يشهد قطاع التمويل الأصغر في اليمن تحولاً جذرياً؛ فعلى الرغم من النجاح المبدئي في تمكين الشركات الصغيرة، كشف الصراع المستمر عن نقاط ضعف هيكلية في هذه المنظومة. ورغم أن التنافس بين البنكين المركزيين المنقسمين (في عدن وصنعاء) أدى إلى زيادة منح تراخيص لبنوك التمويل الأصغر مما يَعِد بتوسيع نطاق الشمول المالي وتعميم الخدمات المالية، لا تزال هناك شواغل جدية بشأن الاستدامة المالية والاستقرار المالي على المدى الطويل.
هناك العديد من العوامل الأخرى التي تدفع شركات الصرافة القائمة إلى التحوّل إلى بنوك للتمويل الأصغر، وتشمل هذه العوامل: تراجع الثقة في النظام المصرفي التقليدي، ونمو القطاع المالي غير الرسمي، ومراوغات شركات الصرافة نفسها. بالإضافة إلى ذلك، فإن متطلبات أو اشتراطات الدخول في قطاع التمويل الأصغر الأقل تعقيداً مقارنة بالقطاع المصرفي التقليدي تجعل التحوّل إلى بنوك تمويل أصغر خيارًا جذابًا لمثل هذه الشركات.
لنموّ عدد البنوك العاملة في قطاع التمويل الأصغر تحدياته الخاصة، حيث أدى الانقسام الحاصل في البنك المركزي اليمني إلى خلق ساحة تنافس غير متكافئة، مما يعيق الجهود الرامية الى تحقيق الشمول المالي. فإصدار التراخيص بسرعة خلال إطار زمني قصير دون تخطيط سليم يهدد الاستقرار المالي، هذا إلى جانب البُعد الجغرافي والبنية التحتية الضعيفة التي تجعل من وصول سكان الريف لهذه الخدمات أمراً صعباً ومكلفاً. كما أدى عدم الإلمام بالمسائل المالية وعدم اعتياد سكان بعض المناطق على أخذ القروض إلى زيادة تعقيد عملية اكتساب العملاء.
استقطاب موظفين غير متمرسين في بنوك التمويل الأصغر المنشأة حديثاً يثير القلق بشأن وجود خبرات في مجال التمويل الأصغر وممارسات الإقراض المتسمة بالمسؤولية. ومن ثم تلوح في الأفق فكرة “الانحراف عن المهمة” التي أنشئت من أجلها، حيث تولي بنوك التمويل الأصغر أولوية للعملاء الذين يسهل الوصول إليهم في المدن الرئيسية على حساب سكان الريف المحرومين من الخدمات المصرفية. ويمكن أن تؤدي المنافسة المحتدمة إلى وجود ممارسات غير مستدامة، مثل الإقراض المفرط، مما يعرض العملاء أنفسهم المستهدفين بخدمات هذه المؤسسات للخطر.
بالرغم من تلك التحديات، تمتلك بنوك التمويل الأصغر إمكانات هائلة حيث تستطيع سد الفجوة القائمة في الشمول المالي وتمكين رواد الأعمال من سكان الريف المحرومين عادة من الخدمات المصرفية. وعلى عكس مؤسسات التمويل الأصغر التقليدية التي تعتمد على الجهات المانحة، تعتمد بنوك التمويل الأصغر نموذجاً للتمويل المستدام عبر الاستفادة من مدخرات العملاء. كما يُتيح الإطار التنظيمي لبنوك التمويل الأصغر في اليمن تقديم خدمات مالية أوسع مقارنة بالدول العربية الأخرى.
هناك حاجة إلى بذل جهد تعاوني من جانب البنك المركزي اليمني وبنوك التمويل الأصغر والجهات المانحة الدولية على حد سواء، من أجل ضمان مستقبل مستدام لهذا القطاع. يتعيّن على البنك المركزي اليمني تعليق إصدار التراخيص لبنوك التمويل الأصغر المنشأة حديثاً بصفة مؤقتة لحين إجراء تقييم شامل للوضع الحالي؛ ولابد من تعزيز الإطار التنظيمي لبنوك التمويل الأصغر، مع التركيز على تهيئة بيئة للتنافس العادل، وإدارة المخاطر، وحماية مصالح العملاء.
قد يؤدي دمج بنوك التمويل الأصغر وتوسيع نطاق الأنشطة المصرفية لتشمل الفئات الفقيرة أو ذات الدخل المحدود إلى نشوء مؤسسات أقوى وقطاع مالي أكثر كفاءة. على بنوك التمويل الأصغر نفسها أن تعمل على تطوير نماذج مستدامة لأعمالها وتطوير قدراتها من خلال تنفيذ برامج التدريب واعتماد الوسائل التقنية. كما أن التعاون في وضع استراتيجيات تواصل مع العملاء في المناطق الريفية عامل بالغ الأهمية، حيث قد يعزز الاستفادة من حلول التكنولوجيا المالية (FinTech). فضلا عن ذلك، من المهم وضع أطر فعالة لإدارة المخاطر ونظام وطني للمعلومات الائتمانية باعتبار ذلك عنصرًا جوهريًا لمنع الإفراط في الاستدانة. وأخيرا، يعد تبادل المعرفة ورصد الأثر ضروريين لتحقيق تحسن مستمر وتوجيه عملية صنع القرارات المبنية على البيانات المتوفرة.
تطرح بنوك التمويل الأصغر فرصًا وتحديات في القطاع المالي باليمن، لكن بإمكانها أن تصبح محركًا قويًا للشمول المالي والنمو الاقتصادي والحد من الفقر في البلاد من خلال معالجة المعوقات القائمة وتنفيذ استراتيجية شاملة تعزز من قطاع التمويل الأصغر.
تواجه المجتمعات الزراعية في اليمن موجة حقيقية من التهديدات البيئية المتزايدة وسط الصراع الذي طال أمده في البلاد. إذ تتسبب الفيضانات والسيول المفاجئة في تدمير المزارع والمحاصيل الزراعية وأنظمة الري، وتهدد الأمطار التي تأتي على نهاية الموسم الزراعي بإغراق المحاصيل، كما أن انغمار الحقول الزراعية بالمياه يُعيق نمو جذور النباتات. وتعاني المناطق الساحلية من زيادة الملوحة في التربة فضلًا عن العراقيل التي تسببها الطرق المدمرة والآبار الجوفية المطمورة أمام جهود التعافي. وبما أن لهذه الفيضانات وتغيّر أنماط هطول الأمطار انعكاسات سلبية على المحاصيل والغلال، فإن المزارعين في اليمن يكافحون للحفاظ على سُبل عيشهم في وقت يعتمد أكثر من نصف سكان البلاد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. من ناحيةٍ أخرى، تغيّر الفيضانات تضاريس الأرض وتمحو معالم وحدود الملكيات للأراضي وقنوات الري، مما يخلق توترات في أوساط المجتمعات ويؤدي إلى نزوح المجتمعات المحلية من مناطقها والتي أحيانًا تكون قد هُجرت بسبب الحرب. إدارة الفيضانات التقليدية تتعرض لضغوط من حيث الإهمال والتدخلات العشوائية وغير المنسقة وضعف التعاون المجتمعي، فضلًا عن الفجوات المستمرة في البيانات المتوفرة التي تعتمد على بيانات تقديرية عفا عليها الزمن مع محدودية القدرة على الرصد.
تستخدم الجهات الفاعلة المعنية استراتيجيات مختلفة للتغيير والتكيّف. لدى بعض المجتمعات المحلية القدرة على تحويل مسار تدفقات فائض المياه والتعاون في جهود إعادة الإعمار. بينما تساعد عدد من المنظمات غير الحكومية في تأهيل وإصلاح الأراضي المتدهورة وإنشاء أنظمة الإنذار المبكر، بينما ساعد القطاع الخاص في تحسين جانب من عمليات الرصد لمعالجة الثغرات في البيانات الحكومية. غير أن السياسات غير المتسقة، والافتقار إلى التنسيق بين الأطراف والجهات ذات العلاقة، والقيود المفروضة على مشاركة المرأة، إلى جانب الصعوبات المالية واسعة النطاق، عوامل تقوّض الإدارة الشاملة للمخاطر.
في هذا السياق، تبحث هذه الورقة في تأثير الفيضانات على المجتمعات الزراعية بالاستناد على مناقشات ونتائج ورشة عمل ضمن مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن التي ضمت ممثلين من مختلف المحافظات اليمنية. كما تقدم تحليلًا لآثار الفيضانات، وتستعرض تدابير وإجراءات الوقاية والتخفيف والتكيف المحليّة. وتختتم الورقة بتوصيات سياساتية للتخفيف من حدة الفيضانات وتأثيرها على المجتمعات الزراعية، وتعزيز حالة الأمن الغذائي والمائي، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
يقدّم موجز السياسات هذا توصيات لتمكين السلطات المحليةّ من تقديم الخدمات وقيادة عملية التنمية الاقتصادية المحلية في اليمن بشكل أكثر فاعلية، ويستعرض الموجز ثلاثة مسارات حالية تسعى إلى تمكين المحلّيات في اليمن، لاستخلاص الدروس المستفادة والتحديات والفرص المناسبة.
ويُبرز تحليل الجهود الحاليّة أهمية بناء التوافق بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية لتحقيق النجاح في تمكين المحليات، كما يُبرز أهمية حلّ المخاوف السياسية وتحقيق مستوى من الإجماع السياسي في حدّه الأدنى؛ لتتمكن هذه الجهود من المضيّ قدماً. كما يُظهر، من خلال الجهود الحاليةّ، الحاجة إلى معالجة التحديات المتعلقة بالتمويل وتعزيز الشفافيّة والمساءلة وتطوير القدرات البشرية على المستوى المحليّ
وعليه، توصي هذه الورقة بأهمية وضع مبادئ توجيهية لتوزيع السلطات والصلاحيات بين المركز والمحليات بشكل دقيق وواضح، والاستفادة من إمكانات القطاع الخاص لدفع النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتقديم الخدمات، والاستثمار في المحليات، وأخي اًرً تشجيع الشراكات بين المنظمات الدولية والمانحين والسلطات المحلية؛ لتمكين المحليات من تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية المحلية
منذ أبريل/ نيسان 2022، تحولت الحرب في اليمن من صراع خلّف خسائر وعدد كبيرة من الضحايا إلى حالة من الجمود المستمر مع ما شهدته جبهات القتال من هدوء نسبي. تحوّل الصراع اليوم إلى حرب محورها الاقتصاد، حيث تستغل جماعة الحوثيين (حركة أنصار الله) المفاوضات الجارية وقوتها العسكرية لممارسة ضغوط مالية على الحكومة المعترف بها دوليًا. تتسم المرحلة الراهنة بتوسّع الحرب الاقتصادية مع قيام سلطات الحوثيين بتضييق الخناق على الأنشطة التجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أجج سخط واستياء عام نتيجة انهيار الخدمات العامة وتدهور قيمة العملة في تلك المناطق.
تتناول هذه الورقة بالتفصيل الظروف التي ساهمت في تراجع تدفقات الإيرادات العامة للحكومة المعترف بها دوليا، وتُحدّد السبل المحتملة لاستعادتها. تستند التفاصيل الواردة في الورقة إلى دراسات أجرتها الوحدة الاقتصادية لمركز صنعاء وإلى المشاورات والمناقشات المنبثقة عن الاجتماع التاسع لمنتدى رواد التنمية، الذي عُقد في الفترة من 24 إلى 26 مايو/ أيار في عمّان – الأردن في إطار مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.[1] تباحث المشاركون آنذاك السبل المحتملة للتخفيف من تداعيات الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة واقترحوا إجراء المزيد من دراسات الجدوى حول مصادر الإيرادات المحتملة الأخرى المُمكن استغلالها.
لا يُتوقع أن يكون للتدابير المطروحة في هذه الورقة تأثير سريع في زيادة العائدات المالية للحكومة دون رفدها بآليات أخرى، لكنها قد تخفف على الأقل من المأزق الحالي الذي تواجهه الحكومة وقد تساعدها على استعادة درجة من الثقة في قدرتها على إدارة الأزمة. في هذا السياق، يحتاج اليمن إلى تفعيل مسارين: ١) هدنة اقتصادية تفصل بين التنافس العسكري (الذي يشهد حالة من الجمود) وبين سبل كسب عيش ورفاه السكان المدنيين ممن أُلقي بهم في براثن الفقر واليأس. ٢) دعم مالي متواصل من السعودية والإمارات، بما يُتيح ترشيد الإيرادات والنفقات على المدى الطويل وضمان إدخال الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها.
[1] تهدف المبادرة إلى المساهمة في بناء السلام، ومنع نشوب الصراعات، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة من خلال بناء توافق في الآراء حول بعض السياسات الجوهرية. تُركز المبادرة على تعزيز الأصوات اليمنية وإشراكهم في النقاشات العامة المتمحورة حول التنمية والقضايا الاقتصادية وإعادة إعمار اليمن في مرحلة ما بعد الصراع، ويجري تنفيذها من قبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية و مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (كاربو) و شركة ديب روت الاستشارية، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي وسفارة مملكة هولندا لدى اليمن. تستند جميع الأرقام الواردة التي جمعتها الوحدة الاقتصادية لمركز صنعاء إلى إحصاءات الحكومة (ما لم يذكر خلاف ذلك).
لا يزال ضعف خدمات الكهرباء في اليمن عائقًا رئيسيًا أمام التنمية الاقتصادية المستدامة التي تفاقمت بسبب الصراع المستمر والأضرار المتعلقة بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء.
نظرًا لامتلاك اليمن مستويات عالية من الإشعاع الشمسي وأيضًا متوسط عالي من ساعات السطوع الشمسي اليومي على مدار السنة، تُعدّ الطاقة الشمسية بديلًا مناسبًا ومجديًا من حيث التكلفة مقارنة بإمدادات الكهرباء السائدة حاليًا والتي تعتمد على الوقود الأحفوري.
تبتدئ هذه الورقة بمقدمة حول إمداد الكهرباء في اليمن، وتستعرض بعد ذلك تطبيقات محددة لمشاريع الطاقة الشمسية وجدواها في إطار البيئة الهشة في اليمن. كما تنظر في إمكانية الشراكة مع القطاع الخاص في قطاع الطاقة الشمسية، وتقدم أخيرًا توصيات وخطوات عملية للتغلب على التحديات التي تواجه توسيع نطاق الاستثمارات في قطاع الطاقة الشمسية في اليمن.
