاصة قطاع التصنیع الخفیف غیر الرسمي، قدرًا من المرونة ﻓﻲ مواجهة هذه التحدیات. واستنادًا إلی تجارب إقلیمیة ودولیة ناجحة، یقترح هذا الموجز السیاساتي مسارات عملیة للتجدید الصناعي ﻓﻲ الیمن، ترتکز ﻋﻠﯽ استثمار الموارد المحلیة، وتعزیز المشارکة المجتمعیة، وتبني أسالیب حوکمة تکیفیة.

التوصیات الرئیسیة:
  • الاستراتیجیة الوطنیة الصناعیة: وضع استراتیجیة صناعیة وطنیة بالشراکة مع القطاع الخاص، بما ﻓﻲ ذلك تحدید القطاعات الرئیسیة وإجراءات الدعم وآلیات التنسیق.
  • الإصلاح التنظیمي: تبسیط تسجیل الأعمال وتحدیث القوانین وإنشاء مجالس التحکیم الصناعي.
  • إدماج المرأة: توسیع نطاق التدریب، وتطویر المناطق الصدیقة للنساء، وإطلاق التمویل المستهدف لرائدات الأعمال.
  • الابتکار والبحث والتطویر: تمویل مختبرات البحوث الصناعیة وتعزیز شراکات الابتکار مع القطاع الخاص.
  • تطویر البنیة التحتیة: إعادة تأهیل المناطق الصناعیة بالطاقة الشمسیة ومراکز الخدمات اللوجستیة وتبسیط الوصول إلی الموانئ.
  • الحصول ﻋﻠﯽ التمویل: إنشاء صندوق تمویل صناعي وتوسیع نطاق الائتمان المیسر للشرکات الصغیرة والمتوسطة.
  • الاستدامة البیئیة: فرض ضوابط التلوث، وتحفیز اعتماد التکنولوجیا النظیفة، ودمج الضمانات ﻓﻲ التخطیط الصناعي.
سبتمبر 8, 2025

تُعد اليمن إحدى الدول المعرضة بشدة لتغير المناخ، إضافة إلى تأثرها جراء النزاع الجاري ومعاناتها من أزمات بيئية متفاقمة، كندرة المياه وتدهور الأراضي الصالحة للزراعة وتزايد تواتر الظواهر الجوية المتطرفة، تُعوق القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل الدولي المتعلق بالمناخ قدرة البلاد بشكل كبير على مواجهة آثار تغيّر المناخ. حيث تشمل العقبات التي تواجه اليمن: غياب معايير واضحة لتوزيع التمويل؛ والتعقيدات البيروقراطية التي تتجاوز القدرات المؤسسية المحلية؛ والتركيز على تدابير التخفيف بدلاً من تدابير التكيف؛ وتفضيل تقديم القروض على المنح. كما أن ضعف الحوكمة ونقص البيانات المناخية على مدى عقد من الزمن، يُفاقمانمن محدودية أهلية البلد للحصول على التمويل. تفتقر اليمن إلى مؤسسات وطنية معتمدة قادرة على الوصول مباشرة إلى التمويل المناخي، مما يجبرها على الاعتماد على المنظمات الدولية غير الحكومية، وهو الاعتماد الذي يؤدي إلى مزيد من البيروقراطية وارتفاع تكاليف المعاملات المرتبطة بالحصول على التمويل وإدارته.

يستند موجز السياسات هذا، إلى مراجعة مكتبية، ومخرجات ورشة عمل عُقدت في عمّان، الأردن، في نوفمبر 2024، لمدة يومين، ويبحث في العوائق التي تحول دون حصول اليمن على التمويل المناخي، كما يستكشف الفرص المتاحة لتحسين وصولها إلى هذا التمويل، كما يسلط الضوء على التفاوت في تخصيص التمويل، حيث تحصل الدول الهشة و المعرضة لتأثيرات تغير المناخ، على حصص منخفضة بشكل غير متناسب من التمويل المناخي. على سبيل المثال، تلقت اليمن 0.60 دولار أمريكي فقط للفرد، من التمويل المخصص للتكيف مع المناخ، بين عامي 2015 و2021، مقارنة بأكثر من 100 دولار أمريكي للفرد في البلدان المستقرة خلال نفس الفترة.

يستخلص الموجز دروسًا من بلدان أخرى، ومنها رواندا والصومال وبنغلاديش، التي حسنت من وصولها إلى التمويل من خلال الاستفادة من الصناديق الوطنية للمناخ، والمشاركة في المناصرة الدبلوماسية، وتنفيذ مبادرات البيانات المجتمعية. تشدد التوصيات على اتخاذ الحكومة اليمنية لإجراءات عاجلة، منها إنشاء فريق عمل متعدد الأطراف معني بالمناخ وصندوق للمناخ، ووضع اللمسات الأخيرة على المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)، وتعزيز التعاون الإقليمي. بالنسبة للجهات الفاعلة الدولية، من الأهمية بمكان إجراء إصلاحات على شروط ومتطلبات التمويل، مثل تبسيط إجراءات الاعتماد، وإعطاء الأولوية للمنح، ودعم الدبلوماسية المناخية.

أغسطس 11, 2025

تتناول ورقة السياسات هذه دور المؤسسات القائمة على الابتكار— وهي مشاريع عالية مبنية على نماذج قابلة للتوسع وتستند إلى التكنولوجيا — في تعزيز الصمود الاقتصادي في اليمن. وعلى الرغم من أن هذا النوع من المؤسسات لا يشكّل بعدُ مكوّناً رئيسياً في الاقتصاد الوطني، إلا أن ظهورها في سياقات هشة أخرى مثل الصومال، غزة، رواندا، والعراق يشير إلى إمكانية أن تسهم بشكل فعّال في جهود التعافي الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. ولذلك، ينبغي على أصحاب المصلحة دراسة الشروط المطلوبة لنمو هذه المؤسسات في اليمن، والنظر في الإصلاحات السياسية التدريجية التي يمكن أن تضع الأساس لتنمية يقودها الابتكار.

استناداً إلى ١٩ مقابلة مع الأطراف المعنية، إضافة إلى دراسات مقارنة من سياقات دولية مشابهة، تسلّط هذه الورقة الضوء على أبرز العوائق التي تحدّ من بروز المؤسسات القائمة على الابتكار في اليمن، بما في ذلك الغموض القانوني، وغياب التمويل في المراحل المبكرة، وضعف البنية التحتية، والقيود المرتبطة بدعم وتمويل المشاريع النسائية. كما تحدد الورقة مجموعة من التدخلات العملية والممكنة التي يمكن أن تدعم نشوء هذه المؤسسات حتى في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة، بما في ذلك إصلاحات تنظيمية، أدوات تمويل مدعومة من المانحين، منصات تفعيل دور المغتربين، ومبادرات شاملة لدعم ريادة الأعمال.

ورغم أن مسار التعافي في اليمن لا يزال غير واضح المعالم، فإن تهيئة بيئة تمكينية لرواد الأعمال القائمين على الابتكار تمثل فرصة عملية لدعم خلق فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، وتعزيز الصمود الاقتصادي — لا سيما في المناطق الأكثر استقراراً. ولا تتطلب الأدوات المقترحة في هذه الورقة إصلاحات جذرية، بل يمكن تطبيقها تدريجياً، وتكييفها حسب السياق المحلي، وتنسيقها بين الجهات الحكومية والمانحين. ان تفعيل هذه الامكانيات سيعتمد على قدرة اليمن على الاستغلال الأمثل لطاقات رواد الأعمال، والاستفادة من خبرات المغتربين، وخلق مسارات فعّالة للابتكار حتى في أوقات الأزمات.

يوليو 28, 2025

عن ماذا تبحث