على الرغم من تأثره بشكل كبير بالأزمات السياسية والاقتصادية وآثار الحرب، إلا أن قطاع المقاولات في اليمن يعتبر قطاعاً حيوياً لجهود التعافي وإعادة الإعمار في البلاد. في إطار السياق الأوسع لقطاع البناء والتشييد في اليمن، يقدم موجز السياسات هذا تحليلاً شاملاً لقطاع المقاولات، وهو القطاع المعني بالأعمال التي يتم تنفيذها في موقع المشروع مثل إنشاء المباني والهياكل أو تجديدها أو إصلاحها، فضلاً عن الإنشاءات الثقيلة الأخرى مثل الطرق والجسور والسدود. يتناول هذا الموجز حالة قطاع المقاولات قبل الحرب، وتحولاته على مدى العقود الثلاثة الماضية، والتحديات التي واجهها، مثل القضايا الأمنية، والتشريعات غير الفعالة، والفساد المستشري التي أدت إلى ازدهار الأنشطة غير الرسمية. كما يسلط الموجز الضوء على المرونة الملحوظة والقدرة على التكيف لقطاع المقاولات، ويبين أن المقاولين المحليين، بخبراتهم وفهمهم، مهمون لمستقبل القطاع وأنهم في وضع جيد للعب دور رئيسي في أي فرص إعادة إعمار قادمة.
كما يستكشف هذا الموجز حالة اعتماد معايير المباني الخضراء في قطاع المقاولات في اليمن، وأهمية دمج استراتيجيات التنمية المستدامة والممارسات الصديقة للبيئة. ويؤكد الموجز على دور القطاع في خلق فرص العمل، وخاصة للشباب، ويحلل دور المرأة اليمنية في القطاع ويقترح ما يمكن عمله لتعزيز مشاركتها بصورة أوسع في القطاع.
ويختتم الموجز بتقديم توصيات لاتباع نهج شامل يضم جميع أصحاب المصلحة. وتشمل التوصيات عقد اجتماعات فنية بين شركات المقاولات والجهات الحكومية، وتشكيل لجنة وطنية لصياغة رؤية استراتيجية، واستكشاف سبل تنشيط القطاع ليتمكن من المشاركة الفعالة في مراحل التعافي والتنمية المستقبلية.
يشهد قطاع التمويل الأصغر في اليمن تحولاً جذرياً؛ فعلى الرغم من النجاح المبدئي في تمكين الشركات الصغيرة، كشف الصراع المستمر عن نقاط ضعف هيكلية في هذه المنظومة. ورغم أن التنافس بين البنكين المركزيين المنقسمين (في عدن وصنعاء) أدى إلى زيادة منح تراخيص لبنوك التمويل الأصغر مما يَعِد بتوسيع نطاق الشمول المالي وتعميم الخدمات المالية، لا تزال هناك شواغل جدية بشأن الاستدامة المالية والاستقرار المالي على المدى الطويل.
هناك العديد من العوامل الأخرى التي تدفع شركات الصرافة القائمة إلى التحوّل إلى بنوك للتمويل الأصغر، وتشمل هذه العوامل: تراجع الثقة في النظام المصرفي التقليدي، ونمو القطاع المالي غير الرسمي، ومراوغات شركات الصرافة نفسها. بالإضافة إلى ذلك، فإن متطلبات أو اشتراطات الدخول في قطاع التمويل الأصغر الأقل تعقيداً مقارنة بالقطاع المصرفي التقليدي تجعل التحوّل إلى بنوك تمويل أصغر خيارًا جذابًا لمثل هذه الشركات.
لنموّ عدد البنوك العاملة في قطاع التمويل الأصغر تحدياته الخاصة، حيث أدى الانقسام الحاصل في البنك المركزي اليمني إلى خلق ساحة تنافس غير متكافئة، مما يعيق الجهود الرامية الى تحقيق الشمول المالي. فإصدار التراخيص بسرعة خلال إطار زمني قصير دون تخطيط سليم يهدد الاستقرار المالي، هذا إلى جانب البُعد الجغرافي والبنية التحتية الضعيفة التي تجعل من وصول سكان الريف لهذه الخدمات أمراً صعباً ومكلفاً. كما أدى عدم الإلمام بالمسائل المالية وعدم اعتياد سكان بعض المناطق على أخذ القروض إلى زيادة تعقيد عملية اكتساب العملاء.
استقطاب موظفين غير متمرسين في بنوك التمويل الأصغر المنشأة حديثاً يثير القلق بشأن وجود خبرات في مجال التمويل الأصغر وممارسات الإقراض المتسمة بالمسؤولية. ومن ثم تلوح في الأفق فكرة “الانحراف عن المهمة” التي أنشئت من أجلها، حيث تولي بنوك التمويل الأصغر أولوية للعملاء الذين يسهل الوصول إليهم في المدن الرئيسية على حساب سكان الريف المحرومين من الخدمات المصرفية. ويمكن أن تؤدي المنافسة المحتدمة إلى وجود ممارسات غير مستدامة، مثل الإقراض المفرط، مما يعرض العملاء أنفسهم المستهدفين بخدمات هذه المؤسسات للخطر.
بالرغم من تلك التحديات، تمتلك بنوك التمويل الأصغر إمكانات هائلة حيث تستطيع سد الفجوة القائمة في الشمول المالي وتمكين رواد الأعمال من سكان الريف المحرومين عادة من الخدمات المصرفية. وعلى عكس مؤسسات التمويل الأصغر التقليدية التي تعتمد على الجهات المانحة، تعتمد بنوك التمويل الأصغر نموذجاً للتمويل المستدام عبر الاستفادة من مدخرات العملاء. كما يُتيح الإطار التنظيمي لبنوك التمويل الأصغر في اليمن تقديم خدمات مالية أوسع مقارنة بالدول العربية الأخرى.
هناك حاجة إلى بذل جهد تعاوني من جانب البنك المركزي اليمني وبنوك التمويل الأصغر والجهات المانحة الدولية على حد سواء، من أجل ضمان مستقبل مستدام لهذا القطاع. يتعيّن على البنك المركزي اليمني تعليق إصدار التراخيص لبنوك التمويل الأصغر المنشأة حديثاً بصفة مؤقتة لحين إجراء تقييم شامل للوضع الحالي؛ ولابد من تعزيز الإطار التنظيمي لبنوك التمويل الأصغر، مع التركيز على تهيئة بيئة للتنافس العادل، وإدارة المخاطر، وحماية مصالح العملاء.
قد يؤدي دمج بنوك التمويل الأصغر وتوسيع نطاق الأنشطة المصرفية لتشمل الفئات الفقيرة أو ذات الدخل المحدود إلى نشوء مؤسسات أقوى وقطاع مالي أكثر كفاءة. على بنوك التمويل الأصغر نفسها أن تعمل على تطوير نماذج مستدامة لأعمالها وتطوير قدراتها من خلال تنفيذ برامج التدريب واعتماد الوسائل التقنية. كما أن التعاون في وضع استراتيجيات تواصل مع العملاء في المناطق الريفية عامل بالغ الأهمية، حيث قد يعزز الاستفادة من حلول التكنولوجيا المالية (FinTech). فضلا عن ذلك، من المهم وضع أطر فعالة لإدارة المخاطر ونظام وطني للمعلومات الائتمانية باعتبار ذلك عنصرًا جوهريًا لمنع الإفراط في الاستدانة. وأخيرا، يعد تبادل المعرفة ورصد الأثر ضروريين لتحقيق تحسن مستمر وتوجيه عملية صنع القرارات المبنية على البيانات المتوفرة.