ترى الورقة أن هناك حاجة ملحة إلى نقلة نوعية لمعالجة أزمة الطاقة في اليمن وبدء نشاط اقتصادي هادف، بدءًا من التركيز الحصري على محطات توليد الطاقة المركزية الكبيرة التي تعتمد على الوقود الأحفوري، إلى إعطاء الأولوية لمحطات توليد الطاقة المتجددة الموزعة الأصغر حجمًا التي يمكن أن توفر فرص عمل وسبل العيش لليمنيين، ومن التخطيط والتنفيذ المركزي إلى تمكين السلطات المحلية والفروع المحلية للمؤسسة العامة الكهرباء لتتولى للقيادة في هذا القطاع، ومن التركيز المفرط على دعم الأنظمة الشمسية الصغيرة المعزولة عن الشبكة التي توفرها المنظمات الدولية غير الحكومية والوكالات الإنمائية، إلى إعطاء الأولوية لتأسيس نماذج تمويل مبتكرة وكذلك التدخلات التي تخلق وتطور السوق وتدعم استدامة القطاع على نطاق واسع.
الكهرباء عماد أي اقتصاد وضرورة من ضرورات الحياة العصرية، وقد شكّل ضعف خدمات الكهرباء في اليمن منذ فترة ما قبل الحرب أحد العوائق المهمة أمام تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتوفير الخدمات الأساسية، مثل إمدادات المياه، الرعاية الصحية، التعليم، ويهدف موجز السياسات هذا إلى تحديد الأولويات القصوى لاستعادة خدمات قطاع الكهرباء وإصلاح القطاع بعد الحرب؛ إذ يبتدئ الموجز بخلفية حول قطاع الكهرباء والمؤشرات ذات الصلة بهذا القطاع قبل الحرب، ومن ثَم يناقش تأثير الحرب على أداء قطاع الكهرباء، ويختتم الموجز بمجموعة من الأولويات القُصوى التي تهدف إلى استعادة القطاع لقُدرات ما قبل الحرب، ومن ثَم مواصلة إصلاحات قطاع الكهرباء من أجل تحسين الأداء. وتشتمل التوصيات الفورية وقصيرة المدى على تبني خطة تعافٍ واقعية وعَمَلية، وتأمين التمويل لإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع، ومراجعة تعرفة الكهرباء، وتقليل معدّلات الفاقد الفني وغير الفني للكهرباء، وشراء الطاقة الكهربائية عند الحاجة من خلال عملية تنافسية وبالخيارات الأقلّ تكلفة، مثل الغاز والطاقة المتجدّدة، وتأمين إمدادات الوقود ورواتب موظفي القطاع، واستئناف جميع المشاريع العالقة، وإيجاد حلول مستدامة ومجدية لإمدادات الكهرباء في كلّ محافظة لتجنّب التحديات المرتبطة بمركزية شبكة الكهرباء، وتركيب أنظمة طاقة شمسية معزولة عن الشبكة ليمكن ربطها بشبكة الكهرباء عند استعادتها. أما الأولويات المتوسطة والطويلة الأجل فتشتمل على توصيات محدّدة في خمس فئات تتعلق بالتالي: ١) الإطار القانوني والتنظيمي؛ ٢) الترتيبات المؤسّسية؛ ٣) القدرات والأداء؛ ٤) مشاركة القطاع الخاص؛ ٥) القضايا الفنية.
كُتب هذا الموجز بناء على ورقة بحثية معمقة ومفصلة بالعنوان نفسه، ونُشرت في 25 مايو 2021، ويمكن الاطلاع عليها في موقع منتدى رواد التنمية أو عبر هذا الرابط.
تُدير وزارةُ الكهرباء والطاقة قطاعَ الكهرباء في اليمن، وتتحمّل مسؤولية وضع السياسات والخطط الاستراتيجية للقطاع، بينما تتولّى المؤسسةُ العامة للكهرباء مسؤوليةَ توفير الكهرباء وإدارة القطاعات الفرعية للتوليد، إضافة إلى عمليتي النقل والتوزيع. وتأسّست الهيئة العامة لكهرباء الريف عام 2009، وهي الهيئة المسؤولة عن كَهْربة المناطق الريفية التي تقع خارج المدن الرئيسية والثانوية. يوضح الشكل البياني أدناه العلاقات المتبادلة بين الجهات المختلفة في قطاع الكهرباء. وفيما يتعلّق بالإطار القانوني، كان قانون الكهرباء رقم 1 لسنة 2009 هو القانون الأساسي الذي يحكم أنشطة القطاع، وقد نصّ هذا القانون على عدد من الإجراءات الإيجابية والطموحة لإصلاح القطاع وتحسين أدائه، منها تقسيم المؤسسة العامة للكهرباء إلى ثلاث شركات: توليد ونقل وتوزيع، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلّة للتحكّم في أنشطة القطاع. ومع ذلك، لم يُتّخذ أي من هذه التدابير حتى الآن.

شكل بياني: العلاقات المتبادلة بين أصحاب المصلحة الوطنيين الرئيسيين
بدأت مشاركة القطاع الخاص في قطاع الكهرباء عام 2006، وقد اقتصرت بشكل أساسي على توليد الكهرباء. وبناءً على عقود قصيرة الأجل، قامت المؤسسة العامة للكهرباء بشراء الطاقة من المنتجين الخاصّين وزوّدتهم بالوقود اللازم للتوليد. كان دور القطاع الخاص بشكل أساسي هو توفير الدعم للمؤسسة العامة للكهرباء في سدّ فجوة الإمداد بالكهرباء. عام 2013 شكّلت حصّة الطاقة المشتراة نحو 38% من إجمالي التوليد في حين مثّلَ متوسط تكلفة الطاقة المشتراة من 2008 إلى 2012 نحو 48% من عائدات الطاقة المبيعة، مما يشير إلى أن الحكومة والقطاع على وجه الخصوص قد تكبّدوا أعباء مالية كبيرة بسبب شراء الطاقة من المنتجين الخاصين. حتى عام 2015 استحوذ القطاع السكني على معظم استهلاك الكهرباء، وقد شكّل القطاع 65%. نظرًا لعدم موثوقية العرض، اعتمدت معظم المنشآت في القطاعات الاقتصادية، مثل التجارية والصناعية على مولدات الديزل الخاصة بها مصدرا رئيسيا أو نظاما احتياطيا. في عام 2012 كان هناك نحو 2 مليون مشترك في قطاع الكهرباء، وكانت الفجوة في قدرة التوليد تعادل 376 ميجاواط. وبسبب السعة المحدودة، بلغ الطلب على الطاقة غير المخدومة نحو 33% عام 2011 و25% عام 2012، مما أدى إلى عدم القدرة على توفير الكهرباء لجميع المشتركين في أوقات الذروة. كانت تعرفة الكهرباء مدعومة بشكل كبير، وكانت أقل بكثير من تكلفة الإمداد المرتفعة. في عام 2014 كان متوسط معدل استرداد التكلفة 33% فقط (حسب أسعار الوقود في السوق المحلية).
تُعدّ مشاريع محطات توليد الكهرباء في مأرب 1 و2 (بالإضافة إلى مشاريع ربط الكهرباء مع البلدان المجاورة) من المكونات الإستراتيجية لقطاع التوليد الفرعي. رُكّبت محطة مأرب الغازية لتوليد الكهرباء عام 2009 في منطقة صافر بالقرب من حقل الغاز حيث قامت المحطة بتوفير نحو 50% من الطاقة المولدة، وهذا يمثل 40% من السعة الفعلية المركبة (340 ميجاواط) في اليمن. أدّت محطة مأرب دورًا حاسمًا في تعزيز قدرة التوليد، وذلك عن طريق استخدام الموارد الأقل تكلفة والمتاحة محليًا. بالنسبة للمرحلة الثانية بدأَ بناءُ مأرب 2 عام 2013 بطاقة إنتاجية مصمّمة لتبلغ ٤٠٠ ميجاواط. كانت هناك أيضًا خطة لتوسيع قدرة مأرب 1 و2 من خلال تحويلهما من توربينات الغاز ذات الدورة المفتوحة إلى التوربينات الغازية ذات الدورة المركّبة، ولكن بسبب الاضطرابات السياسية عُلّقت المرحلة الثانية. وكانت مشاريع الربط مع دول الجوار مثل السعودية وإثيوبيا عبر جيبوتي قيد النقاش. ومع ذلك لم تتحقق هذه المشاريع.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الدولة قد قامت بمحاولات عدّة لاستخدام تقنيات الطاقة المتجددة، فاليمن تتمتع بموارد كبيرة من الطاقة المتجددة، وخصوصا طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية، وعلى الرغم من أن الاستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة لعام 2009 حددت هدفًا لتحقيق 15% من الطاقات المتجددة في مزيج التوليد بحلول عام 2020، كان نشر تطبيقات الطاقة المتجددة قبل الحرب ضئيلًا للغاية. كان من المقرر إنشاء أول مشروع مزرعة رياح كبيرة بقدرة 60 ميجاواط في المخا بتمويل من عدة مؤسسات دولية. مرة أخرى وبسبب الحرب عُلّق المشروع.
قبل الحرب كانت قدرة التوليد المركبة لقطاع الكهرباء منخفضة بشكل ملحوظ عند 1.5 جيجاواط؛ إذ وصلت القدرة الفعلية 67% فقط. كان السبب الرئيسي لهذه السعة المنخفضة أن معظم محطات الطاقة الرئيسية متقادمة وغير فعاّلة. في عام 2014 كان استهلاك الفرد السنوي من الكهرباء في اليمن منخفضًا للغاية (255 كيلوواط ساعة / سنة) مقارنة بالمستويين الإقليمي والدولي 2900 كيلوواط ساعة / سنة و3100 كيلوواط ساعة / سنة. تحسّنَ توليد الكهرباء بشكل ثابت حتى عام 2010؛ إذ كانت محطة مأرب لتوليد الكهرباء بقوة 340 ميجاواط هي أحدث مشروع استراتيجي يحقّق الإنتاج بأقل تكلفة. على الرغم من وجود خُطط طموحة لتنفيذ مشاريع أخرى لتوسيع الشبكة وزيادة الحصول على الكهرباء، كان التنفيذ ضئيلاً. عُلّقت المشاريع اللاحقة بسبب الحرب. ومع محدودية قدرة التوليد المتاحة في اليمن، كانت الخسائر في الطاقة المولدة كبيرة؛ إذ تجاوزت الـ 40% عام 2013. هذه الخسارة في الطاقة إضافة إلى انخفاض معدّل تحصيل الفواتير والدعم كبير للتعرفة وشراء الكهرباء من الخيارات باهظة الثمن كانت القضايا الرئيسية التي أدّت إلى تدهور هذا القطاع. نتيجة توقف التوسع في الكهرباء بلغ معدّل الوصول إلى الكهرباء العامة عام 2014 نحو 40% من السكان. علاوة على ذلك، وبالرغم من أن المناطق الريفية تستضيف نحو 75% من سكان اليمن، كان معدل الكهرباء في المناطق الريفية منخفضًا للغاية عند 23% مقارنة بـ 85% في المناطق الحضرية.
خلال الحرب الحالية تأثر قطاع الكهرباء العام بشكل كبير بالنزاع المسلّح المستمر، وتعرّضَ لأضرار مادية وغير مادية جسيمة. أثّرت الحرب الحالية وغياب البنية التحتية الموثوق بها سلبًا على توفير الخدمات الأساسية الأخرى (مثل الصحة والمياه والتعليم). تشير التقديرات إلى أنه خلال السنوات السابقة للحرب المستمرة، لم يكن لدى نحو 90% من السكان إمكانية الحصول على الكهرباء العامة. في عام 2020 عملت 50% فقط من المرافق الصحية، وبقيت حتى اليوم متأثرة بشكل سلبي بسبب انقطاع التيار الكهربائي. يعمل نحو 32% من السعة المتاحة (309 ميجاواط من 960 ميجاواط) لمحطات الطاقة المتصلة سابقًا بالشبكة الوطنية، ولكن نظرًا لانهيار الشبكة، تعمل محطات الطاقة بشكل أساسي على تلبية الطلب المحلي. هناك فارق كبير بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا والمناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله من جهة الإمداد بالكهرباء. في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا ظلّ العرض على حاله إلى حد كبير؛ إذ لا تزال الإمداد والتعريفات التي تقودها الحكومة مدعومة مع الاعتماد الكبير على الكهرباء المشتراة من المنتجين من القطاع الخاص. أما في مناطق سيطرة أنصار الله فقد تغيّر توليد الكهرباء إلى إمداد بقيادة القطاع الخاص. تقوم عددٌ من الشبكات الخاصة حالياً بتزويد الكهرباء من خلال مولّدات صغيرة. بعد انهيار الشبكة الوطنية، ازدهر سوق الطاقة الشمسية الكهروضوئية بمعدل غير مسبوق؛ إذ أصبحت البديل المتوفر لتوفير الكهرباء، خاصة في المحافظات الشمالية والوسطى حيث لا تعمل محطات الطاقة الوطنية وأسعار الكهرباء الخاصة لا يمكن تحمّلها بالنسبة لمعظم الناس. في ديسمبر 2019، استخدم نحو 75٪ من السكان أنظمة شمسية صغيرة مصدرا رئيسيا للكهرباء، ولمعالجة إمدادات الوقود المحدودة قدّمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة منحًا للوقود لتشغيل بعض المحطات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دوليًا.
على الرغم من الوضع المتدهور لقطاع الكهرباء خصوصا بعد الحرب، تظلّ هناك فرصة لبناء قطاع كهرباء أقوى. يتضمّن هذا القسم الأولويات القصوى لتعافي قطاع الكهرباء وإصلاحه، ولكن قابلية تطبيق هذه التوصيات من عدمها تعتمد على وجود بيئة سياسية داعمة للغاية، وتوفّر الدعم من المانحين / المقرضين الدوليين، فضلًا عن الإدارة الفعالة من قيادات القطاع.
