على مدى عقود، دفعت شحة فرص كسب العيش في اليمن، مئات آلاف اليمنيين للسفر نحو الخارج بحثاً عن عمل، ونظراً للعجز المزمن في الحصول على التعليم الجيد في اليمن، فقد كان غالبية هؤلاء من العمال غير الماهرين أو شبه الماهرين، وقد كان لقرب السعودية وقوة اقتصادها القائم على النفط أن جعلها وجهة طبيعية لمعظم القوى اليمنية العاملة في المهجر، كما أن الازدهار الاقتصادي في دول الخليج في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، مع الطلب الموازي على العمالة، جذب الكثير من اليمنيين للعمل في الدول الخليجية، فيما فتحت السعودية حدودها أمام اليمنيين دون متطلبات تأشيرة.

بعد حرب الخليج الثانية (1990-1991) – وقرار الحكومة اليمنية بعدم دعم قرارات مجلس الأمن بشأن التدخل الدولي لإخراج جيش العراق من الكويت – تم ترحيل العمال اليمنيين قسراً من دول الخليج، وقد أدى ذلك لعودة حوالي مليون يمني من السعودية وحدها، وإلى جانب تزايد الطلب على الخدمات العامة والضغط على سوق العمل، نتج عن خسارة تحويلات هؤلاء العمال تدهور اقتصادي سريع واضطراب اجتماعي في اليمن، يعتبر بدوره عاملاً مساهماً في الحرب التي شهدتها البلاد عام 1994 وكذلك الأزمة الاقتصادية الحالية.

عام 1990، بادرت الرياض أيضاً إلى إطلاق برنامج لزيادة نسبة مواطنيها من القوى العاملة، إلا أنه لم يتم تنفيذه في ذلك الوقت، وهكذا، وعلى مدى العقدين التاليين، ارتفع عدد اليمنيين العاملين في المملكة تدريجيا إلى مستويات ما قبل 1990، وفي أعقاب انتفاضات الربيع العربي عام 2011 في كثير من دول المنطقة ومنها اليمن، ازدادت المخاوف الأمنية في دول الخليج، وكذلك رغبة هذه الدول في توفير فرص العمل لمواطنيها، وهكذا في 2011، تمت إعادة تنشيط حملة السعودية لسعودة سوق العمل، ليصبح ذلك جزءاً من الخطة الاقتصادية “رؤية 2030” التي أعلنت عنها الرياض عام 2013.

أصبح تأثير هذه السياسات أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، حيث زادت القيود على عدد فئات الوظائف المتاحة للعمالة الوافدة، مع زيادة رسوم الإقامة والعمل في السعودية ولا سيما بالنسبة للعمال المسجلين قانونياً وعائلاتهم، فضلاً عن العمال غير المسجلين الذين يعانون دوماً من الاستغلال وعدم الاستقرار، إلى جانب الحملات السعودية لإلقاء القبض على العمال غير القانونيين وطردهم من البلاد، وقد أدى كل ذلك إلى إجبار عشرات الآلاف من اليمنيين المغتربين هناك على العودة إلى وطنهم.

وفي الوقت نفسه، بدأت السعودية والإمارات في مارس من العام 2015 تدخلاً عسكرياً في اليمن دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي كانت جماعة الحوثيين المسلحة قد طردتها من العاصمة، وأدى تصاعد هذا النزاع إلى انهيار اقتصادي واسع النطاق في اليمن، وإلى خسارة جماعية لموارد الرزق، وتوقف الصادرات النفطية التي كانت في السابق أكبر مصدر للعملة الأجنبية في البلاد، والنتيجة أن بقاء ملايين اليمنيين على قيد الحياة أصبح يعتمد على التحويلات المالية التي يرسلها أقاربهم العاملون في السعودية وفي أماكن أخرى، كما أصبحت هذه التحويلات – التي يبلغ مجموعها مليارات الدولارات سنوياً – هي المورد الأساسي للعملة الأجنبية في السوق المحلية، وهي مسألة حاسمة لتسهيل استيراد السلع الأساسية، وهكذا نجحت التحويلات التي ترسلها القوى العاملة اليمنية المغتربة في الحد من أزمة الأمن الغذائي في البلاد، وهي بالفعل الأكبر في العالم، وكان يمكن أن تكون أسوأ بكثير لولا هذه التحويلات.

في حال استمر الترحيل الجماعي الجاري حالياً للعمالة الوافدة في السعودية وبنفس الوتيرة المتسارعة، فسيكون لذلك عواقب اقتصادية وإنسانية كارثية أخرى على اليمنيين، وهذا بدوره سيحفز المزيد من الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في جميع أنحاء اليمن، وسيخلق بيئة مواتية لاستمرار النزاع المسلح الطويل الأمد، بغض النظر عما إذا تم التوصل إلى تسوية سياسية بين الأطراف التي تخوض الحرب حالياً، أم لم يتم، وكما يرى العديد من المراقبين، يعتبر استقرار اليمن هو حجر الزاوية للاستقرار في شبه الجزيرة العربية بشكل أوسع، ذلك أن تداعيات عدم استقرار اليمن ستكون إقليمية، إن لم تكن عالمية، وهكذا، وبعيداً عن الالتزام الأخلاقي الذي يوجب منع تكثيف المعاناة الإنسانية الجماعية، فإن المصلحة الذاتية لجميع أصحاب المصلحة المحليين و الإقليميين والدوليين هي الحفاظ على تدفق تحويلات القوى العاملة اليمنية المغتربة.

يتعين على دول الخليج والسعودية على وجه الخصوص إعفاء العمال المغتربين اليمنيين من حملات توطين العمالة الجارية حالياً، على الأقل خلال المدى المنظور، وبمجرد أن يصل النزاع اليمني المستمر إلى حل سياسي وتحقق البلاد نمواً اقتصادياً مستداماً نسبياً – مع ما يتزامن مع ذلك من طلب على العمل يمكن أن يستوعب العمال العائدين – يمكن فقط حينها إعادة النظر في مسألة إعادة العمال اليمنيين إلى بلادهم.[1]

[1]منهج الدراسة: استخدمت هذه الدراسة المصادر الأولية والثانوية. تم الحصول على بيانات أولية من خلال إجراء المقابلات مع محاورين رئيسيين، بما في ذلك مغتربين يمنيين في دول الخليج، ومسؤولين حكوميين منهم مسؤولون من وزارتي المغتربين والشؤون الاجتماعية، فضلاً عن مقابلات مع خبراء أثروا موضوع الدراسة. بالإضافة إلى ذلك، أجرى مؤلفو هذه الدراسة مراجعة شاملة لمصادر المعلومات الثانوية والمفتوحة، بما في ذلك المنشورات السابقة التي ركزت على موضوع الدراسة.

مايو 30, 2019

يعتبر الفساد، أو إساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب خاصة، راسخاً بعمق في الاقتصاد السياسي اليمني. على مدى عقود، شهد اليمن عدة حالات استحواذ على مقدرات الدولة، حيث كان القادة السياسيون من أعلى المستويات ينتزعون عائدات مؤسسات الدولة لتستفيد منها قلة مختارة. وكان الفساد الإداري أيضاً شائعاً في اليمن: فالرشوة في المستويات الدنيا والمحسوبية أصبحا جزءاً من الحياة اليومية. ويمكن القول بوجود قبول ثقافي – بل وتوقع – للفساد في السياسة والأعمال، حيث أصبحت الشبكات غير الرسمية أكثر نفوذاً من المؤسسات الرسمية.

تعود أصول الاستحواذ على الدولة والفساد الإداري في اليمن إلى فترة الرئيس حكم علي عبد الله صالح[1] . ففي عهده قامت مجموعة من النخب ببناء نظام محسوبية على مدار الثمانينات والتسعينات قبل وبعد توحد شطري اليمن.[1] كان المستفيدون الرئيسيون من النظام الجديد هذا هم أسرة صالح والنخبة القبلية والعسكرية والتجارية المقربة منه، بما في ذلك منطقة صالح (سنحان)، والتي تم تعيين أبنائها في المستويات العليا من الهياكل العسكرية والأجهزة الأمنية في اليمن. كانت قواعد اللعبة بسيطة: هبات ترعاها الدولة مقابل الولاء للنظام. بعد اكتشاف النفط في اليمن منتصف ثمانينات القرن الماضي، أصبحت ريوع النفط والغاز تموّل توسعة وحماية شبكة محسوبية صالح.

بعد ضغوط المجتمع الدولي للتصدي للفساد المستشري في اليمن، تم استحداث موجة من الإصلاحات لمكافحة الفساد في منتصف العقد الأول من القرن الحالي. على الرغم من المديح الذي ناله في ذلك الوقت ما بدا أنه تقدم في معالجة الفساد، إلا أن كل تلك الإصلاحات أثبتت على المدى الطويل عدم فعاليتها. في غضون ذلك، انخفض إنتاج النفط اليمني بعد عام 2001، وأصبح نظام محسوبية صالح أقل قابلية للدوام بمرور الوقت.

أوائل العام 2011، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء اليمن، ما دفع نحو تصارع قوى النخبة في صنعاء على السلطة. توحد المتظاهرون في ظل عدائهم المشترك لمنظومة فاسدة مقترنة بشكل وثيق بصالح وأتباعه. تنحَى صالح في فبراير / شباط 2012، ليخلفه الرئيس عبد ربه منصور هادي ، وتحدث هو والحكومة الانتقالية بشكل صارم عن الفساد. ومع ذلك فإن ما حدث هو فقط ازدياد الفساد في ظل الحكومة الجديدة: فقد تسارعت مدفوعات المحاسيب، وزاد استغلال دعم الوقود من قبل القطاع الخاص، وتسربت الأموال من المساعدات الإنسانية والإنمائية التي قدمها المجتمع الدولي. وفي سياق محاربة الفساد، حشد الحوثيون دعماً جماهيرياً. وبعد دخولهم صنعاء في سيبتمبر/أيلول من عام 2014 بدعم مفترض من الرئيس السابق صالح، أعلنوا عن نيتهم محاربة الفساد وقدموا أنفسهم كبديل جيد في ذلك الوضع. وتحت شعار مكافحة الفساد بدأوا بمحاولة إخراج هادي من السلطة عام 2015، وهي الخطوة التي استجلبت في النهاية التحالف الذي تقوده السعودية والداعم لحكومة هادي ما أدى إلى توسع هائل في نطاق النزاع.

على مدار النزاع الحالي، يشهد اليمن فساداً لا يتوقف وبحسب نفس القواعد التي كانت سائدة قبل الحرب وعلى المسبتوى نفسه. ومع تسبب النزاع بتشظي البلاد، أصبح الاستحواذ على الدولة اليمنية أكثر تعقيداً بكثير.

في اقتصاد الحرب، تظهر شبكات المحسوبية الآن بين شخصيات هامشية أو غير معروفة سابقاً. وقد ساهمت المشاركة المالية لكل دول التحالف السعودي في رعاية المصالح العابرة للحدود الوطنية، تاريخياً اعتاد اليمن على درجة من الموالاة للسعودية. يشير التواطؤ المزعوم بين المستوردين المحسوبين على الحوثيين والمسؤولين المتحالفين مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى شبكات المحسوبية التي قد تعبر الخطوط الأمامية للحرب نفسها. ومع تزايد وتنوع الجهات الفاعلة المتربحة من النشاط غير المشروع في اقتصاد الحرب، أصبحت المصالح الاقتصادية المستثمرة في تواصل النزاع أكثر فأكثر رسوخاً.

على أي شخص مهتم ببناء يمن مستقر بعد النزاع أن يأخذ على محمل الجد التحدي الذي يطرحه الفساد ضمن اقتصاد الحرب في اليمن. ومن هذا المنطلق، نقدم المبادئ والتوجيهات/التوصيات التالية:

مبادئ توجيهية/توصيات لصانعي السياسات بهدف معالجة الفساد في اليمن:

  • المبدأ التوجيهي رقم 1: الاعتراف بالتعقيد. على أية محاولة للتصدي للفساد في اليمن أن تعترف بـ/وتهدف إلى فهم آليات الفساد المعقدة والمحددة بسياقاتها في قلب اقتصاد الحرب في اليمن، بالإضافة للجهات الفاعلة المعنية وأي مصالح سياسية واقتصادية متداخلة. سيسمح الفهم السياقي المتطور لمقرري السياسات بمقارنة الفوائد وتوقع المزالق المحتملة أثناء وضع استراتيجية لمكافحة الفساد.
  • المبدأ التوجيهي رقم 2: التنفيذ التدريجي. بالنظر إلى ارتفاع مستويات الاستحواذ على مقدرات الدولة وانتشار الفساد الإداري في اليمن، سيكون من غير الواقعي وربما الضار بالنسبة لصناع السياسات تطبيق استراتيجية مكافحة فساد مفاجئة وهجومية، ويجب أن تتم استعادة مقدرات الدولة بشكل تدريجي، مع تنفيذ مرحلي لإصلاحات مكافحة الفساد بما يحد من التسبب بصدمة لمنظومة الفساد. إن أية محاولة لمحاربة الفساد بطريقة مستعجلة أو سطحية ستؤدي لأخطاء جسيمة في السياسات، تجعلها تقود إلى معاناة أكبر بين أفراد الشعب اليمني بدل تقييد تصرفات الأفراد الفاسدين.
  • المبدأ التوجيهي رقم 3: إشراك أكبر عدد ممكن من الفاعلين. نظراً لانتشار الفساد في اليمن على أوسع نطاق، ينبغي ألا تستهدف جهود مكافحة الفساد بشكل انتقائي أي جهة فاعلة واحدة، بل أن تسعى بدلاً من ذلك إلى التأثير على النظام ككل. إذا كان هناك أي تقدم في تحقيق سلام قصير أو طويل المدى، فسوف يحتاج صانعو السياسة إلى كسب تأييد أكبر عدد ممكن من الفاعلين.

توصيات سياسات عامة ليمن ما بعد النزاع:

  • الاعتماد على إطار مكافحة الفساد الحالي في اليمن من خلال تمويل مؤسسات مكافحة الفساد الحالية التي تديرها الدولة، وتشجيع المزيد من التنسيق وتبادل البيانات فيما بينها.
  • تشجيع الشفافية والمساءلة من خلال المطالبة بمعايير أعلى من الإفصاح العام، ولا سيما بشأن المناقصات الحكومية ورواتب المسؤولين المعينين وكبار الموظفين الحكوميين.
  • الحد من تضارب المصالح عبر إلزام موظفي الحكومة بالقانون والتخلي عن تحكمهم بأي أعمال تجارية خاصة، وإنشاء مراكز تعقب في شركات الطاقة التي تديرها الدولة، وتنفيذ اللوائح المتعلقة بتكافؤ فرص العمل داخل القطاع العام، وإصلاح الجهاز العسكري والأمني.
  • تحسين إدارة الموارد المالية الحكومية من خلال بناء نظام صارم لمراقبة صرف الأموال الحكومية، بما يجعل البنك المركزي اليمني مستقلاً تماماً. يتطلب ذلك الالتزام بتشريعات مكافحة الفساد لاستمرار الحصول على مساعدات الجهات المانحة الخارجية، ومراقبة المساعدات المالية المقدمة عن قرب لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية المحلية في فترة ما بعد الحرب.
  • نزع مركزية السلطة الاقتصادية من خلال تمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات العامة وتنفيذ مشاريع التنمية المحلية، والمساعدة في إنشاء وتوسيع الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) وتمكين وكالات مكافحة الفساد من مراقبة شركات استيراد الوقود.

[1] كان اليمن مقسما إلى شطرين (جنوب اليمن وشمال اليمن)، حيث توحدت الجمهورية العربية اليمنية (الشمال) مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوب) في 22 مايو 1990 لتأسيس دولة جديدة باسم الجمهورية اليمنية.

نوفمبر 5, 2018

أمضى اليمن معظم سنواته الستين الماضية غارقاً في نزاعات مسلحة وأزمات سياسية، حيث كانت الاضطرابات والقلاقل الأمنية من أبرز العوامل التي أعاقت نضج القطاع الخاص وقيام دولة قوية ذات مؤسسات عامة ناجعة. يتألف القطاع الخاص اليمني بغالبيته العظمى من شركات صغيرة أو صغيرة جداً، علماً أنها توفّر لما يقرب من 70% من اليمنيين العاملين مصادر أرزاقهم. بالمقابل توفر الزراعة الريفية تقليدياً مصدر عمل لأكثر من نصف سكان البلاد.

منذ اكتشاف حقول نفطية قابلة للبقاء تجارياً منتصف ثمانينات القرن الماضي، ومن ثم زيادة الإنتاج النفطي في اليمن خلال التسعينات، تأثر إجمالي الناتج المحلي السنوي للبلاد تأثراً كبيراً بمستويات إنتاج النفط وتقلب أسواق الطاقة العالمية. تخلق صادرات النفط حالة “المرض الهولندي” في اليمن، حيث تضخم قيمة العملة الأجنبية الناتجة عن مبيعات النفط من قيمة العملة المحلية، مما يعوق تطوير القطاع الخاص لحالة نمو موجه نحو التصدير. كما أن ارتفاع قيمة الريال اليمني جعل الاستيراد أرخص نسبياً، مما أعاق تطور الصناعة المحلية. تترك هذه العوامل مجتمعة اليمن معتمداً على الاستيراد بالنسبة لمعظم السلع.

ثمة العديد من التحديات الأخرى لتطوير القطاع الخاص، بما في ذلك العوائق البيروقراطية وضعف البنية التحتية وقلة مهارة القوى العاملة إلى حد كبير، بالإضافة إلى تردي المناخ الاستثماري والافتقار إلى التمويل، واعتماد الاقتصاد المفرط على النفط، وانتشار الفساد، وضعف الدولة، والنخبة الباحثة عن الريع وذات المصلحة الراسخة في خنق الإصلاحات.

وقد شهدت السنوات الـ25 الماضية بعض التقدم: فقد تمت إزالة بعض حواجز الاستيراد وجرى تبسيط الرسوم الجمركية؛ وأدت الإصلاحات في تسجيل الأعمال التجارية والقضاء على متطلبات الحد الأدنى لرأس المال إلى خفض الوقت والتكلفة اللازمة لبدء نشاط تجاري؛ وجرى تخفيض ضرائب الشركات بشكل كبير ومتناسق؛ كما حدث انخفاض ملحوظ في المنازعات المتعلقة بالعقارات؛ وافتُتحت سوق للخدمات البنكية الإسلامية؛ وأنشأت الحكومة سجلاً ائتمانياً وقدمت قانوناً بنكياً للتمويل الأصغر.

ومع ذلك، فإن آثار النزاع الجاري، والذي بدأ في عام 2014 واحتد بشكل كبير في عام 2015، كانت مدمرة. وقد تقلص الناتج الاقتصادي بنسبة تراكمية بلغت 40.5% منذ عام 2015. وأدى تعليق صادرات النفط إلى إضعاف الإيرادات العامة وقطع إمدادات البلاد الأساسية من العملات الأجنبية. بدوره أدى استنزاف الاحتياطيات وأزمة السيولة النقدية المحلية إلى قيام البنك المركزي اليمني بوقف معظم مرتبات القطاع العام في أغسطس / آب 2016 وإنهاء تمويل الواردات. إلى جانب نقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في سبتمبر / أيلول 2016، أعاقت هذه الأزمة قدرة البنك المركزي اليمني على حماية قيمة الريال اليمني. وبذلك انخفضت قيمة الريال من 215 ريالا مقابل الدولار الواحد في بداية النزاع إلى 490 ريالا مقابل الدولار عند كتابة هذه السطور.

مع انخفاض قيمة العملة، ارتفعت أسعار الواردات وانخفضت القوة الشرائية للفرد. كما تأثر سعر الواردات بشدة بسبب الحصار البحري الذي فرضته قوات التحالف الذي تقوده السعودية – وحالياً العملية العسكرية المزمع القيام بها لاستعادة السيطرة – على الموانئ الغربية للبلاد (ولا سيما الحديدة والصليف) مما أدى لانخفاض كبير في النقل التجاري والإنساني عبر هذه الموانئ، وزيادة وقت وتكلفة نقل الواردات التي تمر عبرها. كل هذه العوامل سهّلت الوضع الحالي اليوم، حيث يعيش 8.4 مليون يمني على حافة المجاعة و22 مليون بحاجة ماسة إلى الدعم الإنساني، فيما وصفته الأمم المتحدة بأكبر كارثة إنسانية في العالم.

كان من أسباب تزايد التكاليف على الشركات انعدام الأمن وندرة مدخلات الأعمال، في حين تسببت خسارة قاعدة العملاء والطلب وانخفاض القوة الشرائية العامة بخسائر في الإيرادات المالية. كما أن التأذي المادي الذي لحق بالبنية التحتية العامة والخاصة أضر بشدة بقدرة الشركات على العمل. اعتباراً من عام 2017، أدت هذه الخسائر المرتبطة بالنزاع إلى قيام شركات القطاع الخاص ​​بخفض ساعات العمل إلى النصف وسطياً، في حين بلغت نسبة تسريح العمال 55% من إجمالي القوة العاملة، بينما أكثر من ربع شركات القطاع الخاص العاملة في الصناعة والتجارة والخدمات توقفت عن العمل. كما أن نقص العملات الأجنبية وأزمة السيولة بالعملة المحلية وضعت المستوردين أمام تحديات وتكاليف متزايدة. ولكن حتى في مواجهة هذه التحديات، لا يزال القطاع الخاص اليمني أحد العوامل الرئيسية التي تمنع تدهور الحالة الإنسانية الملحة في اليمن إلى وضع أسوأ بكثير، وذلك بسبب دوره في تسهيل استيراد الغالبية العظمى من الغذاء والوقود في البلاد.

في دراسات سابقة حول تأثير النزاع على القطاع الخاص في الدولة، تبين أن الحرب تميل إلى خلق فراغ في السلطة يتيح المجال للتجارة غير الشرعية وصعود “اقتصاد الحرب”، حيث يتلقى العاملون في السوق السوداء والرمادية مبالغ كبيرة من السيولة، ويخرجون بذلك من قطاعات الاقتصاد الرسمي. وحتى بعد تحقيق السلام، ستبقى الشكوك بشأن متانة هذا السلام تثني المستثمرين عن المغامرة في البلاد، كما جرى تقليدياً، ولا سيما فيما يتعلق بالاستثمارات في الأصول الثابتة وغير السائلة. لكن بدون تطوير القطاع الخاص سيبقى من المستبعد للغاية حدوث إعادة إعمار أو تحقيق أي استقرار اجتماعي واقتصادي واجتماعي بعد انتهاء النزاع.

لا يمكن أن يُتوقع من القطاع الخاص الأولي أن يعيد بحد ذاته تطوير النمو الاقتصادي ودفعه مباشرة بعد حل النزاع. وهكذا، تقدم هذه الورقة التوصيات التالية إلى الحكومة اليمنية وأصحاب المصلحة الدوليين بشأن التدخلات الاقتصادية اللازمة لتحفيز تطوير القطاع الخاص بعد النزاع في اليمن.

أبرز التوصيات

·        يجب أن تكون التدخلات حساسة للنزاعات. لقد أدى النزاع المتعدد الأوجه والمتواصل في اليمن إلى إضعاف الدولة الرسمية ونشاط القطاع الخاص الرسمي، مما سمح بظهور لاعبين جدد في اقتصاد الحرب. لذا يجب التحقق من التدخلات المبكرة لضمان عدم تمكينها الجهات المنخرطة في النزاع والمفسدين المحتملين للسلام من الحد من تطوير القطاع الخاص الرسمي وتهديد الاستقرار الاقتصادي الاجتماعي الشامل. ينبغي على الأطراف الفاعلة الدولية التي تتدخل على أرض الواقع إنشاء آلية شاملة تشارك فيها الجهات الفاعلة التجارية المحلية بشكل هادف من أجل توفير دعم قوي في تعزيز بناء السلام وتمكين البيئات التجارية الملائمة.

·        بناء قدرات الأعمال المحلية لتنفيذ البرامج وخلق فرص العمل. يجب أن يعمل أصحاب المصلحة لضمان امتلاك الشركات المحلية للأدوات والمهارات اللازمة للاستفادة من التدخلات الدولية. وينبغي أن يشمل ذلك تسهيل نقل المعرفة، وخاصة المعرفة المتعلقة باستخدام التكنولوجيا في الأعمال التجارية، من خلال توفير برامج تعليم وتدريب للقوى العاملة في اليمن.

·        ينبغي أن يكون القطاع الزراعي هدفاً لأي تدخل مبكر. فالزراعة، التي كانت توظف الجزء الأكبر من القوى العاملة اليمنية قبل النزاع، تأثرت بشكل خاص بديناميكيات الحرب في اليمن، ويجب أن تكون هدفاً لأي تدخل مبكر لتعزيز الاقتصاد. على سبيل المثال، يمكن إنشاء برامج لدعم الأعمال التجارية الصغيرة في الزراعة وتقديم التدريب والمساعدة الفنية للمزارعين وكل من يأمل في إنشاء مشاريع صغيرة ومستدامة ذاتياً.

·        استهداف الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال. على الجهات الفاعلة الخاصة مساعدة الحكومة والمانحين الدوليين في تطوير آليات مالية مشتركة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) وحاضنات الأعمال. كما ينبغي أن تستهدف هذه الإجراءات النساء والشباب على وجه التحديد، وأن تساعدهم على بدء الأعمال التجارية، نظراً لضعف تمثيل هذه المجموعات في أنشطة القطاع الخاص.

·        ضمان وصول القطاع الخاص إلى التمويل. على المدى القصير، ينبغي للحكومة اليمنية وجميع أصحاب المصلحة المعنيين دعم العودة الكاملة للقطاع المالي الفعال، بما في ذلك تثبيت البنك المركزي اليمني. على المدى الطويل، ينبغي توجيه الجهود لقيادة الإصلاحات في اللوائح البنكية وضمان وجود منصة مناسبة للمستثمرين الأجانب لإنشاء بنوك في البلاد، فضلاً عن تأمين تدفق التحويلات. وفي هذا الصدد، ينبغي على الحكومة اليمنية إنشاء آلية لضمانات الاستثمار لجذب تحويلات المغتربين اليمنيين للمساهمة في الانتعاش الاقتصادي الوطني.

·        يجب أن تكون مؤسسات التمويل الأصغر ذات الخبرة في اليمن هدفاً رئيسياً لجميع أصحاب المصلحة لدفع المزيد من الشمول المالي في جميع أنحاء اليمن. كما ينبغي تمكين البنوك وشركات التمويل الأصغر من تقديم خدمات مالية للأفراد وخدمات إدارة النقد للشركات الصغيرة. علاوة على ذلك، ينبغي تعزيز الخدمات البنكية عبر الهاتف المحمول في اليمن لتوسيع نطاق الوصول إلى المقترضين ذوي الدخل المنخفض.

·        إصلاح بيئة الأعمال. يجب على الحكومة إنشاء نظام ضريبي مناسب للأعمال، ومؤسسات مكافحة الفساد، وتشجيع الاستثمارات عبر تخفيف بعض اللوائح التي تقيد الاستثمارات الأجنبية وتثبط الشركات الناشئة. على وجه الخصوص، على الحكومة التعامل والاستثمار في القطاعات التحويلية مثل النقل والخدمات المالية والاتصالات والسياحة وإنتاج الطاقة وتجهيز الأغذية وتوزيعها.

أغسطس 29, 2018

تعتبر المجالس المحلية من أهم المؤسسات الرسمية اليمنية، فهي مسؤولة عن توفير الخدمات العامة الأساسية لملايين اليمنيين، كما تمثل الحكم الرسمي والدولة اليمنية لشريحة ضخمة من السكان، إلا أن تفاقم النزاع منذ آذار / مارس 2015 قوض قدرة هذه المجالس على العمل بفعالية في معظم أنحاء البلاد. تعتمد المجالس المحلية بشكل كبير على التمويل الحكومي وبدرجة أقل على الإيرادات المحلية كالرسوم على المرافق الأساسية والهاتف، لذلك أدى الانهيار الاقتصادي السريع الذي شهدته البلاد، والانخفاض اللاحق في الإيرادات الحكومية وضعف قدرات البنك المركزي، إلى إضعاف قدرة المجالس المحلية على العمل. كما ساهم عدم دفع أجور موظفي الخدمات المدنية وانخفاض القدرة الشرائية لليمنيين في تفاقم الأزمة الإنسانية، وتحجيم قدرة المجالس المحلية على جمع الموارد.

وبشكل عام، ترك نقص الموارد المجالس المحلية عبر اليمن عاجزة عن العمل بكامل قدراتها أينما وجدت. الاستثناءات البديهية لهذه القاعدة كانت في محافظتي مأرب وحضرموت اللتان تتمتعان باستقرار أكبر وموارد مرتفعة نسبياً. المجالس المحلية هناك تعمل بدرجة أعلى من مثيلاتها. كما تلقت بعض المجالس المحلية، كتلك المتواجدة في محافظتي إب وحضرموت، تبرعات من رجال أعمال يمنيين مما ساعد على استمرار عملها إلى حد ما.

تزايد وتيرة العنف والاضطراب منذ أذار/مارس 2015 فاق قدرة الشرطة المحلية والسلطة القضائية – المؤسسات التي كانت توفر في السابق درجة من حفظ النظام محلياً – وبالنتيجة حظيت المجالس بحماية متواضعة أثناء عملياتها، ومع تآكل قدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات العامة، تراجعت ثقة المدنيين بالمجالس المحلية وبالدولة نفسها، فقد أدى غياب الحكم الرسمي الفعال في العديد من المناطق إلى إيجاد أرضية خصبة لجهات فاعلة غير رسمية لتفرض سلطتها حتى على المجالس المحلية.

من جانب آخر قُيدت قدرة المجالس على الإدارة الذاتية والمناورة في مناطق سيطرة الحوثيين نظراً لتبني الحوثيين وتطبيقهم لمركزية السلطة وبالتالي العمليات المحلية كتقديم المنح والمساعدات الإنسانية صارت تدار مركزياً من قبل الحوثيين، وبإشراف عناصر حوثية عن كثب على أنشطة المجالس المحلية.

وبالرغم من أن التدخلات في عمل المجالس أكثر تكرراً في مناطق سيطرة الحوثيين، تواجه تلك المجالس تدخلات في باقي المناطق. ففي عدن وهي نموذج واضح لذلك تكون المجالس المحلية أكثر عرضة لتدخلات القوى المتنافسة التي تخوض دورات من الصراع على السلطة بين كيانات جنوبية ذات نزعة انفصالية وبين الحكومة المعترف بها دولياً.

وبأخذ الدور الجوهري الذي كانت تلعبه المجالس المحلية في توفير الخدمات العامة، تثير قدرتها المحدودة حالياً قلقاً بالغاً وسط تصاعد الاقتتال وتفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن.

وبالرغم من ضعف أداء غالبية المجالس المحلية اليمنية حالياً، إلا أنها تظل أداة مهمة للمجتمعات التي تمثلها، خاصة فيما يتعلق بتنسيق عمليات الإغاثة مع المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية. وفي كل مراحل الصراع، كانت المجالس منخرطة بشكل مباشر في تخفيف التوتر وتسوية النزاعات، مستفيدة من معرفتها العميقة بالديناميكيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقبلية المحلية المعقدة لتنسيق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمرور الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية عبر الخطوط الأمامية.

وبغض النظر عن المسار العسكري، من الضروري ألا يعمل اللاعبون (المحليون والإقليميون والدوليون) على منع انهيار السلطة المحلية فحسب، بل عليهم أن يرتبوا مسبقاً لدعم القدرات الاستيعابية للمجالس المحلية في سيناريوهات ما بعد الحرب.

قبيل تصاعد الصراع الحالي، أيدت عدة أحزاب بناء نموذج لامركزي للحكم في اليمن، وكما جرى في مؤتمر الحوار الوطني على سبيل المثال، أدى الصراع من غير إدراك إلى تحريك سلسلة من عمليات اللامركزية والأقلمة، فبينما يتجزأ اليمن أكثر فأكثر، توضع المصالح والمطالب المحلية فوق كل اعتبار، ووسط غياب السلطة المحلية، برزت نماذج فعالة من الحكم المحلي، لاسيما في محافظتي مأرب وحضرموت. سيتوجب رسم نظام حكم جديد في مرحلة من المراحل لعكس الواقع الحالي على الأرض. والمجالس المحلية هي ضمن المؤسسات الأفضل تجهيزاً وبناءً لدعم الانتقال من نظام الدولة المركزية الحالي إلى نموذج جديد.

 توصيات هامة:

  • على الجهات المعنية الإقليمية والدولية تنسيق الجهود لإعادة البنك المركزي اليمني كياناً وطنياً موحداً يعمل بكامل طاقته ويستطيع تسهيل دفع رواتب القطاع العام والتكاليف التشغيلية للمجالس المحلية بغض النظر عن موقعها الجغرافي ونطاق السيطرة الذي تقع فيه.
  • على المجتمع الدولي اتخاذ تدابير بناءة لوضع آلية تنسيق بين الأطراف المتحاربة تسمح بجمع إيرادات الدولة – مثل الضرائب والجمارك – على الصعيد الوطني، وذلك لإعادة إطلاق الخدمات العامة في جميع المجالات.
  • على الحكومة اليمنية أن تخصص موازنة اضافية للمجالس المحلية، وينبغي استخدام الصندوق الاجتماعي للتنمية كمؤسسة وسيطة لتوجيه الإيرادات المخصصة إلى السلطات المحلية والاشتراك في تنفيذ المشاريع المرتبطة بتوفير الخدمات العامة.
  • على المانحين الدوليين والمنظمات الدولية اشراك المجالس المحلية كلاعب أساسي في إيصال الدعم المادي للمكونات المحلية الأخرى، وتقوية مكانتهم من خلال التواصل معهم، سيؤدي ذلك إلى تعميق فهم هذه المجالس للسياق المحلي وزيادة شرعيتها وتخفيز المجتمعات المحلية على التوحد في ظل سلطة سياسية واحدة. ويتوجب أن يشمل الدعم المالي آلية مراقبة عن بعد لتجنب الاستخدام الخاطئ للموارد.
  • على الحكومة اليمنية إصدار تعليمات تنظيمية مؤقتة لنقل المسؤوليات بشكل رسمي إلى مستوى المحافظة والمديرية، من ذلك مثلاً:
    • السماح للمجالس المحلية بالوصول إلى موارد مستدامة وتطويرها على المستوى المحلي وإنفاق الإيرادات المرتبطة بها على احتياجاتها.
    • تخصيص حصة من الموارد السيادية لكل محافظة على أساس معايير مالية شفافة.
    • ضمان حصول المجالس المحلية على صلاحيات إدارية كافية للإشراف على تقديم الخدمات، والحماية الفعالة، وردع شبكات المحسوبية المحلية.
    • السماح للمجالس المحلية بتسمية القادة في المناصب الرسمية في دوائر الأمن المحلية والإشراف على حسن أداء هذه الوحدات.
    • منح السلطات المحلية صلاحية العمل مع الجهات المانحة الدولية لتلبية الاحتياجات الإنسانية والإنمائية على المستوى المحلي.
  • على اللاعبين الدوليين دعم برامج بناء القدرات المحلية لتمكين القضاء المحلي وزيادة احترافية الأجهزة الأمنية المحلية.
  • على دول الإقليم الامتناع عن التدخل في أنشطة السلطة القضائية والأمنية المحلية، وعن إنشاء كيانات منافسة موازية من شأنها أن تقوض شرعية الدولة.
  • على جميع اللاعبين تشجيع أشكال الحكم المحلي الشامل للجميع والتصاعدي من القاعدة إلى القمة للحد من جاذبية الجھات غير الحكومية كبدائل للدولة الرسمية.
  • أخيراً ينبغي إجراء تقييم شامل للجماعات والأفراد الذين لهم سلطة فعليه على مستويَي المحافظة والمديرية – بما في ذلك تقييم قاعدة الدعم المحلي لهم وقدرتهم على تقديم الخدمات العامة – لوضع استراتيجيات مستنيرة لاستعادة وظائف الدولة بعد انتهاء النزاع.
يوليو 29, 2018

فرض النزاع الدائر في اليمن تكاليف جمة على اليمنيين، ملحقاً أضراراً في الأرواح والممتلكات والبنى التحتية وانهياراً في اقتصاد البلاد الذي كان هشاً أصلاً قبل بداية النزاع. ومع ذلك فإن النزاع سينحسر عاجلاً أم آجلاً ومع ذلك فإن النزاع سينحسر عاجلاً أم آجلاً. وبالرغم من بدء تنفيذ بعض مشاريع إعادة الاعمار، إلا أنها بدأت بشكل عشوائي وليس كجزء من عملية شاملة ومنظمة، وعليه فإن على جهود إعادة الإعمار اللاحقة أن تتناول الاحتياجات والحقوق الأساسية للسكان اليمنيين وأن تضع البلاد على مسار السلام والتنمية المستدامين.

يتفحص هذا التقرير أدبيات إعادة إعمار ما بعد النزاع ويستخلص الدروس من تجارب إعادة الإعمار في أفغانستان والعراق ولبنان، بالإضافة إلى جهود إعادة الإعمار المتكررة بعد مختلف الأزمات السابقة التي مر بها اليمن.

لقد كانت الجهود الماضية في اليمن في أعقاب الكوارث والنزاعات ظرفية ومحكومة برد الفعل، وقد أظهرت الحكومة اليمنية محدودية في استيعاب المساعدات وضعفاً في تنفيذ المشاريع. إلا أن الجهات المانحة كانت جزءاً من هذه النتائج السيئة إلى حد ما، حيث دأبت على التحايل على الدولة وصرف المساعدات مباشرة، وبالتالي ضمنت عدم تطوير الدولة لأية سلطة أصيلة لإدارة إعادة الإعمار على المدى الطويل. وعلاوة على ذلك، كثيراً ما فشلت المخصصات المالية الفعلية من جانب المانحين في تلبية الالتزامات الأولى التي تعهدوا بها في بداية الأمر.

بالاستناد إلى الدروس المستخلصة من جهود التعمير السابقة، يقترح هذا التقرير هيكلاً مؤسسياً لهيئة إعادة إعمار مستقبلية في اليمن تتمتع بالديمومة والاستباقية. ذلك أن الحرب نالت من قدرة الحكومة على تقديم الخدمات وساهمت في تفاقم التفكك المناطقي والطائفي، ما يجعل من غير العملي الاعتماد فقط على الهيئة العامة لإعادة إعمار ما بعد النزاع في جميع أنحاء اليمن. لذلك ينبغي لليمن اتباع نهج مؤسسي مختلط ومتعدد المستويات لإعادة الإعمار مع التنسيق الوثيق بين جميع أصحاب المصلحة.

أهم التوصيات

·        على اليمن أن يقوم استباقاً بإنشاء هيئة دائمة ومستقلة وعامة للتعمير بموجب مرسوم رئاسي.

·        يجب أن تتمتع الهيئة العامة لإعادة الإعمار بولاية واضحة لتنسيق جهود إعادة إعمار ما بعد النزاع أو ما بعد الكوارث، بما في ذلك التخطيط الاستراتيجي وتصميم السياسات؛ وتنظيم التمويل وجمع الأموال؛ والتنسيق مع السلطات المركزية والمحلية، والمنظمات الدولية، والجهات المانحة، وأصحاب المصلحة المحليين (من خلال عملية تنافسية تسمح لوحدات القطاع العام وشركات القطاع الخاص بالتنافس في المناقصات)؛ وإجراء رقابة وتقييم مستمرين لمستوى الشفافية والمساءلة.

·        يجب أن تكون لدى الهيئة العامة لإعادة الإعمار بروتوكولات خاصة بها للتوريد والتوظيف ودفع الرواتب.

·        يجب أن تتمتع الهيئة العامة لإعادة الإعمار بالقدرة على إنشاء مكاتب إعادة اعمار محلية فور وقوع أية كارثة أو انتهاء أي نزاع.

·        يتم تمكين مكاتب إعادة الاعمار المحلية بشكل كامل من إدارة مشاريع ذات نطاق معين ضمن مجالات اختصاصها، بما في ذلك التقييم والتخطيط والتمويل المحلي وجمع الأموال وتنفيذ المشاريع والمراقبة والإبلاغ والتنسيق.

·        على هذه الهيئة أن تضع إطار عمل واضح للعمل مع جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك تنسيق المشاريع طويلة الأجل والاستراتيجية مع الحكومة اليمنية.

·        على الهيئة العامة لإعادة الإعمار إنشاء صندوق جماعي لجميع المانحين، سواء أكان يدار من قبل الهيئة العامة لإعادة الإعمار نفسها أو تشترك في إدارته هيئة إعادة الإعمار ومصرف إنمائي دولي أو إقليمي يعمل كوصي على الصندوق.

·        على هيئة إعادة الإعمار أن تنشئ وحدتها الخاصة للرقابة والتقييم جنبا إلى جنب مع الكيانات الحكومية اليمنية القائمة، وذلك باستخدام نظامها الداخلي للرقابة والتقييم.

·        ينبغي أن يشمل مجلس إدارة الهيئة العامة لإعادة الإعمار ما يلي: ممثلين من مجتمع المانحين (من دول مجلس التعاون الخليجي والجهات المانحة الدولية الأخرى)، وممثلين عن مجلس الوزراء، مع تمثيل عن القطاع الخاص بالإضافة إلى مدير تنفيذي. وينبغي أن يرأس المجلس نائب رئيس الوزراء لضمان حصوله على أعلى مستوى من الدعم.

·        يجب أن تكون مسؤوليات مجلس الإدارة منصوص عليها بوضوح في المرسوم المنشئ للمكتب. ينبغي أن تقتصر هذه المسؤوليات على التوجيه والإشراف على المستوى الاستراتيجي، بما يضمن امتلاك الإدارة التنفيذية لهيئة إعادة الإعمار المرونة المطلوبة لتنفيذ المشاريع بشكل فعال.

·        يجب أن يتبع مجلس إدارة هيئة إعادة الإعمار عملية تنافسية وشفافة وقائمة على الجدارة لتعيين مديره التنفيذي ومديري مكاتب إعادة الاعمار المحلية وجميع الموظفين.

·        على هيئة إعادة الإعمار أن تسعى إلى إشراك المهنيين والمواطنين اليمنيين في جميع القطاعات الاقتصادية على المستويات المركزية والمحلية لتسهيل الأعمال الفنية لإعادة الإعمار.

من هنا تحميل الورقة كاملة

مايو 29, 2018

عن ماذا تبحث