تطرح بنوك التمويل الأصغر فرصًا وتحديات في القطاع المالي باليمن، لكن بإمكانها أن تصبح محركًا قويًا للشمول المالي والنمو الاقتصادي والحد من الفقر في البلاد من خلال معالجة المعوقات القائمة وتنفيذ استراتيجية شاملة تعزز من قطاع التمويل الأصغر.
تواجه المجتمعات الزراعية في اليمن موجة حقيقية من التهديدات البيئية المتزايدة وسط الصراع الذي طال أمده في البلاد. إذ تتسبب الفيضانات والسيول المفاجئة في تدمير المزارع والمحاصيل الزراعية وأنظمة الري، وتهدد الأمطار التي تأتي على نهاية الموسم الزراعي بإغراق المحاصيل، كما أن انغمار الحقول الزراعية بالمياه يُعيق نمو جذور النباتات. وتعاني المناطق الساحلية من زيادة الملوحة في التربة فضلًا عن العراقيل التي تسببها الطرق المدمرة والآبار الجوفية المطمورة أمام جهود التعافي. وبما أن لهذه الفيضانات وتغيّر أنماط هطول الأمطار انعكاسات سلبية على المحاصيل والغلال، فإن المزارعين في اليمن يكافحون للحفاظ على سُبل عيشهم في وقت يعتمد أكثر من نصف سكان البلاد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل. من ناحيةٍ أخرى، تغيّر الفيضانات تضاريس الأرض وتمحو معالم وحدود الملكيات للأراضي وقنوات الري، مما يخلق توترات في أوساط المجتمعات ويؤدي إلى نزوح المجتمعات المحلية من مناطقها والتي أحيانًا تكون قد هُجرت بسبب الحرب. إدارة الفيضانات التقليدية تتعرض لضغوط من حيث الإهمال والتدخلات العشوائية وغير المنسقة وضعف التعاون المجتمعي، فضلًا عن الفجوات المستمرة في البيانات المتوفرة التي تعتمد على بيانات تقديرية عفا عليها الزمن مع محدودية القدرة على الرصد.
تستخدم الجهات الفاعلة المعنية استراتيجيات مختلفة للتغيير والتكيّف. لدى بعض المجتمعات المحلية القدرة على تحويل مسار تدفقات فائض المياه والتعاون في جهود إعادة الإعمار. بينما تساعد عدد من المنظمات غير الحكومية في تأهيل وإصلاح الأراضي المتدهورة وإنشاء أنظمة الإنذار المبكر، بينما ساعد القطاع الخاص في تحسين جانب من عمليات الرصد لمعالجة الثغرات في البيانات الحكومية. غير أن السياسات غير المتسقة، والافتقار إلى التنسيق بين الأطراف والجهات ذات العلاقة، والقيود المفروضة على مشاركة المرأة، إلى جانب الصعوبات المالية واسعة النطاق، عوامل تقوّض الإدارة الشاملة للمخاطر.
في هذا السياق، تبحث هذه الورقة في تأثير الفيضانات على المجتمعات الزراعية بالاستناد على مناقشات ونتائج ورشة عمل ضمن مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن التي ضمت ممثلين من مختلف المحافظات اليمنية. كما تقدم تحليلًا لآثار الفيضانات، وتستعرض تدابير وإجراءات الوقاية والتخفيف والتكيف المحليّة. وتختتم الورقة بتوصيات سياساتية للتخفيف من حدة الفيضانات وتأثيرها على المجتمعات الزراعية، وتعزيز حالة الأمن الغذائي والمائي، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
يقدّم موجز السياسات هذا توصيات لتمكين السلطات المحليةّ من تقديم الخدمات وقيادة عملية التنمية الاقتصادية المحلية في اليمن بشكل أكثر فاعلية، ويستعرض الموجز ثلاثة مسارات حالية تسعى إلى تمكين المحلّيات في اليمن، لاستخلاص الدروس المستفادة والتحديات والفرص المناسبة.
ويُبرز تحليل الجهود الحاليّة أهمية بناء التوافق بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية لتحقيق النجاح في تمكين المحليات، كما يُبرز أهمية حلّ المخاوف السياسية وتحقيق مستوى من الإجماع السياسي في حدّه الأدنى؛ لتتمكن هذه الجهود من المضيّ قدماً. كما يُظهر، من خلال الجهود الحاليةّ، الحاجة إلى معالجة التحديات المتعلقة بالتمويل وتعزيز الشفافيّة والمساءلة وتطوير القدرات البشرية على المستوى المحليّ
وعليه، توصي هذه الورقة بأهمية وضع مبادئ توجيهية لتوزيع السلطات والصلاحيات بين المركز والمحليات بشكل دقيق وواضح، والاستفادة من إمكانات القطاع الخاص لدفع النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتقديم الخدمات، والاستثمار في المحليات، وأخي اًرً تشجيع الشراكات بين المنظمات الدولية والمانحين والسلطات المحلية؛ لتمكين المحليات من تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية المحلية
منذ أبريل/ نيسان 2022، تحولت الحرب في اليمن من صراع خلّف خسائر وعدد كبيرة من الضحايا إلى حالة من الجمود المستمر مع ما شهدته جبهات القتال من هدوء نسبي. تحوّل الصراع اليوم إلى حرب محورها الاقتصاد، حيث تستغل جماعة الحوثيين (حركة أنصار الله) المفاوضات الجارية وقوتها العسكرية لممارسة ضغوط مالية على الحكومة المعترف بها دوليًا. تتسم المرحلة الراهنة بتوسّع الحرب الاقتصادية مع قيام سلطات الحوثيين بتضييق الخناق على الأنشطة التجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مما أجج سخط واستياء عام نتيجة انهيار الخدمات العامة وتدهور قيمة العملة في تلك المناطق.
تتناول هذه الورقة بالتفصيل الظروف التي ساهمت في تراجع تدفقات الإيرادات العامة للحكومة المعترف بها دوليا، وتُحدّد السبل المحتملة لاستعادتها. تستند التفاصيل الواردة في الورقة إلى دراسات أجرتها الوحدة الاقتصادية لمركز صنعاء وإلى المشاورات والمناقشات المنبثقة عن الاجتماع التاسع لمنتدى رواد التنمية، الذي عُقد في الفترة من 24 إلى 26 مايو/ أيار في عمّان – الأردن في إطار مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.[1] تباحث المشاركون آنذاك السبل المحتملة للتخفيف من تداعيات الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة واقترحوا إجراء المزيد من دراسات الجدوى حول مصادر الإيرادات المحتملة الأخرى المُمكن استغلالها.
لا يُتوقع أن يكون للتدابير المطروحة في هذه الورقة تأثير سريع في زيادة العائدات المالية للحكومة دون رفدها بآليات أخرى، لكنها قد تخفف على الأقل من المأزق الحالي الذي تواجهه الحكومة وقد تساعدها على استعادة درجة من الثقة في قدرتها على إدارة الأزمة. في هذا السياق، يحتاج اليمن إلى تفعيل مسارين: ١) هدنة اقتصادية تفصل بين التنافس العسكري (الذي يشهد حالة من الجمود) وبين سبل كسب عيش ورفاه السكان المدنيين ممن أُلقي بهم في براثن الفقر واليأس. ٢) دعم مالي متواصل من السعودية والإمارات، بما يُتيح ترشيد الإيرادات والنفقات على المدى الطويل وضمان إدخال الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها.
[1] تهدف المبادرة إلى المساهمة في بناء السلام، ومنع نشوب الصراعات، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة من خلال بناء توافق في الآراء حول بعض السياسات الجوهرية. تُركز المبادرة على تعزيز الأصوات اليمنية وإشراكهم في النقاشات العامة المتمحورة حول التنمية والقضايا الاقتصادية وإعادة إعمار اليمن في مرحلة ما بعد الصراع، ويجري تنفيذها من قبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية و مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (كاربو) و شركة ديب روت الاستشارية، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي وسفارة مملكة هولندا لدى اليمن. تستند جميع الأرقام الواردة التي جمعتها الوحدة الاقتصادية لمركز صنعاء إلى إحصاءات الحكومة (ما لم يذكر خلاف ذلك).
لا يزال ضعف خدمات الكهرباء في اليمن عائقًا رئيسيًا أمام التنمية الاقتصادية المستدامة التي تفاقمت بسبب الصراع المستمر والأضرار المتعلقة بالبنية التحتية لقطاع الكهرباء.
نظرًا لامتلاك اليمن مستويات عالية من الإشعاع الشمسي وأيضًا متوسط عالي من ساعات السطوع الشمسي اليومي على مدار السنة، تُعدّ الطاقة الشمسية بديلًا مناسبًا ومجديًا من حيث التكلفة مقارنة بإمدادات الكهرباء السائدة حاليًا والتي تعتمد على الوقود الأحفوري.
تبتدئ هذه الورقة بمقدمة حول إمداد الكهرباء في اليمن، وتستعرض بعد ذلك تطبيقات محددة لمشاريع الطاقة الشمسية وجدواها في إطار البيئة الهشة في اليمن. كما تنظر في إمكانية الشراكة مع القطاع الخاص في قطاع الطاقة الشمسية، وتقدم أخيرًا توصيات وخطوات عملية للتغلب على التحديات التي تواجه توسيع نطاق الاستثمارات في قطاع الطاقة الشمسية في اليمن.
ترى الورقة أن هناك حاجة ملحة إلى نقلة نوعية لمعالجة أزمة الطاقة في اليمن وبدء نشاط اقتصادي هادف، بدءًا من التركيز الحصري على محطات توليد الطاقة المركزية الكبيرة التي تعتمد على الوقود الأحفوري، إلى إعطاء الأولوية لمحطات توليد الطاقة المتجددة الموزعة الأصغر حجمًا التي يمكن أن توفر فرص عمل وسبل العيش لليمنيين، ومن التخطيط والتنفيذ المركزي إلى تمكين السلطات المحلية والفروع المحلية للمؤسسة العامة الكهرباء لتتولى للقيادة في هذا القطاع، ومن التركيز المفرط على دعم الأنظمة الشمسية الصغيرة المعزولة عن الشبكة التي توفرها المنظمات الدولية غير الحكومية والوكالات الإنمائية، إلى إعطاء الأولوية لتأسيس نماذج تمويل مبتكرة وكذلك التدخلات التي تخلق وتطور السوق وتدعم استدامة القطاع على نطاق واسع.
الكهرباء عماد أي اقتصاد وضرورة من ضرورات الحياة العصرية، وقد شكّل ضعف خدمات الكهرباء في اليمن منذ فترة ما قبل الحرب أحد العوائق المهمة أمام تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتوفير الخدمات الأساسية، مثل إمدادات المياه، الرعاية الصحية، التعليم، ويهدف موجز السياسات هذا إلى تحديد الأولويات القصوى لاستعادة خدمات قطاع الكهرباء وإصلاح القطاع بعد الحرب؛ إذ يبتدئ الموجز بخلفية حول قطاع الكهرباء والمؤشرات ذات الصلة بهذا القطاع قبل الحرب، ومن ثَم يناقش تأثير الحرب على أداء قطاع الكهرباء، ويختتم الموجز بمجموعة من الأولويات القُصوى التي تهدف إلى استعادة القطاع لقُدرات ما قبل الحرب، ومن ثَم مواصلة إصلاحات قطاع الكهرباء من أجل تحسين الأداء. وتشتمل التوصيات الفورية وقصيرة المدى على تبني خطة تعافٍ واقعية وعَمَلية، وتأمين التمويل لإعادة تأهيل البنية التحتية للقطاع، ومراجعة تعرفة الكهرباء، وتقليل معدّلات الفاقد الفني وغير الفني للكهرباء، وشراء الطاقة الكهربائية عند الحاجة من خلال عملية تنافسية وبالخيارات الأقلّ تكلفة، مثل الغاز والطاقة المتجدّدة، وتأمين إمدادات الوقود ورواتب موظفي القطاع، واستئناف جميع المشاريع العالقة، وإيجاد حلول مستدامة ومجدية لإمدادات الكهرباء في كلّ محافظة لتجنّب التحديات المرتبطة بمركزية شبكة الكهرباء، وتركيب أنظمة طاقة شمسية معزولة عن الشبكة ليمكن ربطها بشبكة الكهرباء عند استعادتها. أما الأولويات المتوسطة والطويلة الأجل فتشتمل على توصيات محدّدة في خمس فئات تتعلق بالتالي: ١) الإطار القانوني والتنظيمي؛ ٢) الترتيبات المؤسّسية؛ ٣) القدرات والأداء؛ ٤) مشاركة القطاع الخاص؛ ٥) القضايا الفنية.
كُتب هذا الموجز بناء على ورقة بحثية معمقة ومفصلة بالعنوان نفسه، ونُشرت في 25 مايو 2021، ويمكن الاطلاع عليها في موقع منتدى رواد التنمية أو عبر هذا الرابط.
تُدير وزارةُ الكهرباء والطاقة قطاعَ الكهرباء في اليمن، وتتحمّل مسؤولية وضع السياسات والخطط الاستراتيجية للقطاع، بينما تتولّى المؤسسةُ العامة للكهرباء مسؤوليةَ توفير الكهرباء وإدارة القطاعات الفرعية للتوليد، إضافة إلى عمليتي النقل والتوزيع. وتأسّست الهيئة العامة لكهرباء الريف عام 2009، وهي الهيئة المسؤولة عن كَهْربة المناطق الريفية التي تقع خارج المدن الرئيسية والثانوية. يوضح الشكل البياني أدناه العلاقات المتبادلة بين الجهات المختلفة في قطاع الكهرباء. وفيما يتعلّق بالإطار القانوني، كان قانون الكهرباء رقم 1 لسنة 2009 هو القانون الأساسي الذي يحكم أنشطة القطاع، وقد نصّ هذا القانون على عدد من الإجراءات الإيجابية والطموحة لإصلاح القطاع وتحسين أدائه، منها تقسيم المؤسسة العامة للكهرباء إلى ثلاث شركات: توليد ونقل وتوزيع، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلّة للتحكّم في أنشطة القطاع. ومع ذلك، لم يُتّخذ أي من هذه التدابير حتى الآن.

شكل بياني: العلاقات المتبادلة بين أصحاب المصلحة الوطنيين الرئيسيين
بدأت مشاركة القطاع الخاص في قطاع الكهرباء عام 2006، وقد اقتصرت بشكل أساسي على توليد الكهرباء. وبناءً على عقود قصيرة الأجل، قامت المؤسسة العامة للكهرباء بشراء الطاقة من المنتجين الخاصّين وزوّدتهم بالوقود اللازم للتوليد. كان دور القطاع الخاص بشكل أساسي هو توفير الدعم للمؤسسة العامة للكهرباء في سدّ فجوة الإمداد بالكهرباء. عام 2013 شكّلت حصّة الطاقة المشتراة نحو 38% من إجمالي التوليد في حين مثّلَ متوسط تكلفة الطاقة المشتراة من 2008 إلى 2012 نحو 48% من عائدات الطاقة المبيعة، مما يشير إلى أن الحكومة والقطاع على وجه الخصوص قد تكبّدوا أعباء مالية كبيرة بسبب شراء الطاقة من المنتجين الخاصين. حتى عام 2015 استحوذ القطاع السكني على معظم استهلاك الكهرباء، وقد شكّل القطاع 65%. نظرًا لعدم موثوقية العرض، اعتمدت معظم المنشآت في القطاعات الاقتصادية، مثل التجارية والصناعية على مولدات الديزل الخاصة بها مصدرا رئيسيا أو نظاما احتياطيا. في عام 2012 كان هناك نحو 2 مليون مشترك في قطاع الكهرباء، وكانت الفجوة في قدرة التوليد تعادل 376 ميجاواط. وبسبب السعة المحدودة، بلغ الطلب على الطاقة غير المخدومة نحو 33% عام 2011 و25% عام 2012، مما أدى إلى عدم القدرة على توفير الكهرباء لجميع المشتركين في أوقات الذروة. كانت تعرفة الكهرباء مدعومة بشكل كبير، وكانت أقل بكثير من تكلفة الإمداد المرتفعة. في عام 2014 كان متوسط معدل استرداد التكلفة 33% فقط (حسب أسعار الوقود في السوق المحلية).
تُعدّ مشاريع محطات توليد الكهرباء في مأرب 1 و2 (بالإضافة إلى مشاريع ربط الكهرباء مع البلدان المجاورة) من المكونات الإستراتيجية لقطاع التوليد الفرعي. رُكّبت محطة مأرب الغازية لتوليد الكهرباء عام 2009 في منطقة صافر بالقرب من حقل الغاز حيث قامت المحطة بتوفير نحو 50% من الطاقة المولدة، وهذا يمثل 40% من السعة الفعلية المركبة (340 ميجاواط) في اليمن. أدّت محطة مأرب دورًا حاسمًا في تعزيز قدرة التوليد، وذلك عن طريق استخدام الموارد الأقل تكلفة والمتاحة محليًا. بالنسبة للمرحلة الثانية بدأَ بناءُ مأرب 2 عام 2013 بطاقة إنتاجية مصمّمة لتبلغ ٤٠٠ ميجاواط. كانت هناك أيضًا خطة لتوسيع قدرة مأرب 1 و2 من خلال تحويلهما من توربينات الغاز ذات الدورة المفتوحة إلى التوربينات الغازية ذات الدورة المركّبة، ولكن بسبب الاضطرابات السياسية عُلّقت المرحلة الثانية. وكانت مشاريع الربط مع دول الجوار مثل السعودية وإثيوبيا عبر جيبوتي قيد النقاش. ومع ذلك لم تتحقق هذه المشاريع.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن الدولة قد قامت بمحاولات عدّة لاستخدام تقنيات الطاقة المتجددة، فاليمن تتمتع بموارد كبيرة من الطاقة المتجددة، وخصوصا طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية، وعلى الرغم من أن الاستراتيجية الوطنية للطاقة المتجددة لعام 2009 حددت هدفًا لتحقيق 15% من الطاقات المتجددة في مزيج التوليد بحلول عام 2020، كان نشر تطبيقات الطاقة المتجددة قبل الحرب ضئيلًا للغاية. كان من المقرر إنشاء أول مشروع مزرعة رياح كبيرة بقدرة 60 ميجاواط في المخا بتمويل من عدة مؤسسات دولية. مرة أخرى وبسبب الحرب عُلّق المشروع.
قبل الحرب كانت قدرة التوليد المركبة لقطاع الكهرباء منخفضة بشكل ملحوظ عند 1.5 جيجاواط؛ إذ وصلت القدرة الفعلية 67% فقط. كان السبب الرئيسي لهذه السعة المنخفضة أن معظم محطات الطاقة الرئيسية متقادمة وغير فعاّلة. في عام 2014 كان استهلاك الفرد السنوي من الكهرباء في اليمن منخفضًا للغاية (255 كيلوواط ساعة / سنة) مقارنة بالمستويين الإقليمي والدولي 2900 كيلوواط ساعة / سنة و3100 كيلوواط ساعة / سنة. تحسّنَ توليد الكهرباء بشكل ثابت حتى عام 2010؛ إذ كانت محطة مأرب لتوليد الكهرباء بقوة 340 ميجاواط هي أحدث مشروع استراتيجي يحقّق الإنتاج بأقل تكلفة. على الرغم من وجود خُطط طموحة لتنفيذ مشاريع أخرى لتوسيع الشبكة وزيادة الحصول على الكهرباء، كان التنفيذ ضئيلاً. عُلّقت المشاريع اللاحقة بسبب الحرب. ومع محدودية قدرة التوليد المتاحة في اليمن، كانت الخسائر في الطاقة المولدة كبيرة؛ إذ تجاوزت الـ 40% عام 2013. هذه الخسارة في الطاقة إضافة إلى انخفاض معدّل تحصيل الفواتير والدعم كبير للتعرفة وشراء الكهرباء من الخيارات باهظة الثمن كانت القضايا الرئيسية التي أدّت إلى تدهور هذا القطاع. نتيجة توقف التوسع في الكهرباء بلغ معدّل الوصول إلى الكهرباء العامة عام 2014 نحو 40% من السكان. علاوة على ذلك، وبالرغم من أن المناطق الريفية تستضيف نحو 75% من سكان اليمن، كان معدل الكهرباء في المناطق الريفية منخفضًا للغاية عند 23% مقارنة بـ 85% في المناطق الحضرية.
خلال الحرب الحالية تأثر قطاع الكهرباء العام بشكل كبير بالنزاع المسلّح المستمر، وتعرّضَ لأضرار مادية وغير مادية جسيمة. أثّرت الحرب الحالية وغياب البنية التحتية الموثوق بها سلبًا على توفير الخدمات الأساسية الأخرى (مثل الصحة والمياه والتعليم). تشير التقديرات إلى أنه خلال السنوات السابقة للحرب المستمرة، لم يكن لدى نحو 90% من السكان إمكانية الحصول على الكهرباء العامة. في عام 2020 عملت 50% فقط من المرافق الصحية، وبقيت حتى اليوم متأثرة بشكل سلبي بسبب انقطاع التيار الكهربائي. يعمل نحو 32% من السعة المتاحة (309 ميجاواط من 960 ميجاواط) لمحطات الطاقة المتصلة سابقًا بالشبكة الوطنية، ولكن نظرًا لانهيار الشبكة، تعمل محطات الطاقة بشكل أساسي على تلبية الطلب المحلي. هناك فارق كبير بين المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا والمناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله من جهة الإمداد بالكهرباء. في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا ظلّ العرض على حاله إلى حد كبير؛ إذ لا تزال الإمداد والتعريفات التي تقودها الحكومة مدعومة مع الاعتماد الكبير على الكهرباء المشتراة من المنتجين من القطاع الخاص. أما في مناطق سيطرة أنصار الله فقد تغيّر توليد الكهرباء إلى إمداد بقيادة القطاع الخاص. تقوم عددٌ من الشبكات الخاصة حالياً بتزويد الكهرباء من خلال مولّدات صغيرة. بعد انهيار الشبكة الوطنية، ازدهر سوق الطاقة الشمسية الكهروضوئية بمعدل غير مسبوق؛ إذ أصبحت البديل المتوفر لتوفير الكهرباء، خاصة في المحافظات الشمالية والوسطى حيث لا تعمل محطات الطاقة الوطنية وأسعار الكهرباء الخاصة لا يمكن تحمّلها بالنسبة لمعظم الناس. في ديسمبر 2019، استخدم نحو 75٪ من السكان أنظمة شمسية صغيرة مصدرا رئيسيا للكهرباء، ولمعالجة إمدادات الوقود المحدودة قدّمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة منحًا للوقود لتشغيل بعض المحطات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دوليًا.
على الرغم من الوضع المتدهور لقطاع الكهرباء خصوصا بعد الحرب، تظلّ هناك فرصة لبناء قطاع كهرباء أقوى. يتضمّن هذا القسم الأولويات القصوى لتعافي قطاع الكهرباء وإصلاحه، ولكن قابلية تطبيق هذه التوصيات من عدمها تعتمد على وجود بيئة سياسية داعمة للغاية، وتوفّر الدعم من المانحين / المقرضين الدوليين، فضلًا عن الإدارة الفعالة من قيادات القطاع.
النطاق الزمني للتوصيات الواردة أدناه هو الوضع الحالي والسنة الأولى التي تلي أي اتفاق سلام محتمل و / أو استقرار سياسي، والهدف في هذه المرحلة هو استعادة القطاع لطاقات ما قبل الحرب، وإعداد أساس سليم لعملية الإصلاح التي يجب أن تتبع مرحلة التعافي الأولية:
تُعدّ هذه التوصيات قابلة للتطبيق لمدة سنتين إلى خمس سنوات بعد أي اتفاق سلام محتمل و / أو استقرار سياسي. تركز هذه المرحلة بشكل أساسي على إصلاح القطاع وفقًا للخطوات ذات الصلة التي اتُخذت قبل الحرب وأفضل الممارسات الدولية. نجاح عملية الإصلاح بشكل عام -وخصوصا إعادة هيكلة القطاع، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة، ودرجة مشاركة القطاع الخاص- يحتاج إلى التزام سياسي يُترجم إلى قرارِ إصلاحٍ قابل للتنفيذ. يجب على القيادات رفيعة المستوى، بدعم من لجنة من كبار الخبراء، العمل على بدء عملية الإصلاح والإشراف عليها وتوجيهها للحصول على إجماع أصحاب المصلحة وضمان سلاسة الإصلاحات التي تؤدي إلى إنشاء قطاع كهرباء حديث.
هناك حاجة إلى تطبيق عدد كبير من القوانين واللوائح المهمة، التي صيغت و / أو كُيّفت قبل الحرب. ومن ثَم يمكن لعملية الإصلاح أن تُبنى على الجهود السابقة، بالإضافة إلى تطوير قوانين وقرارات جديدة لتحسين إدارة القطاع.
تضمن قانون الكهرباء لعام ٢٠٠٩ الخطوات الأساسية اللازمة لإصلاح هيكل قطاع الكهرباء، وتؤكّد النقاط الآتية على أهمية تطبيق قانون الكهرباء والتوصيات المكمّلة له:
من الأهمية بمكان تعزيز قدرة المؤسسات والأفراد لتحسين أداء القطاع، ولذلك يجب:
على عكس المتوقع، ربما يكون للبلدان في أثناء النزاع أو في مرحلة انتقالية بعد الحرب كثير من الفرص الاستثمارية، وهي عادة ما تتمحور حول توفير الخدمات والاحتياجات الأساسية التي لم تكن ملباة. يمكن للقطاع الخاص أن يؤدّي دورًا مهما في البنية التحتية وإعادة الإعمار الاقتصادي، مما يؤدّي بدوره إلى كثير من النتائج الإيجابية، مثل زيادة رأس المال الخاص، وخلق فُرص العمل مع “إعادة” بناء القدرات والمهارات المحلية، فالقطاع الخاص يدرّ أيضًا إيرادات على الحكومة من خلال دفع الضرائب والرسوم الأخرى، وعليه يوصى بالآتي:
هناك حاجة إلى توصيات فنية عدّة لتحسين خدمات الكهرباء وجودتها، وفيما يأتي قائمة بأهم الأولويات الفنية لتعزيز أداء قطاعات التوليد والتوزيع والنقل:
الهوامش:
لطالما اتسم اقتصاد اليمن بالهشاشة حتى من قبل أحداث 2014 و2015 التي أفضت بالبلاد إلى الحرب الأهلية الجارية. وكانت لسنوات العسر التي طالت البلاد منذئذ آثاراً مدمرة. في الوقت الراهن، يُصنَّف حالياً مناخ ممارسة الأعمال التجارية في اليمن من بين الاصعب على مستوى العالم، حيث تتبوأ البلاد المركز الاخير او المراكز الاخيرة في مجموعة من مؤشرات التنافسية العالمية للأعمال التجارية. ركز المنتدى السابع لرواد التنمية، الذي عُقد افتراضياً في 25-27 يناير/كانون الثاني 2021، على التردي الواضح للوضع الوطني. ومن أجل المساهمة في التصدي للتحديات الاقتصادية المحلية، ناقش رواد التنمية إمكانية إنشاء مجالس اقتصادية محلية. ووفقا لتحليلاتهم، يوجد مجال لإنشاء هيئة على مستوى المحافظات، تُوازن بين اللجان الإنمائية المحلية القائمة على مستوى المجتمعات (التي توجه استثمارات مستهدفة وصغيرة النطاق في مجال البنى التحتية من صناديق التنمية مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية والبنك الدولي) والمجلس الاقتصادي الأعلى (الذي يوجه الاستثمارات التي يقودها القطاع الحكومي على الصعيد الوطني)، من أجل دفع عجلة التنمية عن طريق توجيه الاستثمارات صوب تلبية الاحتياجات المحلية وتعزيز الروابط بين المحافظات والقطاع الخاص.
لطالما اتسم اقتصاد البلاد بالهشاشة حتى من قبل أحداث 2014 و2015 التي أفضت باليمن إلى الحرب الأهلية الجارية.[1] وكانت لسنوات العسر التي طالت البلاد منذئذ آثاراً مدمرة. في الوقت الراهن، يُصنَّف مناخ ممارسة الاعمال التجارية في اليمن من بين الاصعب على مستوى العالم،[2] حيث تتبوأ البلاد المركز الاخير او المراكز الاخيرة في مجموعة من مؤشرات التنافسية العالمية للأعمال التجارية.[3] على الصعيد الوطني، تمثلت أحد عوامل الضغط في وقف صادرات النفط والغاز، وتعليق الدعم الإنمائي المقدم من المانحين، وانخفاض معدل تدفق التحويلات المالية.[4] بالإضافة إلى ذلك، أدى انقسام السياسات النقدية واللوائح المالية من جانب فرعي البنك المركزي المتنافسين، والنقص العام في احتياطيات العملة الأجنبية لتمويل الواردات في السوق، والانخفاض الكبير في قيمة العملة المحلية إلى إضعاف القدرة الشرائية المحلية، وخسائر واسعة النطاق في سبل كسب العيش والدخل.[5] كما أن الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية الحيوية كانت واسعة النطاق، وأصبح التمويل الحكومي في حالة من عدم الاستقرار.[6]
لا يمكن المغالاة في تقدير النتائج المدمرة لهذا الانهيار الاقتصادي فالفقر والجوع مُستشريان.[7] ووفقا لليونيسيف،[8] “يشهد اليمن أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 24 مليون شخص – حوالي 80% من السكان – لمساعدة انسانية، بمن فيهم أكثر من 12 مليون طفل”.
“رواد التنمية” هم خبراء ومتخصصين يمنيين بارزين من شتى الخلفيات، وذوي خبرة راسخة في مجال التنمية والاقتصاد. وقد ناقش المنتدى السابع لرواد التنمية، الذي عُقد افتراضياً في 25-27 يناير/كانون الثاني 2021، التحديات الجسيمة التي تواجه الشركات القائمة حتى اليوم في اليمن على المستوى المحلي في ظل التردي الواضح للوضع الوطني. وقد نظر المنتدى في التحديات الاستثنائية والمشتركة بين مختلف محافظات الدولة[9] في مجالات معينة كالبُنى التحتية الحيوية. فكثيرا ما تكون الطرق وخدمات الطاقة وإمدادات الوقود وإمدادات المياه وخدمات الاتصالات عبر البلاد إما دون المستوى المطلوب أو غير متاحة على الإطلاق.[10] ومن بين المسائل التي أثيرت أيضاً: الافتقار إلى القوى العاملة الماهرة والى فرص التدريب؛ وافتقار المحافظات إلى صلاحيات اتخاذ القرارات القانونية اللازمة للتفاعل والردّ بما يتسق مع ظروفها الخاصة؛ وضعف الرقابة على التمويلات المتاحة للاستثمار في الاقتصاد المحلي؛ والفرص الضئيلة للحصول على التمويل المتناهي الصغر.[11]
معظم السلطات المحلية اليمنية هي بشكل رئيسي وكالات ضعيفة للسلطة المركزية،[12] وتحتاج إلى المزيد من الموارد لتلبية احتياجات التنمية المحلية.[13] تمخض عن تنفيذ قانون السلطة المحلية في عام 2000 تحويل مسؤولية توفير الخدمات المحلية إلى المجالس المحلية على مستوى المديريات داخل كل محافظة، على أن يتم تغطية تكاليفها من الإيرادات التي تدرها الضرائب. وقد أدى الانهيار الاقتصادي وتعذر الاستفادة من الثروة الوطنية المتأتية من بيع النفط والغاز إلى عدم قدرة المجالس في كثير من الحالات على تمويل الخدمات الأساسية التي يحتاجها سكانها، ناهيك عن تحفيز التنمية الاقتصادية.[14] وتبقى التدابير المتفق عليها في مؤتمر الحوار الوطني لتعزيز الاستقلال الذاتي للمحافظات ومجالسها المحلية دون تنفيذ بعد.[15]
ومن أجل المساهمة في التصدي للتحديات الاقتصادية المحلية، ناقش رواد التنمية إمكانية إنشاء مجالس اقتصادية محلية. ووفقا لتحليلاتهم، يوجد مجال لإنشاء هيئة على مستوى المحافظات، تُوازن بين اللجان الإنمائية المحلية القائمة على مستوى المجتمعات (التي تتولى استثمارات مستهدفة وصغيرة النطاق في مجال البنى التحتية من صناديق التنمية مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية والبنك الدولي)[16] والمجلس الاقتصادي الأعلى (الذي يتولى الاستثمارات التي يقودها القطاع الحكومي على الصعيد الوطني)،[17] من أجل دفع عجلة التنمية عن طريق توجيه الاستثمارات صوب تلبية الاحتياجات المحلية وتعزيز الروابط بين المحافظات والقطاع الخاص.
وستضم المجالس الاقتصادية المحلية، على النحو الذي يتوخاه رواد التنمية، خبراء من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية والسلطات المحلية، ممن سيقومون على حد سواء بتقييم الاحتياجات الفعلية لاقتصاد المحافظات، وسيقومون، إما بصفتهم التنفيذية أو الاستشارية، بالايعاز للمحافظين المحليين والدوائر المحلية ذات الصلة بشأن الحلول المثلى لتلبية هذه الاحتياجات.
كما ستعمل المجالس الاقتصادية المحلية على وضع خطط لتحسين الإنتاجية المحلية في المناطق ذات الأولوية داخل المحافظة والمساعدة في وضع استراتيجيات لتسويق أفكارها للمانحين والقطاع الخاص من أجل تيسير تعبئة التمويل اللازم والوصول إلى المحتاجين. وخلافا للجان الإنمائية المحلية، وهي تشكيلات مؤقتة تستند إلى وجود مشاريع على الأرض، ستركز المجالس الاقتصادية المحلية على خطط التنمية المستقبلية ونهج التنفيذ على مستوى المحافظات.
فعلى سبيل المثال، في حال تبين أن فرص الحصول على التمويل تشكل عائقا رئيسيا للإنتاجية في محافظة معينة ويلزم معالجة الأمر، فإن المجلس الاقتصادي المحلي المعني سيدعو إلى توفير تمويل متناهي الصغر في المحافظة. ويمكن للمجلس الاقتصادي المحلي أن يساعد في تحديد الجهات الفاعلة المعنية بتوفير التمويل المتناهي الصغر والتي ينبغي استهدافها – مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية، وشبكة اليمن للتمويل الأصغر، ومؤسسات التمويل الأصغر، والجهات المانحة – وأن يساعد في تيسير إجراء عمليات تقييم للاحتياجات والدراسات اللازمة لتحديد جدوى واستدامة التمويل المتناهي الصغر في المحافظة. وعلى نحو مماثل، ستكون المجالس الاقتصادية المحلية في وضع يسمح لها بالمساهمة في التخطيط والعمل التمهيدي المرتبط بتنظيم العطاءات المقدمة من القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع كبيرة تدخل في اختصاص سلطة الحكومة المركزية مثل مشاريع إنتاج الطاقة ومعالجة النفايات، والتي يمكن أن تفتح المجال أمام المزيد من الاستثمارات الكبرى.
إن إنشاء مثل هذه الهيئات المتسمة بالمصداقية والشفافية، والتي يمكن أن تقدم رؤية اقتصادية واضحة للمناطق في هذه المحافظات، من شأنه أن يوفر أيضا بيئة أكثر جاذبية للمانحين الدوليين الذين يتطلعون إلى تمويل المشاريع الإنمائية وتدريب القوى العاملة وتوزيع المعونات.
ويقف رواد التنمية على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم في بلورة صلاحيات قانونية واضحة لإنشاء المجالس الاقتصادية المحلية. وينبغي أن تتسم طبيعة صلاحيات وهيكل كل مجلس اقتصادي محلي بالمرونة، وأن يتم إقرارها من السلطات المحلية تبعا لاحتياجاتها. وحالما يتم تشكيل المجالس الاقتصادية المحلية، ينبغي أن يُسلم تسيير الشؤون اليومية لأعضائها.
تقع حضرموت في شرق البلاد وهي جغرافياً أكبر محافظة في الجمهورية اليمنية (بتعداد سكاني يبلغ 1.7 مليون نسمة حسب الإحصاءات الرسمية، و3 ملايين نسمة بالاستناد الى الشواهد).[18] تضم المحافظة 28 مديرية تغطي مساحة تقارب 193 ألف كيلومتر مربع، أي حوالي 36% من مساحة الأراضي اليمنية. وتحتضن المكلا، عاصمة المحافظة، ثالث أكبر ميناء بحري في اليمن.[19]
يواجه النشاط الاقتصادي في حضرموت عراقيل نتيجة انعدام الأمن السائد، وخاصة في وادي حضرموت والمناطق الصحراوية، فضلاً عن نزاعات معينة بين محاور السلطة المركزية والسلطة المحلية والمجلس الانتقالي الجنوبي. ومع ذلك، باستثناء بعض الاشتباكات المحدودة مع تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب – وأبرزها العمليات العسكرية التي سعت لطرد الجماعة المتطرفة من المكلا عام 2016 – لم تشهد المحافظة أية أعمال عسكرية رئيسية وبالتالي حافظت إلى حد كبير على سلامة بنيتها الاقتصادية خلال الحرب. وهذا يجعل المحافظة في وضع ممتاز يُمكنها من تحقيق التنمية الاقتصادية، في حال اتخذت الخطوات السياساتية المناسبة. فشريطها الساحلي يسمح بالوصول إلى مناطق الصيد الغنية بالثروة السمكية؛ إلى جانب ما تزخر به المحافظة من الأراضي الزراعية ذات التربة الخصبة واشتهارها بتربية الماشية وتربية النحل. كما أن حضرموت غنية بالمعادن، بما في ذلك الذهب، وتنتج المحافظة حالياً أكثر من نصف موارد النفط في اليمن.[20]
تقدم حضرموت نموذجا استثنائيا على المستوى الوطني بكيفية صمودها أثناء الصراع، من حيث تمتعها باستقرار نسبي وموارد اقتصادية أكبر نسبيا من المحافظات الأخرى في البلاد. وتتمتع الحكومة المحلية في حضرموت بفعالية أكثر مقارنة بأي محافظة أخرى ولديها بالفعل علاقات عمل قائمة مع القطاع الخاص.[21] ونتيجة لضعف سلطة الحكومة المركزية، تمتعت حضرموت منذ عام 2015 بقدر معقول من الاستقلال الذاتي. وتحصل المحافظة على حصة من عائدات صادرات النفط وكذلك من الموارد المالية المحلية. ومقارنة بالمحافظات الأخرى، لم تتضرر البنية التحتية لحضرموت من جراء المعارك الدائرة وتتمتع بدرجة مقبولة من الأمن والاستقرار.[22]
إن إنشاء مجلس اقتصادي محلي في حضرموت، يضم أعضاء من القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية والسلطة المحلية، سيجعله مؤهلاً تماماً لإطلاق مبادرات وشراكات اقتصادية تُركز على الصعيد المحلي وتُحفز النمو. فعلى سبيل المثال، تتمتع المحافظة بقطاع سمكي مستقر ولكن بدون الاستثمار فيه لن يكون هناك مجال للاستفادة من كامل إمكاناته. وعلى غرار الاتجاهات السائدة على الصعيد الوطني، لا يزال العديد من الصيادين يستخدمون قوارب تقليدية صغيرة غير عملية، ولا توجد سوى بنى تحتية متواضعة لمرافق تفريغ الأسماك وتخزينها.[23]
جاءت التدخلات المتعلقة بإدارة مصايد الأسماك في اليمن قبل عام 2015، التي كان حضرموت جزءا منها، في شكل دعم سياساتي لتحسين كفاءة التسويق المحلي والتسويق التصديري للأسماك، وفي شكل دعم للبنية التحتية مثل بناء مرافق لتفريغ الأسماك، ومراكز تجميع الأسماك، وصيانة محركات السفن/القوارب، ومرافق إصلاح شباك الصيد. علاوة على ذلك، بُذلت جهود لبناء قدرات الصيادين والعاملين في مصائد الأسماك في القطاع الحكومي في مجال الهندسة البحرية والتكنولوجيا المستخدمة في تجهيز الأسماك. غير أن هذه المشاريع كانت محدودة ولم تُجرَ دراسات بشأن استدامتها. وبوسع المجلس الاقتصادي المحلي إسداء المشورة للشركاء الانمائيين بشأن التدخلات الحالية والمستقبلية، وأن ينسق ذلك استناداً إلى المشاورات مع الجمعية اليمنية لمصدري الأسماك[24] والجمعيات المحلية لمصائد الأسماك[25] في حضرموت.
من ناحية أخرى، يمكن أن يدعو المجلس الاقتصادي المحلي إلى تدفق المزيد من التمويل المتناهي الصغر إلى المحافظة، والذي من شأنه أن يساعد الصيادين على الاستثمار في قوارب أكثر حداثة، وتحسين مراكز تفريغ الاسماك وتهيئة نظام بيئي واسع النطاق للأعمال التجارية ذات الصلة، مثل مزارع الأسماك ومصانع تعليب الأسماك وصناعة القوارب والشركات المعنية بالصيد في المياه العميقة.[26]
بالإضافة إلى ذلك، وجد المنتدى السابع لرواد التنمية أن الإنتاجية تتأثر بضعف جودة المصايد ورداءة معايير النظافة الصحية والافتقار إلى نُظُم إدارة الجودة داخل شركات صيد الأسماك.[27] توجد حاجة إلى المساعدة في تحسين جودة ممارسات صيد الأسماك وممارسات تصديرها استنادا إلى المتطلبات الدولية، فضلا عن حملات التوعية والرصد الرامية إلى ضمان مكافحة الصيد الجائر. ويمكن أيضا للمجلس الاقتصادي المحلي تيسير اقامة شراكات وثيقة مع المنظمات غير الحكومية الدولية تدعم طرح منتجات غذائية سمكية جديدة، الأمر الذي سيؤدي إلى إنشاء أعمال تجارية محلية فضلا عن المساعدة على التخفيف من وطأة سوء التغذية على الصعيد الوطني.
وبالمثل، يمكن للمجلس الاقتصادي المحلي أن يساعد في تيسير الاستثمار المُوجّه صوب القطاع الزراعي في حضرموت للمساعدة في معالجة المشاكل العويصة الناتجة حاليا عن نقص امدادات الطاقة والوقود. على سبيل المثال، اقترح أعضاء المنتدى السابع لرواد التنمية انشاء صندوق استثماري بقيمة تتراوح ما بين 10 و30 مليون دولار أميركي والذي من شأنه أن يساعد المزارعين على التحوّل من الاعتماد على وقود الديزل إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية وبالتالي زيادة الإنتاجية.[28]
في حال تحقيق نتائج ناجحة حتى ولو على نطاق أصغر، يمكن للمجلس الاقتصادي المحلي أن يوجّه المحافظات إلى العمل مع القطاع الخاص لتطوير المزيد من الاستثمارات التي تنطوي على تحسينات كبيرة في البنى التحتية. على سبيل المثال، اقترح أعضاء المنتدى السابع لرواد التنمية أن تقوم المجالس الاقتصادية المحلية بالتحري في جدوى إنشاء مصفاة لتكرير النفط أو توسعة مرافق التصدير للسماح باستغلال الموارد المعدنية للمحافظة.[29] وعلى المدى البعيد، يمكن للمجلس أن يوجه المحافظة بالاستثمار الاستراتيجي في قطاع التعليم، بما يضمن تهيئة قوة عاملة متعلمة قادرة على شغل الصناعات الناشئة في المحافظة بما يرقى بها الى أعلى المستويات.
تقع محافظة تعز على بعد 256 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء، وهي أكثر محافظات اليمن اكتظاظاً بالسكان. وتضم المنطقة التي يتراوح عدد سكانها بين 3.5 مليون[30] و5 ملايين نسمة[31] حوالي نصف السكان الذين يعيشون حاليا تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.[32]
تطغى تحديات هائلة على أي نشاط اقتصادي في تعز. فالمحافظة هي واحدة من أكثر المحافظات تضررا من الحرب المستمرة، باعتبارها جبهة مشتعلة في الصراع طوال فترة الحرب. والواقع أن ستة من أصل مديرياتها الـ 23 تقع حالياً تحت سيطرة جماعة الحوثي المسلحة (أنصار الله).[33] ووفقاً لتقييم البنك الدولي لعام 2020، شهدت المدينة الرئيسية في المحافظة، المسماة على اسمها، ثاني أكبر حجم من الدمار على مستوى جميع المدن اليمنية وتعاني من حصار خانق منذ أكثر من خمس سنوات. تعتبر تعز ثاني أسوأ مدينة على مستوى البلاد من حيث توفّر الخدمات العامة وعانت من أسوأ أشكال الدمار التي لحقت بالثروة العقارية مقارنة بأي مدينة أخرى في اليمن. كما لحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية الطبية لها، ويفتقر سكانها الى خدمات الكهرباء إلى جانب محدودية إمدادات المياه.[34] ويعاني أكثر من 80% من سكان المحافظة من انعدام الأمن الغذائي.[35]
تسيطر سلطات الأمر الواقع الحوثية على مديريات تعز التي تضم منشآت كبرى للتصنيع والصناعات التحويلية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال المديريات الساحلية ضمن دائرة نفوذ دولة الإمارات العربية المتحدة رغم تحريرها. وقد قوّض التدخل العسكري في المديريات الساحلية من كفاءة قطاع صيد الأسماك.[36] ونتيجة لذلك، يعاني زخم الاستثمار من الشلل تقريباً. فالمصادر الداخلية للاستثمار ضئيلة، ومنذ عام 2015 جفت جميع منابع التمويل الخارجي.[37]
يرى المنتدى السابع لرواد التنمية أن إنعاش النشاط الاقتصادي في تعز سيظل محدودا في ظل عدم التوصل إلى حل سلمي للمعارك القتالية الدائرة والفشل في توحيد صفوف سلطات المحافظة تحت جناح الدولة. ومع ذلك، وصف المنتدى السابع لرواد التنمية المناخ الاقتصادي في تعز بأنه “مُشجع على الرغم من استمرار الحرب والحصار الحالي”، ويعزى ذلك إلى القدرة على التكيف والمرونة التي أظهرتها المؤسسات التجارية القائمة حتى الآن. ودعا المنتدى إلى “تدخلات عاجلة في مجال التجارة” لمساعدة هذه المؤسسات.