النطاق الزمني للتوصيات الواردة أدناه هو الوضع الحالي والسنة الأولى التي تلي أي اتفاق سلام محتمل و / أو استقرار سياسي، والهدف في هذه المرحلة هو استعادة القطاع لطاقات ما قبل الحرب، وإعداد أساس سليم لعملية الإصلاح التي يجب أن تتبع مرحلة التعافي الأولية:
تُعدّ هذه التوصيات قابلة للتطبيق لمدة سنتين إلى خمس سنوات بعد أي اتفاق سلام محتمل و / أو استقرار سياسي. تركز هذه المرحلة بشكل أساسي على إصلاح القطاع وفقًا للخطوات ذات الصلة التي اتُخذت قبل الحرب وأفضل الممارسات الدولية. نجاح عملية الإصلاح بشكل عام -وخصوصا إعادة هيكلة القطاع، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة، ودرجة مشاركة القطاع الخاص- يحتاج إلى التزام سياسي يُترجم إلى قرارِ إصلاحٍ قابل للتنفيذ. يجب على القيادات رفيعة المستوى، بدعم من لجنة من كبار الخبراء، العمل على بدء عملية الإصلاح والإشراف عليها وتوجيهها للحصول على إجماع أصحاب المصلحة وضمان سلاسة الإصلاحات التي تؤدي إلى إنشاء قطاع كهرباء حديث.
هناك حاجة إلى تطبيق عدد كبير من القوانين واللوائح المهمة، التي صيغت و / أو كُيّفت قبل الحرب. ومن ثَم يمكن لعملية الإصلاح أن تُبنى على الجهود السابقة، بالإضافة إلى تطوير قوانين وقرارات جديدة لتحسين إدارة القطاع.
تضمن قانون الكهرباء لعام ٢٠٠٩ الخطوات الأساسية اللازمة لإصلاح هيكل قطاع الكهرباء، وتؤكّد النقاط الآتية على أهمية تطبيق قانون الكهرباء والتوصيات المكمّلة له:
من الأهمية بمكان تعزيز قدرة المؤسسات والأفراد لتحسين أداء القطاع، ولذلك يجب:
على عكس المتوقع، ربما يكون للبلدان في أثناء النزاع أو في مرحلة انتقالية بعد الحرب كثير من الفرص الاستثمارية، وهي عادة ما تتمحور حول توفير الخدمات والاحتياجات الأساسية التي لم تكن ملباة. يمكن للقطاع الخاص أن يؤدّي دورًا مهما في البنية التحتية وإعادة الإعمار الاقتصادي، مما يؤدّي بدوره إلى كثير من النتائج الإيجابية، مثل زيادة رأس المال الخاص، وخلق فُرص العمل مع “إعادة” بناء القدرات والمهارات المحلية، فالقطاع الخاص يدرّ أيضًا إيرادات على الحكومة من خلال دفع الضرائب والرسوم الأخرى، وعليه يوصى بالآتي:
هناك حاجة إلى توصيات فنية عدّة لتحسين خدمات الكهرباء وجودتها، وفيما يأتي قائمة بأهم الأولويات الفنية لتعزيز أداء قطاعات التوليد والتوزيع والنقل:
الهوامش:
لطالما اتسم اقتصاد اليمن بالهشاشة حتى من قبل أحداث 2014 و2015 التي أفضت بالبلاد إلى الحرب الأهلية الجارية. وكانت لسنوات العسر التي طالت البلاد منذئذ آثاراً مدمرة. في الوقت الراهن، يُصنَّف حالياً مناخ ممارسة الأعمال التجارية في اليمن من بين الاصعب على مستوى العالم، حيث تتبوأ البلاد المركز الاخير او المراكز الاخيرة في مجموعة من مؤشرات التنافسية العالمية للأعمال التجارية. ركز المنتدى السابع لرواد التنمية، الذي عُقد افتراضياً في 25-27 يناير/كانون الثاني 2021، على التردي الواضح للوضع الوطني. ومن أجل المساهمة في التصدي للتحديات الاقتصادية المحلية، ناقش رواد التنمية إمكانية إنشاء مجالس اقتصادية محلية. ووفقا لتحليلاتهم، يوجد مجال لإنشاء هيئة على مستوى المحافظات، تُوازن بين اللجان الإنمائية المحلية القائمة على مستوى المجتمعات (التي توجه استثمارات مستهدفة وصغيرة النطاق في مجال البنى التحتية من صناديق التنمية مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية والبنك الدولي) والمجلس الاقتصادي الأعلى (الذي يوجه الاستثمارات التي يقودها القطاع الحكومي على الصعيد الوطني)، من أجل دفع عجلة التنمية عن طريق توجيه الاستثمارات صوب تلبية الاحتياجات المحلية وتعزيز الروابط بين المحافظات والقطاع الخاص.
لطالما اتسم اقتصاد البلاد بالهشاشة حتى من قبل أحداث 2014 و2015 التي أفضت باليمن إلى الحرب الأهلية الجارية.[1] وكانت لسنوات العسر التي طالت البلاد منذئذ آثاراً مدمرة. في الوقت الراهن، يُصنَّف مناخ ممارسة الاعمال التجارية في اليمن من بين الاصعب على مستوى العالم،[2] حيث تتبوأ البلاد المركز الاخير او المراكز الاخيرة في مجموعة من مؤشرات التنافسية العالمية للأعمال التجارية.[3] على الصعيد الوطني، تمثلت أحد عوامل الضغط في وقف صادرات النفط والغاز، وتعليق الدعم الإنمائي المقدم من المانحين، وانخفاض معدل تدفق التحويلات المالية.[4] بالإضافة إلى ذلك، أدى انقسام السياسات النقدية واللوائح المالية من جانب فرعي البنك المركزي المتنافسين، والنقص العام في احتياطيات العملة الأجنبية لتمويل الواردات في السوق، والانخفاض الكبير في قيمة العملة المحلية إلى إضعاف القدرة الشرائية المحلية، وخسائر واسعة النطاق في سبل كسب العيش والدخل.[5] كما أن الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية الحيوية كانت واسعة النطاق، وأصبح التمويل الحكومي في حالة من عدم الاستقرار.[6]
لا يمكن المغالاة في تقدير النتائج المدمرة لهذا الانهيار الاقتصادي فالفقر والجوع مُستشريان.[7] ووفقا لليونيسيف،[8] “يشهد اليمن أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 24 مليون شخص – حوالي 80% من السكان – لمساعدة انسانية، بمن فيهم أكثر من 12 مليون طفل”.
“رواد التنمية” هم خبراء ومتخصصين يمنيين بارزين من شتى الخلفيات، وذوي خبرة راسخة في مجال التنمية والاقتصاد. وقد ناقش المنتدى السابع لرواد التنمية، الذي عُقد افتراضياً في 25-27 يناير/كانون الثاني 2021، التحديات الجسيمة التي تواجه الشركات القائمة حتى اليوم في اليمن على المستوى المحلي في ظل التردي الواضح للوضع الوطني. وقد نظر المنتدى في التحديات الاستثنائية والمشتركة بين مختلف محافظات الدولة[9] في مجالات معينة كالبُنى التحتية الحيوية. فكثيرا ما تكون الطرق وخدمات الطاقة وإمدادات الوقود وإمدادات المياه وخدمات الاتصالات عبر البلاد إما دون المستوى المطلوب أو غير متاحة على الإطلاق.[10] ومن بين المسائل التي أثيرت أيضاً: الافتقار إلى القوى العاملة الماهرة والى فرص التدريب؛ وافتقار المحافظات إلى صلاحيات اتخاذ القرارات القانونية اللازمة للتفاعل والردّ بما يتسق مع ظروفها الخاصة؛ وضعف الرقابة على التمويلات المتاحة للاستثمار في الاقتصاد المحلي؛ والفرص الضئيلة للحصول على التمويل المتناهي الصغر.[11]
معظم السلطات المحلية اليمنية هي بشكل رئيسي وكالات ضعيفة للسلطة المركزية،[12] وتحتاج إلى المزيد من الموارد لتلبية احتياجات التنمية المحلية.[13] تمخض عن تنفيذ قانون السلطة المحلية في عام 2000 تحويل مسؤولية توفير الخدمات المحلية إلى المجالس المحلية على مستوى المديريات داخل كل محافظة، على أن يتم تغطية تكاليفها من الإيرادات التي تدرها الضرائب. وقد أدى الانهيار الاقتصادي وتعذر الاستفادة من الثروة الوطنية المتأتية من بيع النفط والغاز إلى عدم قدرة المجالس في كثير من الحالات على تمويل الخدمات الأساسية التي يحتاجها سكانها، ناهيك عن تحفيز التنمية الاقتصادية.[14] وتبقى التدابير المتفق عليها في مؤتمر الحوار الوطني لتعزيز الاستقلال الذاتي للمحافظات ومجالسها المحلية دون تنفيذ بعد.[15]
ومن أجل المساهمة في التصدي للتحديات الاقتصادية المحلية، ناقش رواد التنمية إمكانية إنشاء مجالس اقتصادية محلية. ووفقا لتحليلاتهم، يوجد مجال لإنشاء هيئة على مستوى المحافظات، تُوازن بين اللجان الإنمائية المحلية القائمة على مستوى المجتمعات (التي تتولى استثمارات مستهدفة وصغيرة النطاق في مجال البنى التحتية من صناديق التنمية مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية والبنك الدولي)[16] والمجلس الاقتصادي الأعلى (الذي يتولى الاستثمارات التي يقودها القطاع الحكومي على الصعيد الوطني)،[17] من أجل دفع عجلة التنمية عن طريق توجيه الاستثمارات صوب تلبية الاحتياجات المحلية وتعزيز الروابط بين المحافظات والقطاع الخاص.
وستضم المجالس الاقتصادية المحلية، على النحو الذي يتوخاه رواد التنمية، خبراء من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية والسلطات المحلية، ممن سيقومون على حد سواء بتقييم الاحتياجات الفعلية لاقتصاد المحافظات، وسيقومون، إما بصفتهم التنفيذية أو الاستشارية، بالايعاز للمحافظين المحليين والدوائر المحلية ذات الصلة بشأن الحلول المثلى لتلبية هذه الاحتياجات.
كما ستعمل المجالس الاقتصادية المحلية على وضع خطط لتحسين الإنتاجية المحلية في المناطق ذات الأولوية داخل المحافظة والمساعدة في وضع استراتيجيات لتسويق أفكارها للمانحين والقطاع الخاص من أجل تيسير تعبئة التمويل اللازم والوصول إلى المحتاجين. وخلافا للجان الإنمائية المحلية، وهي تشكيلات مؤقتة تستند إلى وجود مشاريع على الأرض، ستركز المجالس الاقتصادية المحلية على خطط التنمية المستقبلية ونهج التنفيذ على مستوى المحافظات.
فعلى سبيل المثال، في حال تبين أن فرص الحصول على التمويل تشكل عائقا رئيسيا للإنتاجية في محافظة معينة ويلزم معالجة الأمر، فإن المجلس الاقتصادي المحلي المعني سيدعو إلى توفير تمويل متناهي الصغر في المحافظة. ويمكن للمجلس الاقتصادي المحلي أن يساعد في تحديد الجهات الفاعلة المعنية بتوفير التمويل المتناهي الصغر والتي ينبغي استهدافها – مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية، وشبكة اليمن للتمويل الأصغر، ومؤسسات التمويل الأصغر، والجهات المانحة – وأن يساعد في تيسير إجراء عمليات تقييم للاحتياجات والدراسات اللازمة لتحديد جدوى واستدامة التمويل المتناهي الصغر في المحافظة. وعلى نحو مماثل، ستكون المجالس الاقتصادية المحلية في وضع يسمح لها بالمساهمة في التخطيط والعمل التمهيدي المرتبط بتنظيم العطاءات المقدمة من القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع كبيرة تدخل في اختصاص سلطة الحكومة المركزية مثل مشاريع إنتاج الطاقة ومعالجة النفايات، والتي يمكن أن تفتح المجال أمام المزيد من الاستثمارات الكبرى.
إن إنشاء مثل هذه الهيئات المتسمة بالمصداقية والشفافية، والتي يمكن أن تقدم رؤية اقتصادية واضحة للمناطق في هذه المحافظات، من شأنه أن يوفر أيضا بيئة أكثر جاذبية للمانحين الدوليين الذين يتطلعون إلى تمويل المشاريع الإنمائية وتدريب القوى العاملة وتوزيع المعونات.
ويقف رواد التنمية على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم في بلورة صلاحيات قانونية واضحة لإنشاء المجالس الاقتصادية المحلية. وينبغي أن تتسم طبيعة صلاحيات وهيكل كل مجلس اقتصادي محلي بالمرونة، وأن يتم إقرارها من السلطات المحلية تبعا لاحتياجاتها. وحالما يتم تشكيل المجالس الاقتصادية المحلية، ينبغي أن يُسلم تسيير الشؤون اليومية لأعضائها.
تقع حضرموت في شرق البلاد وهي جغرافياً أكبر محافظة في الجمهورية اليمنية (بتعداد سكاني يبلغ 1.7 مليون نسمة حسب الإحصاءات الرسمية، و3 ملايين نسمة بالاستناد الى الشواهد).[18] تضم المحافظة 28 مديرية تغطي مساحة تقارب 193 ألف كيلومتر مربع، أي حوالي 36% من مساحة الأراضي اليمنية. وتحتضن المكلا، عاصمة المحافظة، ثالث أكبر ميناء بحري في اليمن.[19]
يواجه النشاط الاقتصادي في حضرموت عراقيل نتيجة انعدام الأمن السائد، وخاصة في وادي حضرموت والمناطق الصحراوية، فضلاً عن نزاعات معينة بين محاور السلطة المركزية والسلطة المحلية والمجلس الانتقالي الجنوبي. ومع ذلك، باستثناء بعض الاشتباكات المحدودة مع تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب – وأبرزها العمليات العسكرية التي سعت لطرد الجماعة المتطرفة من المكلا عام 2016 – لم تشهد المحافظة أية أعمال عسكرية رئيسية وبالتالي حافظت إلى حد كبير على سلامة بنيتها الاقتصادية خلال الحرب. وهذا يجعل المحافظة في وضع ممتاز يُمكنها من تحقيق التنمية الاقتصادية، في حال اتخذت الخطوات السياساتية المناسبة. فشريطها الساحلي يسمح بالوصول إلى مناطق الصيد الغنية بالثروة السمكية؛ إلى جانب ما تزخر به المحافظة من الأراضي الزراعية ذات التربة الخصبة واشتهارها بتربية الماشية وتربية النحل. كما أن حضرموت غنية بالمعادن، بما في ذلك الذهب، وتنتج المحافظة حالياً أكثر من نصف موارد النفط في اليمن.[20]
تقدم حضرموت نموذجا استثنائيا على المستوى الوطني بكيفية صمودها أثناء الصراع، من حيث تمتعها باستقرار نسبي وموارد اقتصادية أكبر نسبيا من المحافظات الأخرى في البلاد. وتتمتع الحكومة المحلية في حضرموت بفعالية أكثر مقارنة بأي محافظة أخرى ولديها بالفعل علاقات عمل قائمة مع القطاع الخاص.[21] ونتيجة لضعف سلطة الحكومة المركزية، تمتعت حضرموت منذ عام 2015 بقدر معقول من الاستقلال الذاتي. وتحصل المحافظة على حصة من عائدات صادرات النفط وكذلك من الموارد المالية المحلية. ومقارنة بالمحافظات الأخرى، لم تتضرر البنية التحتية لحضرموت من جراء المعارك الدائرة وتتمتع بدرجة مقبولة من الأمن والاستقرار.[22]
إن إنشاء مجلس اقتصادي محلي في حضرموت، يضم أعضاء من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية والسلطة المحلية، سيجعله مؤهلاً تماماً لإطلاق مبادرات وشراكات اقتصادية تُركز على الصعيد المحلي وتُحفز النمو. فعلى سبيل المثال، تتمتع المحافظة بقطاع سمكي مستقر ولكن بدون الاستثمار فيه لن يكون هناك مجال للاستفادة من كامل إمكاناته. وعلى غرار الاتجاهات السائدة على الصعيد الوطني، لا يزال العديد من الصيادين يستخدمون قوارب تقليدية صغيرة غير عملية، ولا توجد سوى بنى تحتية متواضعة لمرافق تفريغ الأسماك وتخزينها.[23]
جاءت التدخلات المتعلقة بإدارة مصايد الأسماك في اليمن قبل عام 2015، التي كان حضرموت جزءا منها، في شكل دعم سياساتي لتحسين كفاءة التسويق المحلي والتسويق التصديري للأسماك، وفي شكل دعم للبنية التحتية مثل بناء مرافق لتفريغ الأسماك، ومراكز تجميع الأسماك، وصيانة محركات السفن/القوارب، ومرافق إصلاح شباك الصيد. علاوة على ذلك، بُذلت جهود لبناء قدرات الصيادين والعاملين في مصائد الأسماك في القطاع الحكومي في مجال الهندسة البحرية والتكنولوجيا المستخدمة في تجهيز الأسماك. غير أن هذه المشاريع كانت محدودة ولم تُجرَ دراسات بشأن استدامتها. وبوسع المجلس الاقتصادي المحلي إسداء المشورة للشركاء الانمائيين بشأن التدخلات الحالية والمستقبلية، وأن ينسق ذلك استناداً إلى المشاورات مع الجمعية اليمنية لمصدري الأسماك[24] والجمعيات المحلية لمصائد الأسماك[25] في حضرموت.
من ناحية أخرى، يمكن أن يدعو المجلس الاقتصادي المحلي إلى تدفق المزيد من التمويل المتناهي الصغر إلى المحافظة، والذي من شأنه أن يساعد الصيادين على الاستثمار في قوارب أكثر حداثة، وتحسين مراكز تفريغ الاسماك وتهيئة نظام بيئي واسع النطاق للأعمال التجارية ذات الصلة، مثل مزارع الأسماك ومصانع تعليب الأسماك وصناعة القوارب والشركات المعنية بالصيد في المياه العميقة.[26]
بالإضافة إلى ذلك، وجد المنتدى السابع لرواد التنمية أن الإنتاجية تتأثر بضعف جودة المصايد ورداءة معايير النظافة الصحية والافتقار إلى نُظُم إدارة الجودة داخل شركات صيد الأسماك.[27] توجد حاجة إلى المساعدة في تحسين جودة ممارسات صيد الأسماك وممارسات تصديرها استنادا إلى المتطلبات الدولية، فضلا عن حملات التوعية والرصد الرامية إلى ضمان مكافحة الصيد الجائر. ويمكن أيضا للمجلس الاقتصادي المحلي تيسير اقامة شراكات وثيقة مع المنظمات غير الحكومية الدولية تدعم طرح منتجات غذائية سمكية جديدة، الأمر الذي سيؤدي إلى إنشاء أعمال تجارية محلية فضلا عن المساعدة على التخفيف من وطأة سوء التغذية على الصعيد الوطني.
وبالمثل، يمكن للمجلس الاقتصادي المحلي أن يساعد في تيسير الاستثمار المُوجّه صوب القطاع الزراعي في حضرموت للمساعدة في معالجة المشاكل العويصة الناتجة حاليا عن نقص امدادات الطاقة والوقود. على سبيل المثال، اقترح أعضاء المنتدى السابع لرواد التنمية انشاء صندوق استثماري بقيمة تتراوح ما بين 10 و30 مليون دولار أميركي والذي من شأنه أن يساعد المزارعين على التحوّل من الاعتماد على وقود الديزل إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية وبالتالي زيادة الإنتاجية.[28]
في حال تحقيق نتائج ناجحة حتى ولو على نطاق أصغر، يمكن للمجلس الاقتصادي المحلي أن يوجّه المحافظات إلى العمل مع القطاع الخاص لتطوير المزيد من الاستثمارات التي تنطوي على تحسينات كبيرة في البنى التحتية. على سبيل المثال، اقترح أعضاء المنتدى السابع لرواد التنمية أن تقوم المجالس الاقتصادية المحلية بالتحري في جدوى إنشاء مصفاة لتكرير النفط أو توسعة مرافق التصدير للسماح باستغلال الموارد المعدنية للمحافظة.[29] وعلى المدى البعيد، يمكن للمجلس أن يوجه المحافظة بالاستثمار الاستراتيجي في قطاع التعليم، بما يضمن تهيئة قوة عاملة متعلمة قادرة على شغل الصناعات الناشئة في المحافظة بما يرقى بها الى أعلى المستويات.
تقع محافظة تعز على بعد 256 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء، وهي أكثر محافظات اليمن اكتظاظاً بالسكان. وتضم المنطقة التي يتراوح عدد سكانها بين 3.5 مليون[30] و5 ملايين نسمة[31] حوالي نصف السكان الذين يعيشون حاليا تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.[32]
تطغى تحديات هائلة على أي نشاط اقتصادي في تعز. فالمحافظة هي واحدة من أكثر المحافظات تضررا من الحرب المستمرة، باعتبارها جبهة مشتعلة في الصراع طوال فترة الحرب. والواقع أن ستة من أصل مديرياتها الـ 23 تقع حالياً تحت سيطرة جماعة الحوثي المسلحة (أنصار الله).[33] ووفقاً لتقييم البنك الدولي لعام 2020، شهدت المدينة الرئيسية في المحافظة، المسماة على اسمها، ثاني أكبر حجم من الدمار على مستوى جميع المدن اليمنية وتعاني من حصار خانق منذ أكثر من خمس سنوات. تعتبر تعز ثاني أسوأ مدينة على مستوى البلاد من حيث توفّر الخدمات العامة وعانت من أسوأ أشكال الدمار التي لحقت بالثروة العقارية مقارنة بأي مدينة أخرى في اليمن. كما لحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية الطبية لها، ويفتقر سكانها الى خدمات الكهرباء إلى جانب محدودية إمدادات المياه.[34] ويعاني أكثر من 80% من سكان المحافظة من انعدام الأمن الغذائي.[35]
تسيطر سلطات الأمر الواقع الحوثية على مديريات تعز التي تضم منشآت كبرى للتصنيع والصناعات التحويلية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال المديريات الساحلية ضمن دائرة نفوذ دولة الإمارات العربية المتحدة رغم تحريرها. وقد قوّض التدخل العسكري في المديريات الساحلية من كفاءة قطاع صيد الأسماك.[36] ونتيجة لذلك، يعاني زخم الاستثمار من الشلل تقريباً. فالمصادر الداخلية للاستثمار ضئيلة، ومنذ عام 2015 جفت جميع منابع التمويل الخارجي.[37]
يرى المنتدى السابع لرواد التنمية أن إنعاش النشاط الاقتصادي في تعز سيظل محدودا في ظل عدم التوصل إلى حل سلمي للمعارك القتالية الدائرة والفشل في توحيد صفوف سلطات المحافظة تحت جناح الدولة. ومع ذلك، وصف المنتدى السابع لرواد التنمية المناخ الاقتصادي في تعز بأنه “مُشجع على الرغم من استمرار الحرب والحصار الحالي”، ويعزى ذلك إلى القدرة على التكيف والمرونة التي أظهرتها المؤسسات التجارية القائمة حتى الآن. ودعا المنتدى إلى “تدخلات عاجلة في مجال التجارة” لمساعدة هذه المؤسسات.
من خلال الاستثمارات السليمة والفرص المناسبة، يرى المنتدى السابع لرواد التنمية أن تعز ستكون قادرة على استغلال مواردها المتنوعة والنهوض بالنشاط الاقتصادي، مع التركيز على الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك والصناعات التحويلية مثل تصنيع الدهانات والمواد الغذائية.
بحسب تقدير البنك الدولي، يلزم ما بين 44.5 مليون و54.5 مليون دولار أمريكي لإعادة تأهيل مدينة تعز بالكامل.[38] وسيكون المجلس الاقتصادي المحلي مؤهلا للوقوف على أنسب القطاعات التي ينبغي توجيه الاستثمارات نحوها وأكثر الأساليب نجاعة للقيام بذلك.
أحد المهام الرئيسية للمجلس الاقتصادي المحلي في تعز هو استكشاف قنوات لتوافر ما يكفي من الموارد المالية لإرساء البنى التحتية المناسبة، شأنه شأن تيسير الشراكات الاقتصادية مع القطاع الخاص بغية تحقيق دفعة اقتصادية، لا سيما في القطاعات ذات الإمكانات غير المستغلة – مثل قطاع الصناعة وصيد الأسماك والثروة المعدنية.[39]
فعلى سبيل المثال، من شأن تحسين البنى التحتية لقطاع النقل أن يساعد على خفض أسعار السلع المرتفعة حالياً، كما أن إعادة تأهيل البنى التحتية لقطاع الطاقة سيكون جوهرياً لخفض التكاليف التعجيزية المرتبطة بتوفير خدمات الكهرباء. وسيكون المجلس الاقتصادي المحلي في وضع جيد لتوجيه الاستثمارات صوب مبادرات صغيرة النطاق يمكن أن تحقق مكاسب ملموسة للمنتجين المحليين. على سبيل المثال، ستنجُم مكاسب كبيرة عن الترتيبات المتعلقة بالتمويل متناهي الصغر الذي يتيح لمزارعي المحافظة والمشاريع التجارية الاخرى الوصول إلى إمدادات الطاقة الشمسية، شأنها شأن الخطط التي تساعد على إعادة فتح المصانع الصغيرة ودعم المنتجين المعتمدين على الوسائل التقليدية/الحرفية.[40]
إن وجود مجلس اقتصادي محلي متكامل يتمتع بالشفافية قد يدعم أيضاً استعادة الثقة في السلطات المحلي، التي تزعزعت في السنوات الأخيرة وفقا للبنك الدولي،[41] لا سيما فيما يتعلق بمشاكل قائمة منذ أمد طويل كجمع النفايات وشبكات الصرف الصحي. ويمكن التخفيف من آثار هذه المشاكل عبر اقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص.
في ظل استمرار غياب الخطوات اللازمة لتمكين المحافظات ومجالسها المحلية، على نحو ما أوصى به مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014)،[42] يقترح رواد التنمية اتخاذ تدابير طارئة لتحديد صلاحيات للمجالس الاقتصادية المحلية. عبر الاسترشاد بمقترحات مستشار قانوني مستقل، ينبغي للسلطة المركزية أن تضع إطارا قانونيا يسمح بإنشاء مجالس اقتصادية محلية في كل محافظة؛ ومن ثم المصادقة على صلاحياتها. متى أو إن أصبحت توصيات مؤتمر الحوار الوطني في نهاية المطاف قانونا، يمكن استيعاب المجالس الاقتصادية المحلية ضمن هيكل المجالس المحلية، ربما بصفة لجان استشارية اقتصادية. ومن أجل إضفاء المصداقية على المجالس الاقتصادية المحلية باعتبارها مفهوما قابلاً للتطبيق، يوصي رواد التنمية بإطلاق مرحلة تجريبية مدتها ثلاث سنوات تُنفذ فيها المجالس في محافظتين.
يتعزز عمل المجالس الاقتصادية المحلية بشكل كبير إذا ما توفرت لمحافظاتها الموارد المالية اللازمة للاستثمار في مجال التنمية. فالنظام القائم لا يشجع المحافظات على جمع التمويلات بكفاءة، ويعاد توزيع أي أموال متاحة دون إدراك كافٍ لاحتياجات كل محافظة على حدة.[43] خلال المنتدى السابع لرواد التنمية، اقترح مُحافظ تعز إعادة توزيع الأموال التي يتم جمعها مركزيا بطريقة أكثر عملية، بحيث تتلقى المحافظات الأفقر مساهمات أكثر سخاء. ودعا المندوبون أيضا إلى رفع سقف الميزانية المقررة للإنفاق المستقل – المحدد حاليا بمبلغ 50 مليون ريال يمني – لإتاحة المزيد من المرونة للمحافظات في تطوير بنيتها التحتية حسب ما تراه مناسبا.
تنعكس الانقسامات السياسية للسلطة المركزية على المحافظات، مع تسييس التعيينات في كثير من الأحيان. يجب أن تنأى المجالس الاقتصادية المحلية بنفسها عن اية انتماءات سياسية إذا أريد لها أن تنجح في كسب الثقة وبالتالي جذب استثمارات القطاع الخاص المتخوف. فالعديد من المستثمرين من القطاع الخاص مستعدون لدعم مشاريع محددة، إلا أنهم يتخوفون من إيقاف تلك المشاريع لاحقا من قبل السلطة المركزية.
تم إعداد هذا الملخص من قبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجي، بالتنسيق مع شركاء المشروع ديب روت للاستشارات ومركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (CARPO).
تهدف مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن إلى المساهمة في بناء السلام ومنع نشوب الصراعات وتحقيق الاستقرار (الاقتصادي) والتنمية المستدامة في اليمن من خلال بناء توافق حول أهم السياسات التنموية والاقتصادية من خلال إشراك وتعزيز الأصوات اليمنية الفاعلة في هذا المجال من مختلف أطياف المجتمع اليمني الفاعلين في مجال التنمية والاقتصاد وإعادة الإعمار في اليمن، وكذلك التأثير بشكل إيجابي على اجندة التنمية المحلية والإقليمية والدولية المتعلقة باليمن، تنفذ هذه المبادرة بالشراكة التنفيذية ما بين مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (CARPO)، وديب روت للاستشارات، ومركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، وبتمويل قبل الاتحاد الأوروبي وسفارة المملكة الهولندية في اليمن.
الحواشي:
يُعد اليمن أحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه في العالم، حيث لا توفر موارد المياه المتجددة حاليًّا سوى 75 مترًا مكعبًا للفرد سنويًّا -أي دون عتبة ندرة المياه. وينخفض هذا القدر من المياه انخفاضًا مطردًا. يُعد القطاع الزراعي في اليمن المستخدم الرئيسي لموارد المياه الجوفية، حيث يستهلك حوالي 90% من إجمالي الاستهلاك. وبما أن الوقود اللازم لتشغيل المضخات أصبح شحيحًا ومكلفًا للغاية بسبب الأزمة الحالية، بدأت الطاقة الشمسية تُستخدم في استخراج المياه الجوفية لأغراض الري. ولكن هناك قلق بشأن إساءة استخدام هذه التقنية الجديدة. تبحث هذه الدراسة في التوجه الحالي لاستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في حوض صنعاء، وتحدد إيجابيات وسلبيات هذا النهج. تستعرض الدراسة أيضًا وجهات نظر المزارعين والخبراء فيما يتعلق بما يحدث وما يجب القيام به لتعظيم فوائد نظام الري بالطاقة الشمسية والتقليل من آثاره السلبية. أظهرت نتائج هذه الدراسة أن معدل تركيب واستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية يتزايد بمعدل يزيد عن 4% سنويًّا. أعرب المزارعون الذين تم التحدث إليهم عن تحمسهم لاستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية، وذكروا أن تكلفة رأس المال (الأصول) هي أكبر عقبة أمام حصولهم على هذه التقنية. تقترح هذه الورقة توصيات تتعلق بحوكمة وسياسات إدارة المياه بشكل عام، والدراسات المستقبلية، وتنظيم استخدام المياه الجوفية للري بالطاقة الشمسية بشكل خاص. سيساعد وضع السياسات المناسبة لضخ المياه بالطاقة المتجددة في الحفاظ على مصادر المياه الجوفية والحفاظ بشكل مستدام على سبل العيش.
شهد اليمن اضطرابات منذ سنوات عديدة، حيث عانى من صراعات أهلية وحروب وتدهور اقتصادي واستنزاف شديد لموارد المياه.[1] يساهم الجفاف ومحدودية موارده المائية وسوء إدارة المياه والاستغلال المفرط لها في انعدام الأمن المائي في اليمن. كما كان للحرب الجارية تأثير كبير على استخدام المياه وأداء قطاعي المياه والري.[2] أضف إلى ذلك أن عدم الاستقرار المستمر في البلاد تسبب في آثار سلبية على توافر الوقود والكهرباء، وهما مصدري الطاقة المستخدمين عادة لاستخراج ونقل المياه الجوفية. وبالتالي، أصبح الوصول إلى موارد المياه أكثر صعوبة وأصبحت خدمات المياه أقل موثوقية. لذا بدأت الطاقة الشمسية بلعب دور في توفير المياه لمختلف مستخدميها، ومن بينهم المزارعون الذين يعتمدون إلى حد كبير على المياه الجوفية في أنشطتهم الزراعية. تتجاوز هذه الورقة العموميات وتبحث بالتفصيل في الاستخدامات الحالية لنظام الري بالطاقة الشمسية والتأثير المحتمل له على استدامة استخدام المياه الشحيحة في اليمن.
ركزت هذه الدراسة على حوض صنعاء، الذي يمثل نقص المياه فيه من الاشكالات الكبيرة. من بين جميع العواصم العالمية، غالبًا ما صُنفت صنعاء على أنها العاصمة الأكثر احتمالية لنفاذ المياه قبل غيرها.[3] من المهم أن نتذكر أن الهيدرولوجيا في اليمن تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، وبالتالي لا يمكن افتراض أن النتائج المتعلقة بصنعاء تنطبق على الأحواض والمناطق الأخرى. ومع ذلك فهناك بعض المبادئ والتوصيات العامة التي تنطبق على جميع أنحاء البلاد، ولكن بالطبع يجب أن تكون الاستراتيجيات والسياسات التفصيلية مخصصة لكل حوض ومنطقة.
لم تعالج أي من السلطات الرسمية وسياساتها واستراتيجياتها ذات الصلة ومن بينها وزارة الكهرباء والطاقة، ووزارة المياه والبيئة، ووزارة الزراعة والري والثروة السمكية القضايا ذات الصلة باستخدام الطاقة الشمسية في اليمن.[4] هناك عدد قليل من الدراسات حول الطاقة الشمسية للاستخدام المنزلي،[5] ولكن هذه الدراسات لم تتطرق كثيرًا إلى استخدام هذه التقنية لاستخراج المياه للزراعة. تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2019، هو الدراسة الوحيدة حتى الآن التي ناقشت استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن، وقد حدد التقرير المزايا الإيجابية لذلك النظام وأوصى باستخدامه، ولكنه لم يذكر سوى القليل عن تأثيره المحتمل على مصادر المياه الجوفية.[6]
إحدى القضايا الرئيسية في إدارة المياه باليمن تتمثل في استخراج المياه الجوفية بشكل مفرط، ما يهدد قابلية الحياة في أجزاء كثيرة من البلاد مع تضاؤل وفرة المياه. إحدى المشاكل التي يواجهها المخططون تتمثل في الغياب التام للسياسات واللوائح الخاصة بإدارة تقنيات الطاقة الشمسية الجديدة المستخدمة لاستخراج المياه، كما يتوجب عليهم أيضًا التعامل مع عدم وجود تحليل مفصّل يعتمد على بيانات ميدانية فعلية لنظام الري بالطاقة الشمسية. تساهم هذه الورقة في تقليص هذه الفجوة. إذا ظلت مشكلة الاستخراج المفرط للمياه دون معالجة، فإن التدهور المتزايد في وفرة المياه سيجعل الحياة في أجزاء من البلاد أكثر صعوبة، إن لم يجعلها مستحيلة. مع تزايد الطلب على نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن ونظرًا لقدرة نظام الري بالطاقة الشمسية على أن يمثل حلول طاقة نظيفة بأسعار معقولة؛ تهدف هذه الورقة إلى اقتراح توصيات للحوكمة ونهج للمانحين/ الممولين لإدراك وفهم استخدامات المياه الجوفية بنظام الري بالطاقة الشمسية وتنظيمها.
يبلغ عدد السكان في اليمن نحو 29 مليون نسمة، 70% منهم يعيشون في المناطق الريفية، ويعتمد أكثر من 50% منهم على الزراعة. لا توجد في اليمن بحيرات أو أنهار دائمة، وبالتالي تُعد الأمطار والمياه الجوفية هي المصادر الرئيسية للمياه في البلاد. تشير التقديرات إلى أن الزراعة تستخدم 90% من موارد المياه الجوفية في اليمن، على الرغم من أنها تولّد أقل من 20% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.[7]
يعاني اليمن من شح شديد في المياه، حيث انخفض معدل توافر المياه للفرد انخفاضًا مطردًا خلال العقود الماضية مع زيادة عدد السكان. انخفض الحجم السنوي للمياه المتجددة للفرد من 221 مترًا مكعبًا عام 1992 إلى 80 مترًا مكعبًا عام 2014 و75 مترًا مكعبًا عام 2017؛[8] المعدل الأخير لا يمثل سوى أكثر بقليل من واحد في المائة من المتوسط العالمي للفرد (5,925 متر مكعب) و14% من متوسط نصيب الفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (554 متر مكعب). يشير المنحنى المائي في اليمن على مدى العقود الثلاثة الماضية إلى أن نصيب الفرد من المياه المتجددة قد ينخفض إلى 55 مترًا مكعبًا بحلول عام 2030.
وفقًا لمؤشر الاجهاد المائي Falkenmark المعترف به دوليًّا، تحدث ندرة المياه المطلقة إذا انخفض نصيب الفرد من المياه إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًّا، وهذ الرقم هو ما يساوي تقريبًا سبعة أضعاف الوفرة الحالية للمياه في اليمن. كمية المياه التي يستخدمها اليمن سنويًّا منذ بداية هذا القرن تتجاوز المياه المتجددة التي يمكن أن تعوضه امداداته بمقدار الثلث، ففي عام 2010، بلغ حجم الاستخراج 3.5 مليار متر مكعب بينما كان حجم المياه المتجددة 2.1 مليار متر مكعب. غُطي النقص البالغ 1.4 مليار متر مكعب عن طريق ضخ المياه من طبقات المياه الجوفية الأحفورية غير المتجددة باستخدام تقنيات الضخ الحديثة.[9] انخفضت مناسيب المياه الجوفية بشدة، ما جعل البلاد في حالة ندرة مياه شديدة. فعلى سبيل المثال، كان منسوب المياه الجوفية في حوض صنعاء على عمق 30 مترًا في السبعينيات، لكنه انخفض إلى ما بين 200 و1,200 متر بحلول عام 2012.
هناك ثلاثة أسباب رئيسية لندرة المياه في اليمن. أولًا، أدى النمو السكاني السريع، الذي يبلغ متوسطة 3% سنويًّا، إلى زيادة الطلب على المياه وبالتالي تقليل نصيب الفرد من المياه على مر الأجيال. وثانيًّا، أدى إدخال المضخات التي تعمل بالديزل وتقنية حفر الآبار الأنبوبية للري في القرن الماضي إلى التأثير على استخدام أنظمة حصاد مياه الأمطار التقليدية ومكّن من استخراج المياه الجوفية بنسبة أعلى بكثير من مستويات تغذيتها. وأدى ذلك إلى توسّع المناطق الزراعية واستنزاف طبقات المياه الجوفية. ثالثًا، تجلى تغيّر المناخ في تزايد هطول الأمطار الغزيرة جدا وغير المنتظمة وظواهر مناخية أخرى تؤثر على توافر المياه. أدت أنماط هطول الأمطار غير المنتظمة إلى تقليل تجدد طبقات المياه الجوفية، حيث أن فقدان التربة العلوية يمنع امتصاص تدفقات المياه، خاصة بعد تدهور المدرجات الزراعية وأنظمة الري بالسيول التقليدية بسبب نقص الصيانة.[10]
زادت المساحة المروية في اليمن من 37 ألف هكتار في السبعينيات إلى أكثر من 400 ألف هكتار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومع زيادة المساحات المروية 11 مرة خلال نفس الفترة، انخفضت المساحة الداعمة للزراعة البعلية (او الزراعة المطرية) بنسبة 30%.[11] يُصنف الوضع في حوض صنعاء من بين حالات الإدارة غير المستدامة للمياه الأكثر لفتًا للانتباه، فموارده المائية تخدم العاصمة وهي مدينة سريعة النمو وتروي محاصيل عالية القيمة مثل القات والعنب، ويُقدر استخراج المياه هناك بخمسة أضعاف مستويات التغذية بالمياه.[12] من الأمثلة الأخرى إنتاج الفاكهة في تهامة، ففي وسط وادي زبيد -منطقة رئيسية لزراعة الموز- زادت المساحة المروية من 20 هكتارًا عام 1980 إلى 3,500 هكتار عام 2000. وزاد عدد الآبار بأكثر من خمسة أضعاف من حوالي 2,421 إلى 12,339 بئرًا خلال الفترة بين أعوام 1987 و2008.[13]
كانت سياسات إدارة المياه والمؤسسات الوطنية ذات الصلة ضعيفة. لدى المزارعين، الذين يمتلكون مساحات شاسعة من الأراضي وعلاقات اجتماعية قوية، قدرة وصول كبيرة، بل وغير منظمة في كثير من الحالات، إلى موارد المياه، على عكس أصحاب الأراضي الصغيرة. بعد سنوات من الإهمال الحميد، أُنشئت الهيئة العامة للموارد المائية عام 1995، وتتمتع رسميًّا بالسلطة الكاملة على تطوير سياسة المياه وتنفيذها، ولكنها حتى الآن لم تتمكن من معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية المعقدة التي ينطوي عليها موضوع إدارة المياه.
في يوليو/تموز 2002، صدر القانون رقم 33 لعام 2002 -المعروف باسم “قانون المياه- وتعديلاته بالقانون رقم 41 لسنة 2006، ولكن لم تُصدر اللائحة الداخلية للقانون إلا عام 2011، مما يدل على حدة الجدل حول تنفيذه. حدث هذا التأخير على الرغم من حقيقة فقدان وزارة المياه والبيئة المنشأة حديثًا السيطرة على قطاع الزراعة، وهو القطاع الأكثر استهلاكًا للمياه، وذلك في العام 2003، عندما أُلغي قطاع الري من سلطتها بعد أسابيع من إنشاء الوزارة، وأعيدت مسؤولية القطاع إلى وزارة الزراعة والري، التي تمثل القاعدة المؤسسية لكبار ملاك الأراضي ومشاريع تنمية الري الممولة خارجيًّا.
عام 2005 أُعلنت الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه وبرنامجها الاستثماري بدعم من البنك الدولي وممولين آخرين في قطاع المياه، خاصة ألمانيا وهولندا، وحُدِثت الاستراتيجية عام 2008 بمقترحات استثمار مثيرة للإعجاب، لكن لم يتحقق سوى القليل منها. في يناير/كانون الثاني 2011، انعقد مؤتمر رئاسي وطني حول إدارة وتنمية الموارد المائية في اليمن ما أسفر عن بيان نوايا لإصلاح الوضع. لكن جدوى هذه المقترحات لم تُختبر على الإطلاق، فسرعان ما أعقب المؤتمر ثورة 2011 ثم عملية الانتقال السياسي من العام نفسه. ورغم تناول الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه وبرنامجها الاستثماري لمصادر المتجددة مثل حصاد مياه الأمطار، فإنها لا تذكر شيئًا عن استخدام الطاقة الشمسية للمياه. أُجري تحديث آخر للاستراتيجية عام 2014 ولم يتم الموافقة عليها بعد من قبل مجلس الوزراء بسبب الأزمة السياسية.
عام 2013، بلغت السعة الإجمالية للشبكة الكهربائية الوطنية في اليمن 1,535 ميغاواط، منها 699 ميغاواط من الديزل، و495 ميغاواط من البخار، و341 ميغاواط من محطات توليد الطاقة بالغاز.[14] تُقدر احتياجات البلاد من الطاقة للإضاءة وحدها بـ 112% من إجمالي الطاقة المولّدة.[15] أكثر من 50% من سكان اليمن لا يتزودون بالكهرباء من الشبكة الوطنية للكهرباء، في حين يعاني الجزء المتبقي من انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة.[16] ركزت سياسة الطاقة في اليمن إلى حد كبير على توليد الكهرباء من الديزل والغاز، مما زوّد المدن بالطاقة الكهربائية تاركًا معظم المناطق الريفية دون أي اتصال بالشبكة الوطنية. يمتلك اليمن إمكانات عالية لتوليد الطاقة بمصادر الطاقة المتجددة، وهي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية.[17] ومع ذلك، ما زالت البلاد تفتقر إلى الاستراتيجيات الإدارية اللازمة لتعزيز وتنظيم استخدام موارد الطاقة المستدامة.
لم تأخذ الحكومة أي إجراءات جدية لحل أزمة تقديم الخدمات الأساسية في البلاد خلال الفترة بين 2011 و2014؛ كان السياسيون منشغلين بعملية الانتقال السياسي والأولويات العاجلة قصيرة المدى. أما بعد عام 2015 فكان التأثير الرئيسي المباشر للنزاع على غالبية سكان الحضر هو انقطاع خدمات الكهرباء والمياه. أما في المناطق الريفية فتدمير البنية التحتية، أثر على النقل الداخلي والخارجي للضروريات الأساسية، بما في ذلك المدخلات الزراعية والأغذية. أدت أزمة المشتقات النفطية الخانقة التي بدأت في وقت مبكر من الحرب إلى انخفاض إمدادات الطاقة المتاحة لضخ المياه، وكان لذلك تأثيرًا خطيرًا على توافر المياه للأسر الحضرية وللزراعة المروية.
وفي حين ما تزال الحرب مستعرة؛ لا تقدم شبكتا المياه والكهرباء العامة خدماتها سوى لما يصل إلى 10% من الأُسر.[18] تشهد جميع القطاعات ومنها الزراعة والصناعة والخدمات زيادات كبيرة في تكاليف المدخلات للري والنقل والتسويق، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج والصادرات.[19] توقف الإنتاج اثرسلبًا على كل من القطاعين العام والخاص. كما تأثر ايضا تقديم السلع والخدمات العامة -بما في ذلك الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي- في جميع أنحاء اليمن.[20] أما أسعار الوقود وغاز الطهي فقد أصبحت غير مستقرة، وقفزت تكلفة هذه السلع أحيانًا أكثر من 1,000% من سعرها قبل الحرب.
أثرت الحرب على إمدادات المياه في جميع أنحاء البلاد، من حيث توافرها وسهولة الوصول إليها وجودتها والقدرة على تحمل تكاليفها. أظهرت أنظمة المياه اللامركزية والمجتمعية مرونة أكثر من الأنظمة المركزية العامة، فقد عاد الناس في العديد من المناطق إلى استخدام التقنيات المستدامة، مثل حصاد مياه الأمطار. تجدر الإشارة إلى أن قطاع المياه العام هو أحد القطاعات القليلة جدًا التي استمرت في تقديم خدماتها، حتى إن كانت منخفضة وغير منتظمة ووصلت إلى عدد أقل من اليمنيين مما كانت تصل إليهم قبل الأزمة.[21]
أدى التوافر المتزايد للطاقة الشمسية والقدرة المالية على الحصول عليها -إضافة إلى سنوات من الانقطاعات في خدمة الكهرباء وتوفيرها أحيانًا فقط في المدن وبشكل أقل في المناطق الريفية- للتوسع في استخدام الطاقة الشمسية في جميع أنحاء البلاد خلال الحرب، حيث بلغت نسبة الأسر التي تستخدم الطاقة الشمسية كمصدر أساسي للطاقة أكثر من 70%.[22] يمكن رؤية ألواح الطاقة الشمسية المركبة حديثًا في كل منزل تقريبًا في صنعاء (الشكل رقم 1). في الوقت نفسه، تطور استخدام ضخ المياه بالطاقة الشمسية بشكل كبير في جميع أنحاء البلاد وذلك بدعم من الوكالات الإنسانية إلى حد ما. هذا هو الحال بالنسبة لإمدادات المياه للاستهلاك المنزلي، بل وأكثر من ذلك بالنسبة للزراعة المروية، على الرغم من أن استخدام الطاقة الشمسية للزراعة المروية مُولت بشكل أساسي من قِبل مالكي ومشغلي الآبار، وبالتالي فهي متاحة أكثر للشرائح الأكثر ثراءً في المجتمع (الشكل رقم 1).

الشكل 1: الألواح الشمسية المركبة حديثًا في منازل صنعاء ونظام ري بالطاقة الشمسية في أحد المزارع بحوض صنعاء
قبل اندلاع الاحتجاجات عام 2011، طورت المؤسسة العامة للكهرباء خطة لتطوير وتحديث البنية التحتية للطاقة الكهربائية في اليمن للفترة 2009-2020، واقترحت الخطة زيادة إنتاج الكهرباء إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها عام 2009 بزيادة تعادل 3 جيجاوات وذلك لتقديم خدماتها للمصانع والمناطق الجديدة والمنازل التي لم تصلها الشبكة العامة بعد.[23] لكن بسبب الاضطرابات توقفت جميع محطات الطاقة عن العمل تمامًا عام 2016.[24] يوضح الشكل رقم 2 الكهرباء المخطط إنتاجها والكهرباء المنتجة فعليًّا خلال الفترة الزمنية للخطة. بدأ إنتاج الطاقة الكهربائية بالانخفاض بشكل واضح عام 2011.[25] توقفت الشبكة الوطنية عن العمل إلى حد كبير منذ بدء الحرب، واستُبدلت محليًّا بشبكات طاقة خاصة صغيرة، تعمل بشكل أساسي بالطاقة الشمسية على مستوى الأسرة، على الرغم من أن القليل من تلك الشبكات تمتلك القدرة التخزينية اللازمة لتشغيل المعدات التي تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة مثل الثلاجات.[26]

الشكل رقم 2: الخطة الاستراتيجية للكهرباء حتى عام 2020 [27]
تعتبر الطاقة الشمسية مصدرًا متجددًا وصديقًا للبيئة، لكن العديد من المراقبين يقولون إنها تشكل سلاحًا ذو حدين في اليمن.[28] ففي حين يمكن للمضخات الشمسية تحسين الوصول إلى المياه وتوفير الطاقة، فإنها قد تؤثر على طبقات المياه الجوفية. خلال أزمة الوقود الحالية، بدأت العديد من مؤسسات المياه في المناطق الحضرية في استخدام أنظمة الطاقة الشمسية لضخ المياه الجوفية باستخدام وتزويد المنازل بالمياه. لاستخدام أنظمة المضخات بالطاقة الشمسية تأثير إيجابي كبير على إمكانية الوصول إلى المياه، وبالتالي على الصحة والنظافة. ولكن استخدام الطاقة الشمسية للري قد يؤدي إلى الإفراط في استخراج المياه الجوفية وزيادة الضغط على موارد المياه المجهدة أساسًا. يوجد حوالي 100 ألف مضخة مستخدمة في اليمن لأغراض الري.[29] يمكن أن يؤدي استبدال المضخات التي تعمل بالديزل والكهرباء بمضخات نظام الري بالطاقة الشمسية دون قواعد وقيود واضحة، خاصة في مزارع القات، إلى توسيع المساحة المزروعة وبالتالي زيادة غير متوقعة في استخراج المياه الجوفية.
بمجرد تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية، تصبح التكلفة لكل وحدة طاقة مولّدة منخفضة نسبيًّا. بالتالي يحاول المزارعون تعظيم استخدامهم للمياه الجوفية من أجل استرداد التكاليف الرأسمالية المرتفعة لنظام الري بالطاقة الشمسية -إما عن طريق توسيع مساحاتهم المروية أو عبر بيع المياه للمزارعين الآخرين. قد يؤدي هذا إلى سباق نحو القاع ما لم يتم وضع اللوائح وتنفيذها. مصدر قلق آخر هو انخفاض تكاليف تكنولوجيا الألواح الشمسية والذي انخفض من حوالي 76 دولارًا أمريكيًّا للواط عام 1977 إلى 0.30 دولار عام 2015. هذا الانخفاض المستمر، إلى جانب زيادة أسعار الديزل، جعل هذا النوع من التكنولوجيا أكثر جاذبية ليس فقط للمزارعين ولكن أيضًا للعديد من صناع القرار والممولين والفنيين. نظام الري بالطاقة الشمسية هو حل لمشكلة المياه والطاقة، ولكنه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة ندرة المياه بقدر ما يحل مشكلة الوصول إلى الطاقة.[30] ولذلك في هذه الحالة ولتجنب الإسراف في استخدام المياه لا يمكن تطبيق الحوافز المالية لتوفير الطاقة. يجب تحديد المخاطر التي يشكلها الضخ غير المنظم الذي يعمل بالطاقة الشمسية وذلك لتحديد السياسات واللوائح اللازمة بشكل واضح للتخفيف من هذه المخاطر وتحفيز الاستخدام المستدام للمياه.
يوجد في اليمن 14 حوضًا مائيًّا، وركزت هذه الدراسة على حوض صنعاء (الشكل رقم 3). يتضمن حوض صنعاء 22 حوضًا فرعيًّا ويمتد نطاقه ليغطي تسع مناطق إدارية (مديريات) بما فيها مدينة صنعاء، العاصمة اليمنية. تبلغ مساحة الحوض 3,240 كيلومترًا مربعًا ويبلغ عدد سكان الحوض حاليًّا 4 ملايين نسمة.[31] وحدة التحليل الرئيسية لهذه الدراسة هي مزارعون من مناطق مائية/هيدروجيولوجية مختلفة: بني حشيش وبني مطر وهمدان. يتصف مناخ حوض صنعاء بالجفاف والاعتدال على مدار العام، حيث يتراوح متوسط درجة الحرارة بين 12 و25 درجة مئوية.[32] متوسط المدة السنوية لأشعة الشمس في اليوم هي 9 ساعات.[33] ويتراوح معدل هطول الأمطار السنوي عادة بين 110 و350 ملم، أي بمتوسط 240 ملم.[34] ولكن قد يكون هطول الأمطار أعلى بكثير في بعض السنوات، فوق 350 ملم.[35] يتراوح عدد الأيام الممطرة من 8 إلى 25 يومًا في السنة وتكون هذه الأيام بشكل رئيسي في موسمي الأمطار: منتصف مارس/آذار إلى بداية أبريل/نيسان ومن منتصف يوليو/تموز إلى نهاية أغسطس/آب.[36]
يعتمد حوض صنعاء إلى حد كبير على المياه الجوفية للري واستخدامات المياه المنزلية.[37] نتيجة لعوامل كالنمو السكاني السريع في مدينة صنعاء (أكثر من 5%)،[38] والهجرة غير المنظمة وتوسع الأنشطة الزراعية، ازداد الطلب على المياه بشكل كبير في العقود الثلاثة الماضية واستمر حفر الآبار الجديدة.[39] اليوم هناك أكثر من 13 ألف بئر في حوض صنعاء. كانت نقطة التقاطع، أو التوازن، بين تغذية المياه الجوفية واستخراجها عام 1985، وبعد ذلك استمر استخراج المياه الجوفية في الزيادة باستمرار ليتجاوز معدلات تغذية الحوض بالمياه (الشكل رقم 4).[40] تعاني طبقات المياه الجوفية في حوض صنعاء من الاستغلال المفرط. يتجاوز السحب السنوي 220 مليون متر مكعب، وهو أعلى بخمس إلى ست مرات من الحجم المضاف إلى الحوض من خلال التغذية الطبيعية، ويبلغ الانخفاض السنوي في مستوى المياه حوالي 4-8 متر.[41] تستخدم حوالي 90% من المياه الجوفية في حوض صنعاء للأنشطة الزراعية، ويُعد القات أكثر المحاصيل انتشارًا.[42]
أجرت هذه الدراسة مسوحات ميدانية في ديسمبر/كانون الأول 2020 ويناير/كانون الثاني 2021 بين عينة طبقية تتكون من 88 مزارعًا من حوض صنعاء، معظمهم من بني حشيش وبني مطر وهمدان.[43] إضافة لمقابلات مقدمي المعلومات الرئيسيين مع خبراء المياه والري والطاقة لضمان الاتساق بين البيانات التي جُمعت على مستوى المزارع والمعلومات على المستوى المهني والإداري. سهّل هذا النهج في الحصول على فهم أعمق من وجهات نظر مختلفة لمستقبل نظام الري بالطاقة الشمسية واستخداماته وإدارته المناسبة في اليمن. بعد فحص جودة البيانات التي جُمعت، تم الاتصال بالمشاركين عبر الهاتف للتحقق من النقاط غير الواضحة أو غير المكتملة عند الحاجة.
اُختير حوض صنعاء كمنطقة للدراسة لأنه يواجه ندرة في المياه؛ وكون مياه الحوض الجوفية أعمق من الأحواض الأخرى. المعلومات بشأن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في مثل هذا الحوض العميق يمكن استقراءها نوعًا ما لتطبيقها على مناطق أخرى، مع افتراض أن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في الأحواض الأقل عمقًا سيكون أسهل. ومع ذلك، للتحقق جُمعت عينة صغيرة من البيانات (10 مزارعين) من حضرموت التي يبلغ عمق المياه الجوفية فيها أقل من 100 متر.


الشكل رقم 3: الخريطة الهيدروجيولوجية والمقطع العرضي (B-B) لحوض صنعاء[44]

الشكل رقم 4: تغذية المياه الجوفية واستخراجها في حوض صنعاء[45]
يتزايد استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في حوض صنعاء بشكل كبير، فاليوم يستخدم أكثر من 30% من المزارعين في هذه المنطقة نظام الري بالطاقة الشمسية (الشكل رقم 5). لم يكن الحال كذلك قبل الحرب الجارية، إذ كان معظم مستخدمي المياه الجوفية في اليمن يعتمدون على مولدات الديزل وشبكة الكهرباء لضخ المياه للري.[46] كانت الأسباب المبكرة لهذا التحول (2015-2017) مرتبطة بالحرب، وتضمنت بشكل أساسي نقص الكهرباء من الشبكة العامة وندرة الديزل وارتفاع أسعاره. أما الآن ومع تزايد خبرة المزارعين فإن السبب الرئيسي للتحول إلى الطاقة الشمسية هو انخفاض تكاليف التشغيل والصيانة لنظام الري بالطاقة الشمسية (الشكل رقم 6) وحقيقة أن هذا النظام يعتبر أكثر موثوقية من مضخات الديزل. أفاد جميع مستخدمي نظام الري بالطاقة الشمسية أنهم سعداء كونهم يستطيعون الحصول على كمية المياه التي اعتادوا الحصول عليها ولا يدفعون أي شيء تقريبًا، باستثناء تكلفة رأس المال.

الشكل رقم 5: موارد الطاقة لممارسات الري (يناير/كانون الثاني 2021)

الشكل رقم 6: الأسباب التي أدت إلى استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية (يناير/كانون الثاني 2021)
يتزايد عدد أنظمة نظام الري بالطاقة الشمسية المركبة مع الوقت، فقد قفز من 0% عام 2012 إلى 12% عام 2017 وإلى 31% بحلول نهاية عام 2020 (الشكل رقم 7). وبالمثل شهدت قدرة الضخ لنظام الري بالطاقة الشمسية ممثلة بعمق الضخ تطورًا ملحوظًا في حوض صنعاء. اقتصر استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية عامي 2014-2015 على المياه الجوفية الضحلة (عمق أقل من 15 مترًا) قبل أن يرتفع العمق إلى 360 مترًا عام 2017 ويصل إلى 500 متر عام 2020 (الشكل رقم 8). خلال الحرب الحالية ومع إغلاق معظم المطارات والموانئ اليمنية، يزداد متوسط تبني نظام الري بالطاقة الشمسية في صنعاء بنسبة 4.4% سنويًّا. إذا استمر هذا المسار، فسيتم استبدال أو دعم جميع أنظمة الضخ القديمة في حوض صنعاء بواسطة نظام الري بالطاقة الشمسية في غضون 15 عامًا. إذا استقر الوضع الاجتماعي والسياسي والأمني في اليمن، فمن المتوقع أن يكون التحول إلى نظام الري بالطاقة الشمسية أسرع بكثير. ونظرًا للخبرة التي اكتسبها المزارعون وتنامي سوق الطاقة الشمسية في اليمن، فمن المتوقع أن تشهد البلاد تحولًا كاملًا إلى نظام الري بالطاقة الشمسية في غضون 7 سنوات فقط.

الشكل رقم 7: المعدل التراكمي لتركيب نظام الري بالطاقة الشمسية

الشكل رقم 8: تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية والتكاليف ذات الصلة وعمق الضخ (2014-2020)
تتراوح تكلفة تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية بين 4 آلاف دولار أمريكي لآبار المياه الجوفية الضحلة وما يصل إلى 100 ألف دولار أمريكي لآبار المياه الجوفية العميقة (الشكل رقم 6). ترتبط زيادة العمق ارتباطًا مباشرًا بزيادة التكلفة. بمرور الوقت يتزايد العمق الذي تُركب فيه أنظمة الري بالطاقة الشمسية وبالتالي تزداد تكاليفها. ولكن العلاقة الدقيقة بين التكلفة والعمق ليست ثابتة. تعد جودة نظام الري بالطاقة الشمسية (العلامة التجارية وبلد المنشأ) وحجمه (عدد الألواح الشمسية) من العوامل المهمة أيضًا في سعر تلك الأنظمة. يُعد عمق المياه والتعرض لأشعة الشمس وكفاءة وقدرة النظام من العوامل الرئيسية التي تحدد قدرة الضخ الخاصة بالنظام. قال بعض المزارعين إن نظام الري بالطاقة الشمسية يؤمّن لهم كميات من المياه تساوي ما اعتادوا الحصول عليه باستخدام مضخات أخرى، بينما قال مزارعون آخرون إنهم يحصلون على قدر أكبر من المياه باستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية، حيث قال أحد المزارعين: “تسع ساعات من تشغيل نظام الري بالطاقة الشمسية تعادل استخدام مضخة تعمل بالديزل من السادسة صباحًا حتى منتصف الليل”.
جميع مالكي الآبار يرغبون في الحصول على نظام الري بالطاقة الشمسية، ولكن العقبة الرئيسية التي تواجه معظم المزارعين (69% منهم) هي تكلفة رأس المال لنظام الري بالطاقة الشمسية، حيث أعرب أحد المزارعين عن شعوره بالأسف لفقدانه فرصة عام 2008، عندما عُرض عليه نظام الري بالطاقة الشمسية مجانًا ورفضه، قائلًا “لم أكن أدرك مزاياها”. وأفاد بعض المزارعين أنهم باعوا أصولًا مثل السيارات والذهب من أجل شراء نظام الري بالطاقة الشمسية. لم يتمكن غالبية المجيبين من تحمل تكلفة هذه التكنولوجيا، على الرغم من رغبتهم في الحصول عليها. في عدد من المناطق في حوض صنعاء، يشترك المزارعون في ملكية الآبار والمضخات وينظم ذلك اتفاقيات محلية تفرض على الجميع مشاركة ملكية الآبار الموجودة داخل أراضيهم. عندما لا يملك البعض المال لدفع ما يترتب عليهم لحفر البئر وتركيب المضخة (المضخات الكهربائية والتي تعمل بمحركات الديزل بشكل عام)، يقوم المزارعون الآخرون بالدفع عنه حتى حين. وأفاد المزارعون الذين يمتلكون آبارًا مشتركة أنهم يواجهون صعوبات في استبدال مضخاتهم القديمة بمضخات تعمل بالطاقة الشمسية لأنهم يخصصون وقتًا محددًا لتوزيع المياه لكل مزارع، بالتالي، لا يعتبر نظام الري بالطاقة الشمسية مناسبًا لأنه إذ استُخدم فقد لا تُوزع المياه بالتساوي بينهم. ينتج الضخ بمحركات الديزل كمية ثابتة من الماء، ولكن الاختلاف في أشعة الشمس يعني أن ضخ المياه بالطاقة الشمسية يؤدي إلى استخراج كميات مختلفة من المياه. بالتالي يعني التفاوت المحتمل في كميات المياه التي يتم الحصول عليها في الوقت المخصص يعني أن بعض المالكين المشتركين مترددين حول إدخال نظام ضخ المياه بالطاقة الشمسية. كان 28% من جميع المزارعين الذين شملهم الاستطلاع في صنعاء غير راغبين في تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية بسبب مخاوف الشراكة هذه، في حين لم تكن أقلية صغيرة (3%) مهتمة بنظام الري بالطاقة الشمسية الجديد لأنهم نادرًا ما يستخدمون أنظمة الضخ التقليدية الخاصة بهم (الشكل رقم 9).

الشكل رقم 9: لماذا لم تستخدم أنظمة الري بالطاقة الشمسية حتى الآن؟
شهدت معظم مناطق الحجر الرملي ومناطق الطمي في حوض صنعاء، مثل بني حشيش، زيادة أكثر حدة في أنظمة الري بالطاقة الشمسية مقارنة بالمناطق البركانية، مثل بني مطر. تعتبر الأراضي المسطحة في صنعاء، مثل بني حشيش، أكثر خصوبة من المناطق الجبلية ويقطنها المزيد من المزارعين الأغنياء الذين يمتلكون مزارع القات. ساعد هذا الأمر بشكل كبير في انتشار مضخات الطاقة الشمسية، ففي بني حشيش، رُكبت أكثر من 400 مضخة شمسية بحلول عام 2017 (الشكل رقم 10)، أي ما يقرب من 20% من إجمالي عدد الآبار في تلك المنطقة.
من بين الذين تمت مقابلتهم كان هناك مزارعان يستخدمان نظام الري بالطاقة الشمسية في كل من صنعاء والحديدة. وعلى الرغم من أن المضخات في الحديدة تكلفتها أقل واعماق المياه أقرب (30-60 م) مقارنة بصنعاء، إلا أنهما أكثر سعادة بمضخاتهم في صنعاء كون محصولهما هو القات الذي يضمن أرباحًا أكثر. تفوق فوائد نظام الري بالطاقة الشمسية في صنعاء تكاليفه الأولية لأن المحاصيل المزروعة هناك مربحة. ما دعم هذا الاستنتاج أيضًا هو التجربة المقارنة بمزارعي حضرموت، الذين يتمتع العديد منهم بقدرة مالية منخفضة واضطروا إلى بيع أنظمة الضخ القديمة لتغطية جزء من تكاليف نظام الري بالطاقة الشمسية. أما في صنعاء فيحتفظ غالبية المزارعين بأنظمتهم القديمة التي تعمل بالديزل/ الكهرباء ويستخدمونها كنُظم احتياطية أو تكميلية.

الشكل رقم 10: خريطة رقمية لـ 438 من أنظمة الري بالطاقة الشمسية في بني حشيش (2017)
كما هو الحال في صنعاء، يفضل المزارعون في حضرموت نظام الري بالطاقة الشمسية على أنظمة الضخ الأخرى، حيث يعتبر عمق الضخ في حضرموت (30-60 م) أكثر ملاءمة للمضخات الشمسية وقد بدأ استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية بالانتشار على نطاق واسع. جدير بالذكر أن عددًا من المزارعين في حضرموت أبدوا قلقهم من تأثير تقنيات الطاقة الشمسية على مستويات المياه الجوفية في ظل عدم وجود أنظمة وسياسات واضحة. ومع ذلك، يصف مزارعو حضرموت نظام الري بالطاقة الشمسية بأنه نظام جيد يعاني من مشاكل فنية أقل مما تعانيه أنظمة الكهرباء والديزل. تتراوح تكلفة نظام الري بالطاقة الشمسية في حضرموت ما بين 10 آلاف إلى 17 ألف دولار أمريكي. التكلفة الرأسمالية هي العقبة الرئيسية التي تمنع معظم مزارعي حضرموت من امتلاك تقنية نظام الري بالطاقة الشمسية.
لم يتلقَ مستخدمو نظام الري بالطاقة الشمسية في صنعاء وحضرموت الذين تمت مقابلتهم لأجل هذه الورقة أي تدريب على التركيب أو التشغيل أو الصيانة باستثناء القليل من المعلومات حول التركيب والتي حصلوا عليها من شركات التسويق. أكد هؤلاء المستخدمون أنهم لا يمتلكون أي برامج أو سياسات محددة لتنظيم استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية.
خلال الحرب الحالية، لم يشهد المزارعون الانخفاض في مستويات المياه الجوفية الذي شهدوه قبل الحرب،[47] حيث قال أحدهم “في السنوات الثلاث الماضية لم أركب أنبوبًا واحدًا”، مشيرًا إلى أن إمدادات المياه كانت كافية. في الماضي أدت فترات أزمة الديزل الطويلة إلى انخفاض ساعات تشغيل مضخات الديزل، ما تسبب في ضخ كميات أقل من المياه وبالتالي كانت موارد المياه الجوفية تحت ضغط أقل. علاوة على ذلك، كانت معدلات هطول الأمطار عامي 2019 و2020 أعلى بكثير من المعتاد، حيث قال أحد المزارعين في صنعاء: “إذا استمر هطول الأمطار كما كان في العامين الماضيين، فنادرًا ما سنحتاج المياه الجوفية”. صحيح أن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية يساعد في التخفيف من التحديات التي تفرضها أزمة الوقود، إلا أنه ليس سببًا في زيادة استقرار المياه الجوفية الذي تحدث عنه بعض المزارعين كونه (الضخ بالطاقة الشمسية) ما يزال في مراحله الأولى. تبلغ نسبة المزارعين الذين يستخدمون هذه الأنظمة 31% فقط من المزارعين الذين شملهم الاستطلاع، ويُعد معظم مستخدمي نظام الري بالطاقة الشمسية من كبار مالكي الأراضي، أي الذين يمكنهم تحمل تكلفة الديزل لتشغيل المضخات حتى خلال أزمة الوقود الحالية.
ما تزال أزمة الديزل قائمة أوائل عام 2021، حيث يشتري العديد من المزارعين الديزل من السوق السوداء. ووجدت هذه الدراسة أن متوسط سعر لتر الديزل هو 500 ريال في صنعاء و325 ريال في حضرموت.[48] هذه الأسعار -أسعار يناير/كانون الثاني 2021- تبلغ حوالي خمسة وثلاثة أضعاف سعر الديزل قبل الأزمة. منذ عام 2011. وصلت أسعار الديزل، في بعض الأحيان، إلى 15 ضعف أسعار ما قبل الأزمة. ولكن مع وجود المزيد من أنظمة الري بالطاقة الشمسية أو زيادة توافر الديزل، من المتوقع أن يبدأ المزارعون تدريجيًّا في استخراج كمية أكبر من المياه الجوفية التي استُخرجت قبل الحرب.
كان هناك انخفاض في إنتاج المحاصيل في جميع أنحاء البلاد طول فترة الصراع.[49] يتزايد عدد مزارع القات على حساب المحاصيل الأخرى التي تتضاءل مساحتها، وأصبحت كثير من الآبار تُحفر دون رقابة/مشاركة السلطات الرسمية. قال أحد المزارعين في بني حشيش: “في منطقتنا كان هناك أكثر من 200 مزارع يعملون في محاصيل أخرى غير القات، أما الآن فلا يوجد سوى حوالي 20”. إن التوسع في مزارع القات -والتي عادة ما تقوم على الري بسبب الاحتياجات المائية العالية للقات- يزيد من المخاوف بشأن استخراج المياه الجوفية في المستقبل، خاصةً عندما يستقر الوضع في اليمن ويزداد توافر نظام الري بالطاقة الشمسية والديزل.
هناك اهتمام كبير من الجهات الإنمائية الفاعلة لدعم استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن، كونها توفر الوقود والكهرباء، وتحمي البيئة، وتقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ولها فوائد صحية وعوائد اجتماعية أخرى. تلقّى بعض المزارعين بالفعل بعض الدعم من منظمات محلية (ذكر المستجيبون منظمتي آزال والوطنية) ومنظمات دولية (مثل منظمة الأغذية والزراعة والمنظمة الدولية للهجرة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة كير ومنظمة أوكسفام ومنظمة ميرسي كوربس). تتحكم بعض هذه المنظمات الداعمة في أقصى عمق ممكن لاستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية، ولكن هذا الحال ليس دائمًا. يستطيع المزارعون الذين يمتلكون مساحات كبيرة من الأراضي شراء أنظمة نظام الري بالطاقة الشمسية كما لديهم القدرة في الحصول على مزيد من الدعم المالي من المنظمات. أما أصحاب المزارع الصغيرة فيواجهون معوقات أكبر أمام تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية.
يُنظر إلى المضخات بالطاقة الشمسية على أنها حل قوي محتمل لأوجه القصور الحكومية في استخدام شبكة الكهرباء للزراعة، ولا ينظر صانعو السياسات إلى التأثير المحتمل للمضخات الشمسية على الاستخراج المفرط للمياه الجوفية كمصدر قلق كبير. أما المزارعون، فهم يعتبرون المضخات بالطاقة الشمسية حلًا لضخ المياه وحلًا للطاقة على حد سواء. من منظور اقتصادي، أي مورد سهل الوصول إليه سيكون حتمًا عرضة للاستغلال المفرط، ما لم يتم تقييد الوصول إليه واستخدامه من خلال اللوائح والسياسات الحكومية.
أشار عدد من خبراء الطاقة الشمسية في اليمن، خلال مقابلات مقدمي المعلومات الرئيسيين، إلى أن المضخات بالطاقة الشمسية قد تساعد في الحفاظ على المياه الجوفية وتثبيت مستويات المياه، بالنظر إلى القيود الزمنية المفروضة على الضخ (8-10 ساعات يوميًّا) والقدرة المحدودة لهذه الأنظمة. ولكن، لم تقم أي دراسة بتقييم هذا الأمر بشكل منهجي. بل بالعكس من ذلك تشير بعض الدراسات إلى أن إدخال المضخات بالطاقة الشمسية يمكن أن يخلق مخاطر إضافية للإفراط في استخراج المياه. ومن المرجح أن يؤدي انتشار نُظم الري بالطاقة الشمسية إلى تفاقم الاستغلال المفرط لخزانات المياه الجوفية لا سيما بالنظر إلى ما أسفر عنه دعم الديزل في السابق عندما أدى إلى الاستغلال المفرط لموارد المياه الجوفية والانخفاض الكبير لها على مدى عقود.[50] فمثلًا أُبلغ عن زيادة معدلات هدر المياه بعد الانتشار المكثّف للضخ بالطاقة الشمسية في أجزاء من الهند والصين.[51]
كما وجدت هذه الدراسة أن معظم المزارعين الذين أُجري معهم الاستطلاع والذين يستخدمون نظام الري بالطاقة الشمسية احتفظوا بمضخاتهم القديمة لاستخدامها في الليل أو حسب الحاجة. احتفظ جميع مالكي نظام الري بالطاقة الشمسية في حوض صنعاء بمضخاتهم القديمة (معظمها تعمل على الديزل) كنظم احتياطية، في حين كان لدى البعض الآخر (6%) أكثر من بئر واحد، ويشغلون أنظمة ضخ تعمل بالديزل والطاقة الشمسية في الوقت نفسه. يعتمد المستخدمون الحاليون لنظام الري بالطاقة الشمسية بشكل أساسي على أنظمة الطاقة الشمسية ولا يستخدمون المضخات التي تعمل على الديزل إلا عندما يكون الماء الذي يوفره نظام الري بالطاقة الشمسية غير كافٍ، خاصةً أثناء الليل في موسم الصيف أو في الأيام الملبدة بالغيوم. في الواقع وكما ذكرنا سابقًا، أفاد بعض المزارعين عن استخراجهم مياه أكثر عن طريق نظام الري بالطاقة الشمسية. هناك أدلة متزايدة على أن التكلفة التشغيلية المنخفضة والطاقة المتاحة لنظام الري بالطاقة الشمسية تساهمان في الاستخراج المفرط للمياه الجوفية، وتقليل منسوبها، والتأثير سلبًا على جودة المياه.[52] يدعم خبراء الطاقة اليمنيون استخدام الطاقة الشمسية في جميع القطاعات، مع اهتمامهم الرئيسي بجودة معدات الطاقة الشمسية المستوردة، بغض النظر عن أي تأثير بيئي طويل الأجل.
خبراء المياه والري اليمنيون يدعمون ايضا استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية في اليمن، ولكن بطريقة تمنع استنزاف المزيد من المياه الجوفية الشحيحة. يقلل استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية من استهلاك الوقود المستورد والكهرباء ويخفف الضغط على الاقتصاد (حيث يعتمد الاقتصاد اليمني على الوقود إلى حد كبير)، والأهم من ذلك أنه يوفر وسيلة أرخص وصديقة للبيئة لضخ المياه. يُعد هذا مهمًّا في المناطق الريفية بشكل خاص حيث الزراعة هي الخيار الرئيسي لكسب العيش. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التأثير السلبي المحتمل لنظام الري بالطاقة الشمسية على استخراج المياه الجوفية في غياب سياسات وأنظمة واضحة. لذلك هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الشاملة التفصيلية حول التأثير المحتمل لنظام الري بالطاقة الشمسية، مقارنة بالأنظمة التقليدية التي تعمل بالوقود.
على الرغم من أن نظام الري بالطاقة الشمسية لديه قيود تتمثل في تكلفة رأس ماله والفترة الزمنية المحدودة للضخ (ساعات النهار)، فما زال هناك خطر الاستغلال المفرط لموارد المياه الجوفية المرتبطة بالاستخدام الواسع النطاق لتكنولوجيا نظام الري بالطاقة الشمسية والإعانات ذات الصلة. في المغرب مثلًا عُلق الدعم الموجه نحو ضخ المياه بالطاقة الشمسية بسبب قلق الحكومة المتزايد بشأن استنفاد موارد المياه الجوفية.[53] مصدر قلق آخر هو أن المزارعين قد يقومون بالري أكثر خلال ساعات النهار، مما يقلل من كفاءة الري وإنتاجية المياه. لا يزال معظم المزارعين في اليمن يمارسون الأساليب القديمة للري بالغمر وقليل منهم يمتلك أنظمة ري حديثة. يجب معالجة جميع هذه المخاوف بشكل منهجي على مستوى المجتمع والسياسة، ويجب إعداد سياسات وأنظمة شاملة. لا يعتقد خبراء المياه أنه يجب دعم المزارعين بإعانات مالية لتغطية التكاليف الرأسمالية لنظام الري بالطاقة الشمسية، وبدلًا من ذلك يدعون إلى تقديم الدعم في شكل مساعدة فنية وبناء القدرات جنبًا إلى جنب مع المعلومات حول الإدارة المستدامة للمياه.
وبحسب المزارعين الذين شملهم الاستطلاع، فإن القيود الرئيسية على توسيع استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية تشمل في المقام الأول تكلفة الاستثمار الأولية المرتفعة (تكلفة النظام)، إضافة إلى الجودة المتغيرة للألواح والمحولات والمضخات بسبب عدم وجود معايير موحدة وعدم إصدار الشهادات وغياب ضوابط الاستيراد، الأمر الذي يزداد سوءًا في بعض الأحيان بسبب التجار غير الأمناء.
يشكل الأمن الغذائي تحديًّا في اليمن، لكن التركيز على هذا التحدي لا ينبغي أن يكون على حساب الأمن المائي للبلاد المعرّض للخطر. بوسع أنظمة الري بالطاقة الشمسية أن تزيد إنتاج الغذاء من خلال تسخير طاقة موثوقة ومستدامة لتوفير الري في الوقت المناسب، ولكن قد تكون هذه الفوائد معرضة للخطر إذ أن الكثير من دراسات الجدوى الفنية حول أنظمة الري بالطاقة الشمسية لا تجري التقييم المناسب لموارد المياه المتاحة واستخدامات المياه وكيف ينعكس استبدال المضخات التي تعمل بالديزل بتلك التي تعمل بالطاقة الشمسية على العلاقة بين الماء والطاقة والغذاء (الشكل 11). يجب أن تكون الجهود المبذولة لتحقيق الأمن الغذائي في اليمن مرتبطة دائمًا بالأمن المائي. بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من اليمنيين الريفيين واعتمادهم على الزراعة، فإن ضمان استخدام تقنية الري الأنسب والموفرة للمياه أمر مهم للغاية. كما أن تفعيل النظم التقليدية لتجميع مياه الأمطار وتطوير الزراعة البعلية (المطرية) لهما نفس القدر من الأهمية، حيث أن العديد من المناطق تفتقر إلى المياه الجوفية الكافية لتمكين الري التكميلي الضئيل للغاية، في حين لا تمتلك مناطق أخرى المياه أساسًا. أنسب المناطق للري باستخدام نظام الري بالطاقة الشمسية هي تلك التي يتراوح معدل هطول الأمطار فيها بين 300-400 مم مثل حجة وإب. في جميع الحالات، يجب وضع كل من فائدة نظام الري بالطاقة الشمسية واستدامة المياه الجوفية في المنطقة قيد الدراسة بعين الاعتبار.

الشكل رقم 11: الري بالطاقة الشمسية والعلاقة بين المياه والطاقة والغذاء[54]
على الرغم من أن نتائج هذه الدراسة تشير إلى وجوب توخي الحذر في استخدام الطاقة الشمسية للري، إلا أنه ينبغي التأكيد على أن تعزيزها وترويجها للاستخدام في إمدادات المياه المنزلية والكهرباء المنزلية هو تطور إيجابي جدًا ويجب تشجيعه. بهذه الشكل ستوفر الطاقة الشمسية الخدمات الأساسية للسكان، خصوصًا لآلاف الأسر الريفية في جميع أنحاء البلاد التي لولاها لما كان بإمكانهم الوصول إلى هذه الخدمات الأساسية في ضل الوضع الحالي.
فيما يتعلق بالإدارة المستدامة لموارد المياه الشحيحة في اليمن، كانت النتيجة الرئيسية لهذه الدراسة هي أن نظام الري بالطاقة الشمسية يتطلب تنظيمًا وإدارة أفضل، وذلك بالإضافة إلى طرق استخراج المياه الأخرى والمستخدمة في الزراعة بشكل أساسي والاستخدامات المنزلية وغيرها. توضح البيانات الميدانية التي جُمعت لهذه الدراسة أن استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية زاد بشكل كبير خلال العقد الماضي في اليمن. كما تُظهر البيانات أنه من المرجح أن يؤثر استخدام الطاقة الشمسية للري في اليمن الغنية بالطاقة الشمسية والمفتقرة للمياه الجوفية سلبًا على موارد المياه الجوفية في ظل غياب اللوائح المطبقة بشكل فعّال. بعبارة أخرى، نظام الري بالطاقة الشمسية هي آلية أخرى، وما لم تتم إدارتها بشكل جيد، يمكن أن تسهم في تفاقم مشكلة ندرة المياه بشكل عام في اليمن. العامل الحاسم الذي يحدد جاذبية نظام الري بالطاقة الشمسية للمزارعين هو أن التكلفة الهامشية لضخ المياه بالطاقة الشمسية والتي تكاد لا تذكر بمجرد قيامهم بالاستثمار الأولي (شراء النظام).
الأمر الواضح أيضًا هو أن تكلفة نظام الري الشمسي تزداد بشكل كبير مع ازدياد عمق منسوب المياه الجوفية. في حالة حوض صنعاء حيث الآبار عميقة، تصل تكاليف تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية إلى 100 ألف دولار أمريكي. وبالتالي فإن طريقة الري هذه تزيد من الفجوة بين المزارعين الفقراء والأغنياء.
وحتى في الأماكن التي من الممكن فيها الوصول للمياه في أعماق أقل، فإن معظم أصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة لا يستطيعون تحمل كلفة سعر تركيب نظام الري بالطاقة الشمسية. يُعد نظام الري بالطاقة الشمسية متاحًا أكثر للمزارعين الأغنى، أي الذين يمتلكون أعمالًا أخرى و/أو يزرعون المحاصيل الأعلى قيمة.
من الجدير بالذكر أن جميع أشكال الري من الآبار العميقة تتجاوز إمكانيات غالبية أصحاب الحيازات الصغيرة، وهذا ينطوي عليه عدد من الآثار. أولًا، يمكن للمزارعين تبرير ري المحاصيل ذات القيمة الأعلى، والأرجح أنهم سوف يوسعون مساحاتهم المزروعة بالقات على حساب زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية، مثل الذرة. ثانيًّا، تكاليف الري، اضافة إلى الضغوط الاقتصادية الأخرى، قد تؤدي الى تركيز ملكية الأراضي بشكل أكبر، حيث يضطر أصحاب الحيازات الصغيرة إلى بيع أصولهم، مما يؤدي إلى تفاقم التمايز الاجتماعي تدريجيًّا. يجب أن تأخذ السياسات التي تركز على الحد من عدم المساواة هذه العوامل في الاعتبار عند تخطيط إدارة المياه.
حوض صنعاء ليس المنطقة الوحيدة حيث طبقات المياه الجوفية عميقة حاليًّا، فالأمر ذاته ينطبق مثلا على صعدة وغيرها. يعتبر خطر الاستغلال المفرط غير المستدام لطبقات المياه الجوفية -وفي نهاية المطاف استنفادها- مرتفعًا في جميع أنحاء البلاد. لا يعني استنفاد طبقات المياه الجوفية إنهاء الزراعة فحسب، بل يعني نهاية كون المنطقة صالحة للسكن، مما يؤدي في النهاية إلى الهجرة القسرية.
لا تُنفذ الأطر القانونية الرسمية في اليمن بشأن المياه بشكل كامل، وفشلت تلك الأطر على كل حال في التطرق لتقنيات نظام الري بالطاقة الشمسية التي أُدخلت حديثًا. يجب تحديث جميع الأطر واللوائح القانونية المتعلقة بالمياه والطاقة ومراعاة خصوصيات تقنيات الطاقة الشمسية، ومنها استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية. على المدى القصير، قد يكون من الصعب التحكم في التقنية أثناء الحرب. ولكن من الضروري أن يقوم جميع مستخدمي نظام الري بالطاقة الشمسية، بما في ذلك الشركات والمؤسسات التي تقوم بتركيب أنظمة الري بالطاقة الشمسية، بزيادة فهمهم لهشاشة مناسيب المياه الجوفية. يتضمن ذلك تطوير برنامج توعية واسع النطاق من شأنه أن يساعد على تحسين استخدام نظام الري بالطاقة الشمسية ويكون بداية جيدة نحو تقليل الاستغلال المفرط لخزانات المياه الجوفية. ولكن على المدى المتوسط والطويل يجب على السلطات تنظيم نظام الري بالطاقة الشمسية وإعادة الاستخدام الآمن والمستدام لموارد المياه في اليمن.
بالنظر إلى الصراع الحالي هناك تحديات كبيرة في تطبيق عدد من التوصيات أدناه. ولكن هناك بعض التوصيات العملية التي من الممكن أن تُطبق حاليًّا.
الحواشي والمراجع: