مشاركة القطاع الخاص في مرحلة ما بعد النزاع في اليمن

أمضى اليمن معظم سنواته الستين الماضية غارقاً في نزاعات مسلحة وأزمات سياسية، حيث كانت الاضطرابات والقلاقل الأمنية من أبرز العوامل التي أعاقت نضج القطاع الخاص وقيام دولة قوية ذات مؤسسات عامة ناجعة. يتألف القطاع الخاص اليمني بغالبيته العظمى من شركات صغيرة أو صغيرة جداً، علماً أنها توفّر لما يقرب من 70% من اليمنيين العاملين مصادر أرزاقهم. بالمقابل توفر الزراعة الريفية تقليدياً مصدر عمل لأكثر من نصف سكان البلاد.

منذ اكتشاف حقول نفطية قابلة للبقاء تجارياً منتصف ثمانينات القرن الماضي، ومن ثم زيادة الإنتاج النفطي في اليمن خلال التسعينات، تأثر إجمالي الناتج المحلي السنوي للبلاد تأثراً كبيراً بمستويات إنتاج النفط وتقلب أسواق الطاقة العالمية. تخلق صادرات النفط حالة “المرض الهولندي” في اليمن، حيث تضخم قيمة العملة الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط من قيمة العملة المحلية، مما يعوق تطوير القطاع الخاص لحالة نمو موجه نحو التصدير. كما أن ارتفاع قيمة الريال اليمني جعل الاستيراد أرخص نسبياً، مما أعاق تطور الصناعة المحلية. تترك هذه العوامل مجتمعة اليمن معتمداً على الاستيراد بالنسبة لمعظم السلع.

ثمة العديد من التحديات الأخرى لتطوير القطاع الخاص، بما في ذلك العوائق البيروقراطية وضعف البنية التحتية وقلة مهارة القوى العاملة إلى حد كبير، بالإضافة إلى تردي المناخ الاستثماري والافتقار إلى التمويل، واعتماد الاقتصاد المفرط على النفط، وانتشار الفساد، وضعف الدولة، والنخبة الباحثة عن الريع وذات المصلحة الراسخة في خنق الإصلاحات.

وقد شهدت السنوات الـ25 الماضية بعض التقدم: فقد تمت إزالة بعض حواجز الاستيراد وجرى تبسيط الرسوم الجمركية؛ وأدت الإصلاحات في تسجيل الأعمال التجارية والقضاء على متطلبات الحد الأدنى لرأس المال إلى خفض الوقت والتكلفة اللازمة لبدء نشاط تجاري؛ وجرى تخفيض ضرائب الشركات بشكل كبير ومتناسق؛ كما حدث انخفاض ملحوظ في المنازعات المتعلقة بالعقارات؛ وافتُتحت سوق للخدمات البنكية الإسلامية؛ وأنشأت الحكومة سجلاً ائتمانياً وقدمت قانوناً بنكياً للتمويل الأصغر.

ومع ذلك، فإن آثار النزاع الجاري، والذي بدأ في عام 2014 واحتد بشكل كبير في عام 2015، كانت مدمرة. وقد تقلص الناتج الاقتصادي بنسبة تراكمية بلغت 40.5% منذ عام 2015. وأدى تعليق صادرات النفط إلى إضعاف الإيرادات العامة وقطع إمدادات البلاد الأساسية من العملات الأجنبية. بدوره أدى استنزاف الاحتياطيات وأزمة السيولة النقدية المحلية إلى قيام البنك المركزي اليمني بوقف معظم مرتبات القطاع العام في أغسطس / آب 2016 وإنهاء تمويل الواردات. إلى جانب نقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في سبتمبر / أيلول 2016، أعاقت هذه الأزمة قدرة البنك المركزي اليمني على حماية قيمة الريال اليمني. وبذلك انخفضت قيمة الريال من 215 ريالا مقابل الدولار الواحد في بداية النزاع إلى 490 ريالا مقابل الدولار عند كتابة هذه السطور.

مع انخفاض قيمة العملة، ارتفعت أسعار الواردات وانخفضت القوة الشرائية للفرد. كما تأثر سعر الواردات بشدة بسبب الحصار البحري الذي فرضته قوات التحالف الذي تقوده السعودية – وحالياً العملية العسكرية المزمع القيام بها لاستعادة السيطرة – على الموانئ الغربية للبلاد (ولا سيما الحديدة والصليف) مما أدى لانخفاض كبير في النقل التجاري والإنساني عبر هذه الموانئ، وزيادة وقت وتكلفة نقل الواردات التي تمر عبرها. كل هذه العوامل سهّلت الوضع الحالي اليوم، حيث يعيش 8.4 مليون يمني على حافة المجاعة و22 مليون بحاجة ماسة إلى الدعم الإنساني، فيما وصفته الأمم المتحدة بأكبر كارثة إنسانية في العالم.

كان من أسباب تزايد التكاليف على الشركات انعدام الأمن وندرة مدخلات الأعمال، في حين تسببت خسارة قاعدة العملاء والطلب وانخفاض القوة الشرائية العامة بخسائر في الإيرادات المالية. كما أن التأذي المادي الذي لحق بالبنية التحتية العامة والخاصة أضر بشدة بقدرة الشركات على العمل. اعتباراً من عام 2017، أدت هذه الخسائر المرتبطة بالنزاع إلى قيام شركات القطاع الخاص ​​بخفض ساعات العمل إلى النصف وسطياً، في حين بلغت نسبة تسريح العمال 55% من إجمالي القوة العاملة، بينما أكثر من ربع شركات القطاع الخاص العاملة في الصناعة والتجارة والخدمات توقفت عن العمل. كما أن نقص العملات الأجنبية وأزمة السيولة بالعملة المحلية وضعت المستوردين أمام تحديات وتكاليف متزايدة. ولكن حتى في مواجهة هذه التحديات، لا يزال القطاع الخاص اليمني أحد العوامل الرئيسية التي تمنع تدهور الحالة الإنسانية الملحة في اليمن إلى وضع أسوأ بكثير، وذلك بسبب دوره في تسهيل استيراد الغالبية العظمى من الغذاء والوقود في البلاد.

في دراسات سابقة حول تأثير النزاع على القطاع الخاص في الدولة، تبين أن الحرب تميل إلى خلق فراغ في السلطة يتيح المجال للتجارة غير الشرعية وصعود “اقتصاد الحرب”، حيث يتلقى العاملون في السوق السوداء والرمادية مبالغ كبيرة من السيولة، ويخرجون بذلك من قطاعات الاقتصاد الرسمي. وحتى بعد تحقيق السلام، ستبقى الشكوك بشأن متانة هذا السلام تثني المستثمرين عن المغامرة في البلاد، كما جرى تقليدياً، ولا سيما فيما يتعلق بالاستثمارات في الأصول الثابتة وغير السائلة. لكن بدون تطوير القطاع الخاص سيبقى من المستبعد للغاية حدوث إعادة إعمار أو تحقيق أي استقرار اجتماعي واقتصادي واجتماعي بعد انتهاء النزاع.

لا يمكن أن يُتوقع من القطاع الخاص الأولي أن يعيد بحد ذاته تطوير النمو الاقتصادي ودفعه مباشرة بعد حل النزاع. وهكذا، تقدم هذه الورقة التوصيات التالية إلى الحكومة اليمنية وأصحاب المصلحة الدوليين بشأن التدخلات الاقتصادية اللازمة لتحفيز تطوير القطاع الخاص بعد النزاع في اليمن.

أبرز التوصيات

·        يجب أن تكون التدخلات حساسة للنزاعات. لقد أدى النزاع المتعدد الأوجه والمتواصل في اليمن إلى إضعاف الدولة الرسمية ونشاط القطاع الخاص الرسمي، مما سمح بظهور لاعبين جدد في اقتصاد الحرب. لذا يجب التحقق من التدخلات المبكرة لضمان عدم تمكينها الجهات المنخرطة في النزاع والمفسدين المحتملين للسلام من الحد من تطوير القطاع الخاص الرسمي وتهديد الاستقرار الاقتصادي الاجتماعي الشامل. ينبغي على الأطراف الفاعلة الدولية التي تتدخل على أرض الواقع إنشاء آلية شاملة تشارك فيها الجهات الفاعلة التجارية المحلية بشكل هادف من أجل توفير دعم قوي في تعزيز بناء السلام وتمكين البيئات التجارية الملائمة.

·        بناء قدرات الأعمال المحلية لتنفيذ البرامج وخلق فرص العمل. يجب أن يعمل أصحاب المصلحة لضمان امتلاك الشركات المحلية للأدوات والمهارات اللازمة للاستفادة من التدخلات الدولية. وينبغي أن يشمل ذلك تسهيل نقل المعرفة، وخاصة المعرفة المتعلقة باستخدام التكنولوجيا في الأعمال التجارية، من خلال توفير برامج تعليم وتدريب للقوى العاملة في اليمن.

·        ينبغي أن يكون القطاع الزراعي هدفاً لأي تدخل مبكر. فالزراعة، التي كانت توظف الجزء الأكبر من القوى العاملة اليمنية قبل النزاع، تأثرت بشكل خاص بديناميكيات الحرب في اليمن، ويجب أن تكون هدفاً لأي تدخل مبكر لتعزيز الاقتصاد. على سبيل المثال، يمكن إنشاء برامج لدعم الأعمال التجارية الصغيرة في الزراعة وتقديم التدريب والمساعدة الفنية للمزارعين وكل من يأمل في إنشاء مشاريع صغيرة ومستدامة ذاتياً.

·        استهداف الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال. على الجهات الفاعلة الخاصة مساعدة الحكومة والمانحين الدوليين في تطوير آليات مالية مشتركة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) وحاضنات الأعمال. كما ينبغي أن تستهدف هذه الإجراءات النساء والشباب على وجه التحديد، وأن تساعدهم على بدء الأعمال التجارية، نظراً لضعف تمثيل هذه المجموعات في أنشطة القطاع الخاص.

·        ضمان وصول القطاع الخاص إلى التمويل. على المدى القصير، ينبغي للحكومة اليمنية وجميع أصحاب المصلحة المعنيين دعم العودة الكاملة للقطاع المالي الفعال، بما في ذلك تثبيت البنك المركزي اليمني. على المدى الطويل، ينبغي توجيه الجهود لقيادة الإصلاحات في اللوائح البنكية وضمان وجود منصة مناسبة للمستثمرين الأجانب لإنشاء بنوك في البلاد، فضلاً عن تأمين تدفق التحويلات. وفي هذا الصدد، ينبغي على الحكومة اليمنية إنشاء آلية لضمانات الاستثمار لجذب تحويلات المغتربين اليمنيين للمساهمة في الانتعاش الاقتصادي الوطني.

·        يجب أن تكون مؤسسات التمويل الأصغر ذات الخبرة في اليمن هدفاً رئيسياً لجميع أصحاب المصلحة لدفع المزيد من الشمول المالي في جميع أنحاء اليمن. كما ينبغي تمكين البنوك وشركات التمويل الأصغر من تقديم خدمات مالية للأفراد وخدمات إدارة النقد للشركات الصغيرة. علاوة على ذلك، ينبغي تعزيز الخدمات البنكية عبر الهاتف المحمول في اليمن لتوسيع نطاق الوصول إلى المقترضين ذوي الدخل المنخفض.

·        إصلاح بيئة الأعمال. يجب على الحكومة إنشاء نظام ضريبي مناسب للأعمال، ومؤسسات مكافحة الفساد، وتشجيع الاستثمارات عبر تخفيف بعض اللوائح التي تقيد الاستثمارات الأجنبية وتثبط الشركات الناشئة. على وجه الخصوص، على الحكومة التعامل والاستثمار في القطاعات التحويلية مثل النقل والخدمات المالية والاتصالات والسياحة وإنتاج الطاقة وتجهيز الأغذية وتوزيعها.

مشاركة القطاع الخاص في مرحلة ما بعد النزاع في اليمن
أغسطس 29, 2018

مشاركة:

أقرأ ايضا

الملخص التنفيذي

تواجه الجمهورية اليمنية اليوم واحدة من أعقد البيئات الاستثمارية في المنطقة، نتيجة تراكمات تاريخية سبقت الحرب ثم تفاقمت بفعل الانقسام السياسي والمؤسسي، وتدهور الوضع الأمني، والانهيار الاقتصادي. ورغم ذلك، تظهر اليمن – وفق التجارب الدولية في دول الصراع والهشاشة – كحالة يمكن أن تجمع بين مستوى مخاطر عالٍ وفرص استثمارية واعدة في قطاعات قابلة للعمل حتى قبل تحقيق السلام الكامل، شريطة وجود إصلاحات واضحة وإرادة سياسية داخلية ودعم إقليمي فاعل.

فعلى مدى العقد الأخير، تسبّبت الحرب في انقسام مالي ونقدي، وتعدد مراكز القرار، وتباين القوانين والإجراءات، وظهور بيئتين اقتصاديتين مختلفتين بين المناطق المحررة ومناطق سيطرة الحوثيين. وقد نتج عن هذا الانقسام تراجع حاد في الثقة، وضعف في المؤسسات، وتدهور كبير  في القوة الشرائية، وتراجع مستمر لقيمة الريال، وارتفاع تكاليف التشغيل والتأمين والنقل. غير أن هذه التحديات ليست جديدة  بالكامل؛ إذ كانت اليمن قبل الحرب بيئة طاردة للاستثمار بسبب الفساد، وتعقيد الإجراءات، وضعف القضاء، وانتشار الجبايات، واستحواذ بعض مراكز نفوذ على موارد الدولة. ورغم الصورة القاتمة، فإن السياق الإقليمي والدولي يحمل مؤشرات مشجعة على إمكانية خلق مساحات في المحافظات المحررة التي توفر – مقارنة بمناطق الحوثيين – بيئة قانونية معترف بها دوليا، وموانئ مفتوحة، ونافذة عمل مصرفية وإن كانت محدودة، وفرصة أكبر للتعاقدات الرسمية، وإمكانية توفير حماية المستثمرين بالتحكيم الدولي.
ً
لقد أثبتت التجارب الدولية في العراق ولبنان ورواندا ودول الصراع الأخرى أن الاستثمار قد يبدأ تدريجيا بالحرب، وأن نجاح الاستثمار في البيئات الهشة يعتمد على أربع مرتكزات: فهم المخاطر، إدارة جيدة لها، إصلاحات حكومية واضحة، ودعم إقليمي ودولي منظم. وبالنظر إلى التحولات الاستثمارية الخليجية الحالية باتجاه العراق ولبنان وسوريا، يصبح اليمن – بموقعه الجيواستراتيجي المطلً على أهم ممرات التجارة  الدولية، وبقوته البشرية الشابة، وباعتباره عمقا أمنيا وجغرافيا لدول الخليج – مرشحا منطقيا لجذب جزء من هذه التدفقات الاستثمارية

يمكن للمستثمرين   (Conflict-Compatible) ،كما أن هناك قطاعات قابلة للعمل دون انتظار السلام الكامل

الدخول إليها اليوم، مثل:

 الطاقة الشمسية وتوزيع الكهرباء –

الاتصالات والتحول الرقمي –

النقل والخدمات اللوجستية وتطوير الموانئ –
الزراعة والثروة السمكية والصناعات الغذائية –
مشاريع سياحية محدودة –
المناطق الاقتصادية والصناعية، سلاسل الإمداد، والخدمات المرتبطة بها -ً
هذه القطاعات تعمل بطبيعتها في بيئات متقلبة، ولا تتطلب استقرارا وطنيا شاملاويمكن ان تكون نقطة انطلاق

وتؤكد الورقة أن الاستثمار في اليمن – في الوقت الراهن – لا يمكن التعامل معه كمجال مفتوح بلا قيود بل يجب ضبطه من خلال اشتراطات واضحة تشمل التزام حكومي بدعم الاستثمار، إصلاحات تشريعية، رقمنة الإجراءات، القضاء على الجبايات غير القانونية، توفير مسارات للتحكيم الدولي، إنشاء وحدات حكومية متخصصة بالتعامل مع المستثمرين، وإطلاق “النافذة الموحدة للاستثمار” في عدن، إضافة إلى توفير ضمانات وممكنات إقليمية عبر شراكات مباشرة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسائر دول الخليج.

وفي الجانب الآخر، يتطلب الاستثمار الأجنبي مشاركة فاعلة من القطاع الخاص اليمني من خلال تحالفات، ورفع مستوى الحوكمة، وتقديم  بيانات مالية مدققة، والشراكة مع المستثمرين الخليجيين عبر مشاريع من المانحين، يتجاوز الإغاثة إلى دعم الاستثمار والبيئة الاقتصادية، وتقديم ضمانات تمويلية وأدوات التمويل المدمج.ً

 

أما جغرافيا، ورغم أن التحليل يشمل اليمن ككل، إلا أن التطبيق الواقعي للفرص يتركز على المحافظات المحررة نظرا لاستحالة العمل في بيئة الحوثيين التي تتسم بالعقوبات، والابتزاز، وهروب رؤوس الأموال، وتدمير المؤسسات، وسيطرة مطلقة على الشركات وغياب الحد الأدنى من الضمانات القانونية والمؤسسية لحماية الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وتخلص الورقة إلى أن اليمن، رغم هشاشته، يمتلك عناصر قوة نادرة في المنطقة تشمل:

 موقعا استراتيجيا على أهم الممرات البحرية -ً
سوق كبيرة و شابة تتجاوز 40 مليون نسمة –
تكلفة تشغيل منخفضة –
موارد طبيعية متنوعة –
أهتماما خليجيا ودوليا بامن البحر الاحمر وباب المندب -ً
قطاعات جاهزة للعمل خلال  12 –  24 شهرا

 

وتقدم الورقة توصيات عملية للحكومة اليمنية والقطاع الخاص اليمني والخليجي والمانحين، تهدف إلى تحويل بيئة الاستثمار من “بيئة ردع” إلى “بيئة ممكنة”، من خلال إصلاحات قصيرة ومتوسطة المدى، وبناء شراكات استراتيجية، وتحديد عدد محدود من المشاريع النموذجية ذات أثر سريع، تخلق الثقة وتفتح الباب أمام المزيد من التدفقات لاحقا

وبناء على ذلك، فإن الاستثمار الأجنبي في اليمن ليس مستحيلاً، بل يمكن أن يتحول – في سياق إقليمي مناسب وإصلاحات حكومية واضحة – إلى محرك رئيسي للاستقرار الاقتصادي، ورافعة لإعادة الإعمار، وأداة لدمج اليمن في الاقتصاد الخليجي والإقليمي، مع التأكيد أن البداية المنطقية تكمن في المحافظات المحررة وفي القطاعات المتوافقة مع بيئة الصراع، قبل الانتقال إلى مشاريع أكبر في مرحلة الحل
السياسي.

أبريل 18, 2026

على مدى عقود قبل اندلاع الصراع الدائر، كان اليمن عرضة للعجز المتكرر في الموازنة العامة نتيجة الافتقار إلى إصلاحات مالية جادة، وارتفاع النفقات الجارية -وخاصة تلك المتعلقة برواتب القطاع العام ودعم أسعار الوقود -والاعتماد المفرط على عائدات النفط. ورغم أن التزامات الديون الخارجية ظلت منخفضة، كان سوق الدين ضعيف التنوع، حيث تركز حاملو أذون الخزانة بشكل كبير في القطاع المصرفي، بينما تركزت السندات الحكومية بشكل حصري تقريباً لدى صناديق التقاعد العامة.
كان لتنامي الصراع الدائر عام 2015 تأثير سلبي عميق على موقف الدين العام في اليمن، حيث توقفت صادرات النفط على نطاق واسع، مما أدى إلى انهيار الإيرادات العامة، وتوقف البنوك وصناديق التقاعد عن شراء أدوات الدين الحكومية. وأصبحت إدارة الدين العام منقسمة بين إدارتي البنك المركزي اليمني المتنافستين في عدن وصنعاء، اللتين علقتا سداد التزامات الديون المحلية والخارجية. واجه حملة الدين العام أزمة سيولة نظراً لعجزهم في الحصول على مدفوعات الفائدة، مما قوض قدرة البنوك على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء وهدد ملاءتها المالية، في حين كافحت صناديق التقاعد لدفع رواتب المتقاعدين.
في الفترة من 25 إلى 27 يناير/ كانون الثاني 2021، اجتمع كبار الخبراء والمهنيين اليمنيين افتراضياً عبر الإنترنت في منتدى رواد التنمية السابع (DCF)، كجزء من مبادرة إعادة تصور الاقتصاد اليمني، لمناقشة تطور وهيكل الدين العام في اليمن، والديناميكيات التي أدت إلى توسعه الهائل خلال الصراع، ومخاطر الدين العام المرتبطة بالاقتصاد الكلي. أعقب ذلك بأسبوع جلسة إحاطة لأصحاب المصلحة الدوليين في 2 فبراير/ شباط. وقد شكلت هذه النقاشات الأساس للبحث المقدم في هذه الورقة والتوصيات المطروحة فيه لمعالجة أزمة الدين العام في اليمن.

يوليو 20, 2022

يُعدّ النقلُ البري أحد أهم وسائل النقل وأكثرها استخداما. اليمن يعتبر بلد ريفي في الغالب حيث يعيش أكثر من 70% من السكان في 140,000 تجمّع سكاني ينتشر في أنحاء الريف، ويحتاج معظمها إلى طرق وتضمّ أكثر السكان فقراً. وبالتالي فإن النقل البري ضروري للتنمية الريفية والنمو الاقتصادي العام. وتشكّل الطرق الريفية تحدّيا كبيرا للتنمية في اليمن؛ إذ لم تُعبّد منها إلا نحو 3,744كم في المناطق الريفية، وهي لا تمثل إلا 6.4% من إجمالي شبكة الطرق في البلاد، وهو اختلال في توجّهات إنشاء الطرق في اليمن مقارنة بالكثافة السكانية في الريف. تسبّب الصراع بصورِهِ المختلفة منذ اندلاعه في زيادة معاناة سفرِ وتنقّلِ المواطنين وصعوبة نقل البضائع بين المحافظات وكذلك من اليمن وإليها. إضافة إلى ذلك، ارتفعت تكاليف النقل البري بنسبة تصل إلى 145% نتيجة ارتفاع أسعار الوقود واتخاذ الطرق البديلة الأطول مسافةً. كما تكبّدت مشاريع الطرق خسائر فادحة نتيجة الصراع تُقدّر بنحو 1.3 مليار دولار أمريكي؛ إذ بلغ إجمالي أطوال الطرق المتضرّرة نحو 6,000 كم وتضرّر أكثر من 100 جسر عبور. علاوة على ذلك، توقّفت مشاريع الطرق بسبب شحة الأوضاع المالية، مما فاقم مشاكل القطاع.

ومع طولِ فترة الحرب والصراع في اليمن تدهورت البنية المؤسّسية لقطاع النقل البري والطرق. ومن أبرز التحديات المؤسسية عدم ملاءمة السياسات والتشريعات، وتهالك المعدّات والآلات والأصول، وتسرّب الكوادر والموارد البشرية. وتمثّلُ أزمة الموارد المالية أكبر عائق تواجهه الجهات المنظمة لقطاع النقل البري والطرق مما يؤثر على الجوانب التشغيلية داخل القطاع.

تقدم هذه الورقة البحثية توصيات قصيرة وطويلة المدى فيما يتعلق بآثار الحرب على قطاع النقل البري وسياسات البنية التحتية للطرق الريفية والحضرية وسياسات صيانة وإصلاح الطرق التي تؤثر على حركة المرور التجارية وتحديث الهيكل المؤسسي للنقل البري.

لتعزيز دور القطاع، يجب بذل الجهود على المدى القصير، لتطوير وتطبيق وتشغيل أنظمة النقل الذكية في قطاع النقل البري لحافلات نقل الركاب وشاحنات نقل البضائع لضمان أمن وسلامة الركّاب وعدم تكرار دفع مبالغ مالية من شاحنات نقل البضائع، كما يجب سرعة معالجة مشاكل المشاريع المتعثرة. يجب أن تشمل الجهود أيضا إعادة تشغيل محطات الأوزان التي تضرّرت من الحرب، وتنفيذ قواعد السلامة المرورية على الطرق بين المحافظات للحدّ من حوادث الطرق، وتطوير القدرة المؤسسية لمؤسسات النقل البري والطرق. كما يجب توجيه المساعدات الإنسانية والطارئة نحو الطرق الريفية لتعزيز هذه الجهود.

وعلى المدى المتوسط والطويل، يجب على السلطات إنشاء موانئ برية جافّة عند مداخل المُدن الرئيسة، فهذا من شأنه أن يساعدَ على تخفيف ازدحام الطرق والتخفيف من الحمولات الثقيلة على الطرق، وتقليل تكلفة نقل البضائع، وكذلك يجب إعداد برنامج إستراتيجي للتوسّع في مشاريع الطرق الريفية في اليمن، وتنفيذ المسوحات الشاملة لمعرفة الوضع الحالي لشبكة الطرق، وتطوير المنافذ البرية الحدودية وتسهيل إجراءات العبور، ويجب أيضا تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي والمؤسّسي لقطاع النقل البري والطرق بما يتناسب مع التطورات الحديثة ومنع الازدواجية وتضارب المصالح والمهام.

مارس 17, 2022

يمتلك اليمن اقتصادًا يعتمد بشكل كبير على النقد ويعاني من مستويات منخفضة من الشمول المالي. يُعد القطاع المصرفي الرسمي في البلاد غير متطور، ويتسم بضعف قاعدة رأس المال والتركز في المناطق الحضرية، مما تعذر على الغالبية العظمى من اليمنيين الوصول إلى خدماته. شرع البنك المركزي اليمني قُبيل النزاع الحالي في حزمة إصلاحات تهدف إلى تطوير البنية التحتية للقطاع المالي اليمني، والحد من هيمنة النقد من خلال تحسين المعاملات الإلكترونية بين البنوك وأنظمة الدفع الإلكتروني المحلية، ومن بينها خدمات النقود الإلكترونية وخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول. ونظرًا للانتشار الواسع للهواتف المحمولة بين السكان، فإن نجاح تلك الإصلاحات قد يزيد نسبة الشمول المالي بشكل كبير، إلا أن اندلاع الصراع المستمر حتى يومنا هذا أعاق التقدم المحرز في هذا الصدد.

تبحث هذه الورقة في القوانين الحالية المتعلقة باستخدام النقود الإلكترونية في اليمن، والمساعي الرامية الى تبني خدمات النقود الإلكترونية قبل وأثناء النزاع، واللاعبين الرئيسيين، وحالة البنية التحتية في هذا القطاع، والتحديات والآفاق المرتبطة باعتماد العملة الإلكترونية على نطاق أوسع في البلاد.

بشكل عام، ارتبط اعتماد النقود الإلكترونية في جميع أنحاء العالم بثلاثة أنواع من البيئات التنظيمية: أسواق عالية التنظيم ومتوسطة ومحدودة التنظيم. في اليمن، اتسم الإطار القانوني السائد قبل عام 2014 بسوق شديدة التنظيم -والتي تمنح الحق في تقديم الخدمات الإلكترونية للبنوك فقط -رغم أن التطبيق ظل محدودًا من الناحية العملية. تصاعدت حدة الصراع اليمني عام 2015، وبحلول 2016 كان البنك المركزي اليمني منقسمًا عبر خطوط المواجهة، مع تنافس فرعي عدن وصنعاء على الهيمنة، الفرع التابع للحكومة المعترف بها دوليًا والآخر التابع لسلطات الحوثيين، على التوالي. في السنوات التالية، اتخذ البنك المركزي في صنعاء خطوات تصعيدية لتأسيس نموذج غير مصرفي محدود التنظيم لتقديم الخدمات المالية الإلكترونية، وهو ما عارضه البنك المركزي في عدن، متمسكًا بالإطار القانوني لما قبل الحرب.

مع الأخذ بعين الاعتبار النزاع المسلح في اليمن، والأزمة السياسية، والانقسام المؤسسي العميق داخل مؤسسات الدولة الرئيسية، بما في ذلك البرلمان والبنك المركزي اليمني، والبنية التحتية غير المتطورة للدفع الإلكتروني بشكل عام، من غير المرجح تحقيق استخدام واسع النطاق للنقود الإلكترونية. في ظل النزاع الدائر، من شأن اتخاذ أي خطوات أحادية جريئة من جانب أي من أطراف الصراع المتناحرة أن يعمق الانقسامات داخل المؤسسات المعنية بتفعيل خدمات الدفع الإلكتروني. يرتبط تحقيق المبادرات الشاملة لتعزيز النظام البيئي لتقديم خدمات النقود الإلكترونية والدفع الإلكتروني على الدوام بإنهاء الانقسام السياسي وتحقيق الاستقرار في النظام النقدي، وهو ما يجب أن يبدأ بتوحيد فرعي البنك المركزي اليمني وسعر الصرف الرسمي.

​​وحتى يتم التوصل إلى تسوية، توصي هذه الورقة أصحاب المصلحة المهتمين بتطبيق الخدمات المالية الإلكترونية في اليمن بتبني نهج “عدم الإضرار”. ينبغي أن يركز ذلك بوجه عام على دعم إعادة توحيد البيئة التنظيمية للبلد، ومراعاة دعم المؤسسات العامة والخاصة في تطوير القدرات والبنية التحتية اللازمة لتقديم خدمات النقود الإلكترونية والدفع الإلكتروني، بطريقة لا تتسبب في تفاقم الفوضى الراهنة في البيئة التنظيمية والنظام النقدي.

على المدى الطويل، ينبغي لأصحاب المصلحة الدوليين دعم البنك المركزي اليمني في وضع خطط استراتيجية لتحقيق الاستقرار في النظام النقدي وتعزيز استقرار النظام المالي، بما ذلك وضع استراتيجية لنظام المدفوعات الوطني تنطوي على تعزيز البنية التحتية للمدفوعات وتسهيل تحوّل مدروس نحو المدفوعات الإلكترونية.

مارس 7, 2022

المجالس المحلية هي المسؤولة عن قيادة مشاريع التنمية وتقديم الخدمات العامة الأساسية لأكثر من 30 مليون يمني. تتمتع المجالس المحلية بأهمية خاصة في المناطق الريفية التي يعيش فيها حوالي 70% من اليمنيين.

نشرت مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن في يوليو/تموز 2018 ورقة بيضاء تستكشف كيف أثر انهيار الاقتصاد اليمني وتشرذم مؤسسات الدولة المركزية خلال الحرب على المجالس المحلية. تستند هذه الورقة البيضاء الجديدة على نتائج الورقة السابقة عبر النظر في كيف تطور الحكم المحلي في السنوات اللاحقة مع التركيز على العلاقة بين السلطات المحلية والحكومتين المركزيتين في عدن (الحكومة المعترف بها دوليًّا) وصنعاء (التابعة للحوثيين غير المعترف بها). كما تشمل هذه الورقة أبحاثًا جديدة عن الحكم المحلي في اليمن منذ عام 2018.

تعكس نتائج هذه الورقة بشكل عام اتجاهات الحكم في مناطق مختلفة من اليمن خلال الحرب. في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، قيّدت الحكومة التابعة لهم استقلالية السلطات المحلية كجزء من الجهود الرامية لتعزيز السيطرة السياسية وإعادة توزيع الإيرادات لدعم المجهود الحربي. على سبيل المثال، تتحكم الحكومة المركزية في صنعاء عمليًّا بجميع جوانب الحكم المحلي في مناطق سيطرة الحوثيين بمحافظة الحديدة.

أما في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا، فالوضع مختلف بين منطقة وأخرى. اكتسبت السلطات المحلية في محافظتي مأرب وشبوة المنتجتين للنفط استقلالية غير مسبوقة عن الحكومة المركزية واستخدمت الإيرادات التي بدأت بتلقيها حديثًا من مبيعات النفط والغاز لتمويل العمل الحكومي وتأمين الخدمات.

في محافظات أخرى مثل عدن، شلَّ الاقتتال السياسي الداخلي ونقص الإيرادات استقلالية الحكم المحلي. رغم قربهم من مؤسسات الحكومة المركزية في عدن، عجز المسؤولون المحليون عن إتمام مهامهم الأساسية. في الأجزاء التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دوليًّا بمحافظة الحديدة، لا تتلقى السلطات المحلية دعمًا يُذكر من الحكومة المركزية وتعتمد بشكل عام على التحالف بقيادة السعودية وشركائها على الأرض للحصول على التمويل والدعم.

سبتمبر 30, 2021

الكهرباء عماد أي اقتصاد وضرورة من ضرورات الحياة العصرية، وفي اليمن شكل ضعف خدمات الكهرباء حتى قبل الحرب أحد العوائق الهامة أمام تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتوفير الخدمات الأساسية مثل إمدادات المياه، الرعاية الصحية، التعليم، وتهدف هذه الورقة إلى تحديد الأولويات القصوى لاستعادة خدمات قطاع الكهرباء وإصلاح القطاع بعد الحرب؛ إذ تبتدئ الورقة بتقييم وضع الكهرباء قبل الحرب، ومن ثَم تناقش تأثير الحرب على أداء قطاع الكهرباء، وتنظر في نموذج إصلاح قطاع الكهرباء في التسعينيات، وتتبع الورقة ذلك بتحديد العوائق الهامة التي يواجهها هذا القطاع.

تبين هذه الورقة بأن قطاع الكهرباء في اليمن يعاني من تحديات عدة؛ فنية وسياسية واقتصادية واجتماعية مزمنة، وهي على النحو الآتي: 1) الاعتماد الكبير على الديزل؛ 2) نسبة  الفاقد الكهربائي المرتفعة ونسبة التحصيل المنخفضة؛ 3) قيود التمويل؛ 4) نقص الموظفين ذوي المهارات؛ 5) القضايا الأمنية؛ 6) قضايا الفقر والقدرة على تحمل التكاليف؛ 7) محطات توليد الطاقة غير الكفؤة والمتهالكة؛ 8) القضايا المتعلقة بتحويل المؤسسات الحكومية في القطاع إلى شركات وإضفاء الطابع التجاري على الخدمات؛ 9) عدم جاذبية السوق للاستثمارات الخاصة؛ 10) غياب السياسات والقوانين والإطار التنظيمي الداعم؛ 11) غياب رؤية واضحة لما سيبدو عليه قطاع الكهرباء بعد الحرب.

وتختتم الورقة بمجموعة من الأولويات القصوى التي تهدف إلى استعادة القطاع لقدرات ما قبل الحرب، ومن ثم مواصلة إصلاحات قطاع الكهرباء من أجل تحسين الأداء. وتشتمل التوصيات الفورية وقصيرة المدى على تبني خطة تعافٍ واقعية وعملية، وتأمين التمويل لإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع، ومراجعة تعرفة الكهرباء، وتقليل معدلات الفاقد الفني وغير الفني للكهرباء، وشراء الطاقة الكهربائية عند الحاجة من خلال عملية تنافسية عبر الخيارات الأقل تكلفة، مثل الغاز والطاقة المتجددة، وتأمين إمدادات الوقود ورواتب موظفي القطاع، واستئناف جميع المشاريع العالقة، وإيجاد حلول مستدامة ومجدية لإمدادات الكهرباء في كل محافظة لتجنب التحديات المرتبطة بمركزية شبكة الكهرباء، وتركيب أنظمة طاقة شمسية معزولة عن الشبكة بحيث يمكن ربطها بشبكة الكهرباء عند استعادتها.

تشتمل الأولويات المتوسطة والطويلة الأجل على توصيات محدّدة في خمس فئات تتعلق بما يأتي: 1) الإطار القانوني والتنظيمي؛ 2) الترتيبات المؤسسية؛ 3) القدرات والأداء؛ 4) مشاركة القطاع الخاص؛ 5) القضايا الفنية.

مايو 25, 2021

عن ماذا تبحث