من خلال الاستثمارات السليمة والفرص المناسبة، يرى المنتدى السابع لرواد التنمية أن تعز ستكون قادرة على استغلال مواردها المتنوعة والنهوض بالنشاط الاقتصادي، مع التركيز على الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك والصناعات التحويلية مثل تصنيع الدهانات والمواد الغذائية.
بحسب تقدير البنك الدولي، يلزم ما بين 44.5 مليون و54.5 مليون دولار أمريكي لإعادة تأهيل مدينة تعز بالكامل.[38] وسيكون المجلس الاقتصادي المحلي مؤهلا للوقوف على أنسب القطاعات التي ينبغي توجيه الاستثمارات نحوها وأكثر الأساليب نجاعة للقيام بذلك.
أحد المهام الرئيسية للمجلس الاقتصادي المحلي في تعز هو استكشاف قنوات لتوافر ما يكفي من الموارد المالية لإرساء البنى التحتية المناسبة، شأنه شأن تيسير الشراكات الاقتصادية مع القطاع الخاص بغية تحقيق دفعة اقتصادية، لا سيما في القطاعات ذات الإمكانات غير المستغلة – مثل قطاع الصناعة وصيد الأسماك والثروة المعدنية.[39]
فعلى سبيل المثال، من شأن تحسين البنى التحتية لقطاع النقل أن يساعد على خفض أسعار السلع المرتفعة حالياً، كما أن إعادة تأهيل البنى التحتية لقطاع الطاقة سيكون جوهرياً لخفض التكاليف التعجيزية المرتبطة بتوفير خدمات الكهرباء. وسيكون المجلس الاقتصادي المحلي في وضع جيد لتوجيه الاستثمارات صوب مبادرات صغيرة النطاق يمكن أن تحقق مكاسب ملموسة للمنتجين المحليين. على سبيل المثال، ستنجُم مكاسب كبيرة عن الترتيبات المتعلقة بالتمويل متناهي الصغر الذي يتيح لمزارعي المحافظة والمشاريع التجارية الاخرى الوصول إلى إمدادات الطاقة الشمسية، شأنها شأن الخطط التي تساعد على إعادة فتح المصانع الصغيرة ودعم المنتجين المعتمدين على الوسائل التقليدية/الحرفية.[40]
إن وجود مجلس اقتصادي محلي متكامل يتمتع بالشفافية قد يدعم أيضاً استعادة الثقة في السلطات المحلي، التي تزعزعت في السنوات الأخيرة وفقا للبنك الدولي،[41] لا سيما فيما يتعلق بمشاكل قائمة منذ أمد طويل كجمع النفايات وشبكات الصرف الصحي. ويمكن التخفيف من آثار هذه المشاكل عبر اقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص.
في ظل استمرار غياب الخطوات اللازمة لتمكين المحافظات ومجالسها المحلية، على نحو ما أوصى به مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014)،[42] يقترح رواد التنمية اتخاذ تدابير طارئة لتحديد صلاحيات للمجالس الاقتصادية المحلية. عبر الاسترشاد بمقترحات مستشار قانوني مستقل، ينبغي للسلطة المركزية أن تضع إطارا قانونيا يسمح بإنشاء مجالس اقتصادية محلية في كل محافظة؛ ومن ثم المصادقة على صلاحياتها. متى أو إن أصبحت توصيات مؤتمر الحوار الوطني في نهاية المطاف قانونا، يمكن استيعاب المجالس الاقتصادية المحلية ضمن هيكل المجالس المحلية، ربما بصفة لجان استشارية اقتصادية. ومن أجل إضفاء المصداقية على المجالس الاقتصادية المحلية باعتبارها مفهوما قابلاً للتطبيق، يوصي رواد التنمية بإطلاق مرحلة تجريبية مدتها ثلاث سنوات تُنفذ فيها المجالس في محافظتين.
يتعزز عمل المجالس الاقتصادية المحلية بشكل كبير إذا ما توفرت لمحافظاتها الموارد المالية اللازمة للاستثمار في مجال التنمية. فالنظام القائم لا يشجع المحافظات على جمع التمويلات بكفاءة، ويعاد توزيع أي أموال متاحة دون إدراك كافٍ لاحتياجات كل محافظة على حدة.[43] خلال المنتدى السابع لرواد التنمية، اقترح مُحافظ تعز إعادة توزيع الأموال التي يتم جمعها مركزيا بطريقة أكثر عملية، بحيث تتلقى المحافظات الأفقر مساهمات أكثر سخاء. ودعا المندوبون أيضا إلى رفع سقف الميزانية المقررة للإنفاق المستقل – المحدد حاليا بمبلغ 50 مليون ريال يمني – لإتاحة المزيد من المرونة للمحافظات في تطوير بنيتها التحتية حسب ما تراه مناسبا.
تنعكس الانقسامات السياسية للسلطة المركزية على المحافظات، مع تسييس التعيينات في كثير من الأحيان. يجب أن تنأى المجالس الاقتصادية المحلية بنفسها عن اية انتماءات سياسية إذا أريد لها أن تنجح في كسب الثقة وبالتالي جذب استثمارات القطاع الخاص المتخوف. فالعديد من المستثمرين من القطاع الخاص مستعدون لدعم مشاريع محددة، إلا أنهم يتخوفون من إيقاف تلك المشاريع لاحقا من قبل السلطة المركزية.
تم إعداد هذا الملخص من قبل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجي، بالتنسيق مع شركاء المشروع ديب روت للاستشارات ومركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (CARPO).
تهدف مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن إلى المساهمة في بناء السلام ومنع نشوب الصراعات وتحقيق الاستقرار (الاقتصادي) والتنمية المستدامة في اليمن من خلال بناء توافق حول أهم السياسات التنموية والاقتصادية من خلال إشراك وتعزيز الأصوات اليمنية الفاعلة في هذا المجال من مختلف أطياف المجتمع اليمني الفاعلين في مجال التنمية والاقتصاد وإعادة الإعمار في اليمن، وكذلك التأثير بشكل إيجابي على اجندة التنمية المحلية والإقليمية والدولية المتعلقة باليمن، تنفذ هذه المبادرة بالشراكة التنفيذية ما بين مركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (CARPO)، وديب روت للاستشارات، ومركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، وبتمويل قبل الاتحاد الأوروبي وسفارة المملكة الهولندية في اليمن.
الحواشي: