يمثّل قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في اليمن مكونًا أساسيًا من مكونات البنية التحتية الوطنية، فله دور مهمّ في النمو الاقتصادي؛ إذ يُعدّ القطاع أحد أهم المصادر الإيرادية للدولة بعد قطاع النفط، كما يُسهم في توفير عددٍ من فرص العمل المهمّة المباشرة وغير المباشرة من خلال ارتباطه بقطاعات أخرى في الاقتصاد الوطني.

خلال الفترة ما بين ٢٠١٥م و٢٠١٩م تباينَ أداء قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات تبعًا للظروف الاستثنائية التي مرت بها اليمن؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الصراع قد تسبب في خسائر مالية كبيرة لقطاع الاتصالات بلغت حوالي ٤,١ مليار دولار، وذلك لعدة أسباب، أبرزها: عدم توفر الوقود، وانقطاعات التيار الكهربائي، والانقسامات المؤسسية، والسياسات والمطالب المالية المختلفة من قبل كل من حكومتي صنعاء وعدن، إلى جانب مصادرة الأصول والابتزاز من قبل الجماعات المسلحة. إضافة إلى ذلك فقدَ القطاع عددًا من الفرص السانحة التي كان بالإمكان اقتناصها لولا اندلاع الصراع، أهمها: استكمال المفاوضات والتوقيع على اتفاقيات الحصول على ترخيص تقنية الجيل الرابع (4G)، وما ترتب عنها من إحجام مستثمري قطاع الاتصالات عن الاستثمار في السوق اليمني، على الرغم من كبر حجمه وخلوّه من خدمات الاتصالات الحديثة التي تتيحها تقنيات الجيل الرابع وما بعده، والتي لا توفرها الشركات العاملة حاليا في القطاع.

يواجه قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات عددا كبيرا من التحديات أبرزها: عدم ملاءمة البيئة القانونية والمؤسسية التي تنظم قطاع الاتصالات، وانقسام مؤسسات القطاع العامة، وتبادل الاتهامات بين طرفي الصراع، وعدم الفصل بين الأدوار السياسية والتنظيمية والتشغيلية داخل القطاع، والاعتماد على بنية تحتية ضعيفة وهشّة في تقديم الخدمات، إلى جانب حظر استيراد التجهيزات، وصعوبة الوصول إلى عدد من المديريات والمحافظات للقيام بالإصلاحات اللازمة، فضلًا عن تراجع العوائد المالية للشركات، وزيادة الرسوم الحكومية وتنوعها وازدواجية فرضها بين حكومتي صنعاء وعدن، والتي صاحبها انتشار الفقر وضعف القوة الشرائية.

ولتعزيز دور القطاع، يجب بذل الجهود على المدى القصير لتحييده عن الصراعات السياسية والعسكرية الحالية التي ألحقت دمارا واسعا بالقطاع، وترقية جميع المشغلين لشبكات الاتصال، وإدخال خدمات جديدة كالاتصالات المرئية والخدمات المالية الرقمية، والعمل على تخفيض تعرفة الإنترنت (هذه الورقة لا تتطرق لكيفية تقديم خدمات أفضل بأسعار مناسبة للسوق المحلية مع الحفاظ على جدوى الاستثمارات في هذه القطاع). أما على المدى المتوسط والطويل، فيجب استئناف صياغة قانون الاتصالات الجديد، والفصل بين الأدوار التنظيمية والتشغيلية، وتطوير البنية التنظيمية والمؤسّسية للقطاع، وتحفيز الاستثمار الخاص في القطاع، إلى جانب تحديث مؤسسات ومناهج التعليم الجامعي بما يواكب التطورات المتلاحقة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات ويلبي احتياجات سوق العمل من العمالة المتخصصة.

خلفية عامّة

يمثل قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في اليمن مكوّنًا أساسيًا من مكونات البنية التحتية للبلد، وله دور مهمّ في النمو الاقتصادي، فلقد شهد القطاع خلال السنوات السابقة للحرب، وتحديدًا منذ ٢٠٠١م، نموّا متسارعًا جرّاء الاستثمارات الكبيرة من قبل القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية، حيث أُنشئت ورُكّبت شبكاتُ الاتصالات العامة في معظم المدن والقرى اليمنية، بالإضافة إلى انتشار سريع للهواتف النقالة والإنترنت. أما قبل ٢٠٠١م، فلقد كانت خدمة الهاتف النقال تقدم من خلال الشبكة التناظرية لمشغل الهاتف النقال الوحيد آنذاك المملوك للدولة وهي شركة تيليمن.

ففي الجانب الاقتصادي يُعدّ قطاع الاتصالات أحد أهم المصادر الإيرادية للدولة، ولا سيما العملة الصعبة، إذ احتلّ هذا القطاع قبل الصراع المرتبة الثانية بعد قطاع النفط والغاز من حيث ذلك،[1] إذ يدفع مشغلو خدمة الهاتف النقال رسوما مختلفة للحكومة مقابل إنشاء شبكات لاسلكية متنقلة عامة وتشغيلها وإدارتها وتقديم خدمات الاتصالات اللاسلكية. من هذه الرسوم رسوم الحصول على الترخيص والتي تدفع مرة واحدة لمدة الترخيص. وفي خلال فترة الحرب القائمة، قامت بعض الشركات بدفع رسوم لتمديد مؤقت لترخيص التشغيل حتى يتسنى لها التفاوض على ترخيص جديد كشركة إم تي إن يمن التي قامت في ٢٠١٦م بسداد ٣٦,٤ مليون دولار لتمديد ترخيصها المنتهي لمدة ٢٩ شهرا انتهت في ديسمبر ٢٠١٧م. إضافة إلى رسوم الحصول على الترخيص، تحصل الحكومة من شركات الاتصالات اللاسلكية العامة رسوما سنوية لتعويض بعض تكاليف تنظيم قطاع الاتصالات وإعطاء رخصة الترددات الراديوية الموزعة والمخصصة والوفاء ببعض الالتزامات الأخرى. فعلى سبيل المثال، يفترض أن شركة إم تي إن يمن، والتي أشارت تقديراتها في ٢٠١٦م أنها تمتلك ٤٢,٨% من حصة السوق المحلية، قد قامت بموجب اتفاقية الترخيص التي منحت لها في يوليو ٢٠٠٠م بسداد مبلغ سنوي قدره ١,٧ مليار ريال طوال مدة ترخيصها الذي استمر لمدة ١٥ سنة.

وقد أسهم قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات خلال الفترة ما بين ٢٠١٥م و٢٠١٨م بحوالي ٧% من الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي،[2] ويُسهم في توفير العديد من فرص العمل المهمّة المباشرة وغير المباشرة من خلال ارتباطه ببقية قطاعات الاقتصاد الوطني. كما يحتلّ القطاع أهمية كبيرة بالنسبة للتنمية الاجتماعية ورأس المال البشري، إذ يساعد على الربط بين الأفراد والمجتمعات ويُسهم في تزويدهم بالقدرات التكنولوجية اللازمة للتواصل المجتمعي وتبادل المعلومات في ظلّ مجتمع عالمي يتصل بعضه ببعض اتصالًا متزايدًا.

إلى جانب الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لقطاع الاتصالات، لا يمكن إغفال أهمية القطاع من النواحي السياسية والأمنية والاستراتيجية، سواء خلال الصراع أم خلال المرحلة الانتقالية ومرحلة إعادة الإعمار، وهو الأمر الذي جعل من هذا القطاع إحدى أدوات الصراع بين الفرقاء، حيث قد قامت جميع أطراف الصراع باستهداف البنية التحتية للاتصالات وتدميرها بصورة مباشرة. وفي الوقت ذاته تسبّب الانقسام السياسي في تعميق الانقسام المؤسسي في القطاع وتعطّيل الجهود الرامية إلى الارتقاء بمستوى الخدمات التي يقدمها القطاع وصيانة أو تطوير بنيته التحتية.

رغم كل التحديات التي يواجهها القطاع إلا أنه لا تزال هناك مساحة كبيرة لتوسيع حيز إمكانات قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في اليمن ومستوى إسهامه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولتعزيز القدرة التنافسية للقطاع، وبالأخص بالنظر إلى عدد السكان الحالي ومعدل النمو السكاني المرتفع حيث يظل معدل انتشار الهاتف النقال أقل من ٥٠% وبالنظر أيضا إلى المستوى المتواضع للخدمات المتوفرة حاليًا.

تقدّم هذه الورقة عرضًا موجزًا وتحليلًا لمستوى خدمات الاتصالات اللاسلكية والإنترنت الموجودة حاليًا وتستعرض التحديات التي تواجه مقدّمي هذه الخدمات وتصف تأثير الصراع عليها، ومن ثم تقدم الورقة عددًا من المقترحات والتوصيات اللازمة لتعزيز وتطوير خدمات الاتصالات اللاسلكية والإنترنت في اليمن على المدى القصير والمتوسط والطويل.

البنية التنظيمية والمؤسسية لقطاع الاتصالات

تُعدّ وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات هي الجهة الحكومية المنظمة لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات في اليمن بمكوناته المختلفة والتي تشمل خدمات الهاتف الثابت والهاتف النقال والإنترنت والبريد، وهي أيضا الجهة المخوّلة بتنفيذ القوانين التي تضعها الدولة لتنظيم قطاع الاتصالات واعتماد اللوائح التنفيذية اللازمة لذلك، إلى جانب وضع سياسات وخطط تطوير القطاع، وتنظيم استخدام التردّدات الراديوية (أي، الطيف اللاسلكي)، ومنح الترخيصات لإنشاء وتشغيل وصيانة الشبكات الخاصّة والعامّة، وإقرار سياسات تسعير خدمات الاتصالات.

على الرغم من أن قانون الاتصالات رقم (٣٨) لسنة ١٩٩١م وتعديلاته بالقانون رقم (٣٣) لسنة ١٩٩٦م هو التشريع الوحيد المنظم لقطاع الاتصالات، إلا أنه لا يمثل مرجعية قانونية شاملة لشركات الهاتف النقال وكذلك الإنترنت وخدماتها في اليمن، كون هذه الشركات بدأت العمل بعد صدور القانونين بعدة سنوات، حيث أدخلت خدمة الإنترنت في ١٩٩٦م ولم تتوفر خدمة الهاتف النقال حتى ٢٠٠١م. وبالتالي تعمل هذه الشركات وفقًا لاتفاقيات الترخيص التي أبرمتها الحكومة معها كلا على حدة، استنادًا إلى المادة الثانية من القانون رقم (٣٣)، وكما بينت الفقرة (ك) من المادة الثالثة. [3]وهنا تقع الإشكالية، وهي ليست حول ما إذا كانت اتفاقيات الترخيص الفردية هذه موحّدة بمضمونها ورسوم وكيفية الحصول عليها بقدر ما هي حول وجود قانون عفا عليه الزمن واللجوء إلى إبرام اتفاقيات شتى مما يضعف الإطار القانوني الذي ينظم القطاع ويعيق الاستثمار الخاص.

وتُعدّ المؤسسة العامة للاتصالات التابعة لوزارة الاتصالات وتقنية المعلومات المُشغّل الوحيد لخدمة الهاتف الثابت، وأحد أهم مقدّمي خدمة الإنترنت إلى جانب الشركة اليمنية للاتصالات الدولية (تيليمن) التي تقدم أيضًا خدمات الاتصالات الدولية وهواتف الأقمار الصناعية.

ونظراً للكلفة الاستثمارية والتشغيلية العالية لشركات الهاتف النقال فلقد تبنت الحكومة اليمنية مجموعة واسعة من الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تعزيز دور القطاع الخاص في الحياة الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، تبنّت الحكومة اليمنية في ١٩٩٧م برنامجًا للإصلاحات الاقتصادية بالشراكة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يهدف إلى تقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية وزيادة دور القطاع الخاص. وكمثال آخر للحوافز التي منحتها الحكومة للشركات من أجل تشجيعها على الاستثمار في قطاع الاتصالات، أبرمت الحكومة مع بعض المشغلين اتفاقية حصرية لفترات تصل إلى أربع سنوات. [4]بفضل كل ذلك، أصبح للقطاع الخاص دور نشط في مجال الاتصالات منذ ٢٠٠١م، بعد منحه ثلاث رخص تشغيل لثلاث شركات خاصة لتشغيل شبكات النظام العالمي للهواتف النقالة الذي يرمز إليه اختصارا بالأحرف الإنجليزية الثلاثة جي إس إم (GSM)، وهي شركة سبأ فون وشركة إم تي إن يمن وشركة هيتس يونيتِل (المعروفة باسمها التجاري وهو شركة واي للاتصالات). بالإضافة إلى ذلك أنشأت الحكومة، ممثلة بالمؤسسة العامة للاتصالات، شركةً رابعة باسم يمن موبايل، وهي شركة تقدّم خدمات الاتصالات عبر تقنية الوصول المُتعدد بتقسيم الترميز التي يرمز إليها اختصارا بالأحرف الإنجليزية الأربعة سي دي إم إيه (CDMA). [5]

جدول (١): البنية المؤسسية لقطاع الاتصالات في اليمن

م الشركة الملكية النشاط
١ المؤسسة العامة للاتصالات (الاتصالات اليمنية) حكومية نشر شبكة الاتصالات الثابتة وتقديم الخدمة في كافة أنحاء اليمن وكذلك تقديم خدمات النداء الآلي والإنترنت وتراسل المعطيات وغيرها
٢ الشركة اليمنية للاتصالات الدولية (تيليمن) حكومية توفير خدمات الاتصالات الدولية والهاتف النقال التماثلي والإنترنت
٣ شركة سبأ فون قطاع خاص تقديم خدمة الهاتف النقال عبر النظام العالمي، جي إس إم (GSM)
٤ شركة إم تي إن يمن[6] قطاع خاص تقديم خدمة الهاتف النقال عبر النظام العالمي، جي إس إم (GSM)
٥ شركة يمن موبايل حكومية تقديم خدمة الهاتف النقال عبر تقنية الوصول المُتعدد بتقسيم الترميز، سي دي إم إيه (CDMA)
٦ شركة هيتس يونيتِل (واي) قطاع خاص تقديم خدمة الهاتف النقال عبر النظام العالمي، جي إس إم (GSM)
المصدر: المركز الوطني للمعلومات، https://yemen-nic.info/sectors/information (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

البنية التحتية ومستويات الأداء لقطاع الاتصالات

كما أسلف، يتوفر في اليمن نظامان للاتصالات اللاسلكية تستخدمهما الشبكات المحلية لخدمة الهاتف النقال؛ إذ تقدّم شركة يمن موبايل، وهي شركة مملوكة في غالبها للدولة، خدماتها وفق نظام سي دي إم إيه (CDMA)، فيما تعمل الشركات الأخرى بنظام جي إس إم (GSM) والتي انطلقت أول مرة في فبراير ٢٠٠١م. وتغطي خدمات هذه الشركات جميع مناطق الجمهورية، مع اختلاف مستويات التغطية بين مكان وآخر.

جدول (٢): سوق الهاتف النقال في اليمن في ٢٠١٩م

الشركة عدد المشتركين (مليون) الحصة السوقية التقنية المستخدمة الملكية
يمن موبايل ٧,٥ ٤٠% نظام الوصول المُتعدد بتقسيم الترميز: CDMA – CDMA2000 1x – (2.5G))

CDMA2000 – 1xEV-DO (3G)

المؤسسة العامة للاتصالات: ٥٩,٣٧%

جهات حكومية أخرى: ١٧,٣%

ملكية خاصة وفردية: ٢٣,٥%

سبأ فون ٥,٢ ٢٨% النظام العالمي للاتصالات المتنقلة، جي إس إم (GSM): الجيل الثاني والجيل الثاني المطور (2G، 2.5G) مجموعة الأحمر: ٦٠%

شركة بتلكو البحرينية: ٢٦,٩%

آخرون بما فيهم شركة إيران للاستثمار الأجنبي

إم تي إن ٥ ٢٧% النظام العالمي للاتصالات المتنقلة، جي إس إم (GSM): الجيل الثاني والجيل الثاني المطور (2G، 2.5G) مجموعة إم تي إن (MTN) في جنوب أفريقيا: ٨٣%
واي ٠,٩ ٥% النظام العالمي للاتصالات المتنقلة، جي إس إم (GSM): الجيل الثاني (2G). حتى وقت قريب كانت مملوكة لشركات استثمارية كويتية وسعودية ومستثمرين من القطاع الخاص في اليمن والإمارات العربية المتحدة وسوريا، وقد اشترى الشركة في وقت سابق من ٢٠٢٠م مجموعة العيسي ورجال أعمال يمنيون آخرون مقربون من هادي بعد إعلان المحكمة التجارية إفلاس الشركة بصنعاء في مارس ٢٠٢٠م[7]
المصدر: المؤسسة العامة للاتصالات، تقرير ٢٠١٩م – البنك الدولي، مذكرة سياسات، فبراير ٢٠١٧م.

وخلال الفترة ما بين ٢٠١٥م و٢٠١٩م كان لخدمة الهاتف النقال وأعداد المشتركين في هذه الخدمة أداء متباين، وإن كان الاتجاه العام يشير إلى تحقيقها لنمو إيجابي؛ إذ تشير البيانات إلى ارتفاع عدد خطوط الهاتف النقال من ١٥,٧ مليون خط في ٢٠١٤م إلى ١٨,٦ مليون خط نهاية ٢٠١٩م.[8] من ناحية أخرى، بلغ معدل انتشار الهاتف النقال غير المكرر في اليمن حوالي أربعون ونيف في المائة نهاية ٢٠١٨م، مقارنة بمتوسط معدلات الانتشار للهاتف النقال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغ ٦٤% وبمتوسط معدلات الانتشار العالمي البالغ ٦٦%.[9] ويعد هذا المستوى لانتشار الهاتف النقال في اليمن انخفاضا عما كان عليه نهاية ٢٠١٤م إذ بلغ معدل الانتشار آنذاك ٤٦%.[10]

الجدير بالذكر أن شركة تيليمن توفر خدمة الثريّا للاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وهي تمكّن عملاءها من استخدام أجهزة الثريّا لإجراء مكالمات صوتية وإرسال الفاكس أو الاتصال بالإنترنت حتى عندما لا تعمل شبكات الهاتف الأرضي للإنترنت وخدمة الهاتف النقال، وتقدّم الثريا خدمات الاتصال الأساسية للشركات النفطية والعمليات البحرية وأنشطة التنمية في المناطق النائية على وجه الخصوص.

وفي جانب الإنترنت فقد دُشنت الخدمة في اليمن في ١٩٩٦م من قبل مزود وحيد، وهو الشركة اليمنية للاتصالات الدولية (تيليمن)،[11] التي تمتلك البوابة الرقمية للاتصالات الدولية والإنترنت في اليمن (أي، الوصول إلى الشبكة الدولية عبر الكابلات الأرضية والبحرية)، وبواسطتها ترتبط اليمن بأربعة مسارات برية وثلاثة مسارات بحرية ضمن مشروع التراسل الرقمي لربط اليمن بمحيطها الإقليمي والدولي، إلا أنه وبسبب ظروف الصراع والحرب التي تمر بها اليمن في الوقت الراهن فإنها تعتمد على ثلاثة مسارات فقط تعمل حاليًا، وهي: (١) منفذ الوديعة في محافظة حضرموت، وهو منفذ بري مع المملكة العربية السعودية؛ (٢) منفذ الغيضة، وهو منفذ بحري مرتبط بالكابل البحري الدولي (فالكون)، ويُعدّ أهم منفذ للإنترنت في اليمن، ويغذي اليمن بالجزء الأكبر من السعات الدولية للإنترنت؛ (٣) منفذ عدن، وهو منفذ بحري يرتبط بكابلين من الألياف الضوئية، أحدهما الكابل البحري عدن–جيبوتي الذي كان يعمل منذ ١٩٩٤م، وقد حُدّث في ٢٠١٤م. فيما ظلت بقية المنافذ متوقفة، إما بسبب الحرب وتدمير البنى التحية الخاصة بهذه الكابلات، كما هو الحال في منفذَي حرض وعلب بمحاذاة حدود اليمن الشمالية الغربية مع السعودية، وإما بسبب الإعصار المداري (لبان)، كما هو الحال في منفذ شحن. ومن أسباب تعطيل هذه المنافذ انقسام السياسات والمؤسسات بين طرفي الصراع كما هو الحال مع الكابل البحري الدولي (AAE1) بعدن، والذي استثمرت فيه اليمن سعات دولية كبيرة تصل كلفتها إلى ٤٠ مليون دولار والذي أصبح جاهزًا للاستخدام في ٢٠١٧م، وكذلك الحال بالنسبة للكابل البحري (فالكون) (Flag Falcon) بالحديدة الذي تمتلك شركة تيليمن فيه سعات دولية كبيرة تصل كلفتها إلى ٣٠ مليون دولار والذي دخل حيز الخدمة أيضا في ٢٠١٧م، لكن الشركة لم تتمكن من الاستفادة من تلك السعات لتعذر استكمال ربط الكابل البحري وإنشاء محطة الإنزال الخاصة به في الحديدة في ظل الحرب الجارية.[12]

بالإضافة إلى ذلك تقوم شركة تيليمن بتقديم عدد من الخدمات الأخرى وكافة التسهيلات لربط جميع مزودي خدمة الإنترنت في اليمن بشبكة المعلومات العالمية من خلال البوابة اليمنية للإنترنت، مثل استضافة المواقع، ونقل البيانات، وخدمات حجز أسماء النطاقات (أي، الحصول على عناوين للمواقع الإلكترونية الجديدة على شبكة الإنترنت)، وكذلك ما يعرف بخدمات عناوين الآي بي (IP). وقد شهد عدد المستخدمين للإنترنت في اليمن نموًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية ليصل إلى ٧,٢ مليون مستخدم نهاية ٢٠١٩م مقارنة بحوالي ٣,٢ مليون مستخدم في ٢٠١٤م. أما عدد مشتركي خدمة الإنترنت ذات النطاق العريض/الحزمة العريضة (ADSL)، فقد بلغ ٣٥٥ ألف مشترك في ٢٠١٩م وفق تقديرات وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (صنعاء) مرتفعًا من ٣٤٠ ألف مشترك في ٢٠١٤م وفق تقدير غير رسمي لعدم توفر بيانات رسمية لذلك العام. [13]الجدير بالذكر أنه عند مقارنة أرقام الوزارة لعدد مشتركي خدمة الإنترنت ذات النطاق العريض (ADSL) لسنة ٢٠١٩م مع التقديرات الرسمية الأخرى المتوفرة للسنوات السابقة، نجد أن عددهم قد انخفض على نحو كبير من ٤٢٧،٦٩٩ في ٢٠١٧م و٣٨٥،٢٥١ في ٢٠١٦م. [14]

جدول (٣): أضواء على هيكل سوق الاتصالات اليمنية حسب الشرائح المختلفة

٢٠١٤م ٢٠١٩م التغير منذ ٢٠١٤م
عدد السكان[15] ٢٥،٩٥٦،٠٠٠ ٢٩،٦٦٥،٠٠٠ ١٤% (+)
المعدل غير المكرر لانتشار الهاتف النقال[16] ٤٦% ~ ٤٢ – ٤٣% ٤ – ٣ نقطة مئوية (−)
عدد خطوط الهاتف النقال (أي، عدد الأرقام أو الشرائح العاملة) [17] ١٥،٧٠٨،٠٣٥ ١٨،٥٩٧،٣٣٣ ١٨% (+)
عدد مستخدمي الإنترنت[18] ٣،٢٣٦،٦٧٩ ٧،١٩٠،٠٠٠ ١٢٢% (+)
عدد خطوط الهاتف الثابت/الأرضي العاملة[19] ١،١٢٣،٣١٨ ١،١٨٩،٣٩٧ ٦% (+)
عدد مشتركي خدمة الإنترنت ذات النطاق العريض (ADSL) [20] ٣٤٠،٠٠٠ ٣٥٥،٠٥٨ ٤% (+)
المصادر: الجهاز المركزي للإحصاء ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (صنعاء) والرابطة العالمية للاتصالات المتنقلة (GSMA) والاتحاد الدولي للاتصالات

لى صعيد أسعار خدمات الاتصالات، تأتي أسعار هذه الخدمات كأحد المحدّدات الأساسية لانتشارها من عدمها في المجتمع، مع مراعاة مستوى دخل الفرد والمستوى التعليمي للفرد في المجتمع. وفي هذا الصدد تشير دراسات حديثة إلى أن مستوى أسعار خدمة الهاتف النقال في اليمن يُعدّ أقل من متوسط الأسعار في الدول العربية؛ إذ جاءت اليمن في المرتبة السابعة من بين ٢٢ دولة عربية من جهة مستوى الدول الأقل أسعارًا في ٢٠١٧م مُتقدمة بحوالي ثلاث نقاط عن مستواها في عامي ٢٠١٥م و٢٠١٦م؛ إذ بلغ سعر الباقة المكونة من ٣٠٠ مكالمة حوالي ٥٦,٩ دولار (شاملا تعادل القوة الشرائية مع ضريبة القيمة المضافة) مقارنة بحوالي ٦٩,٤ دولار كمتوسط في العالم العربي. [21]

أما بالنسبة لأسعار خدمة إنترنت الهاتف النقال، فإن اليمن تُعدّ من أغلى الدول على مستوى العالم، وأغلى دولة عربية وفقًا لموقع “كابل” الذي رصد فروقات أسعار خدمة الإنترنت بين دول العالم في ٢٠٢٠م، حيث جاءت اليمن في المركز الأخير بين الدول العربية بحوالي ١٥,٩٨ دولارًا للجيجابايت الواحد، فيما كانت الصومال هي الأرخص في قائمة الدول العربية بمتوسط نصف دولار للجيجابايت الواحد. [22]


شكل (١): ترتيب الدول العربية حسب أسعار خدمة إنترنت الهاتف النقال في ٢٠٢٠م (دولار أمريكي للجيجابايت الواحد)

المصدر: موقع Cable.co.uk، ٢٠٢٠م.


آثار الصراع

طبقًا لإحدى التقديرات والصادرة عن وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في صنعاء الواقعة تحت سيطرة سلطات أنصار الله، بلغ إجمالي كلفة الأضرار والخسائر المادية التي تكبدها قطاع الاتصالات والبريد خلال فترة الحرب في اليمن حتى شهر مارس ٢٠٢٠م حوالي ٤,١ مليار دولار تمثلت في تدمير البنى التحتية للقطاع من منشآت وأبراج ومحطات اتصال وسنترالات الهواتف وحظر استخدام الموارد مثل كابلات الإنترنت البحرية المملوكة للاتصالات اليمنية كما أسلف واحتجاز لمحطات اتصال وتجهيزات ومعدات اتصالات وتراسل. [23]من جهة أخرى، قدّرت بعض المصادر الأخرى في شهر مارس ٢٠١٩م أن نحو ٢٠٠ محطة من إجمالي عدد محطات إرسال شركة يمن موبايل وحدها البالغة ٨٥٠ محطة قد توقفت عن العمل بسبب الصراع.[24]

وفي هذا الصدد يشير التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن – المرحلة الثالثة (DNA) ٢٠٢٠م، والصادر عن البنك الدولي، إلى أن ٢٥% من الأصول المستخدمة في قطاع الاتصالات في اليمن قد تضرّرت جزئيًا أو دُمّرت منذ بداية الأزمة والحرب، ومن المحتمل أن يكون هذا التقدير الخاص بالأضرار أقل من الواقع، لأن أصولًا مثل الأبراج والهناجر قد لا تكون مرئية من خلال صور القمر الصناعي الذي تولّى عمليات المسح؛ إذ أظهرت نتائج التقييم الفعلية في مدينة تعز، على سبيل المثال، أن مستوى الأضرار على الواقع أكثر بكثير مما قُيّم باستخدام القمر الصناعي، إلى جانب أنه لضمان استمرار خدمة الاتصالات، يقوم مشغلو شبكات الهاتف النقال بإصلاح الأبراج والشبكات وإعادة بناء المتضرّر منها كلما تمكنوا من الوصول إليها. الجدير بالذكر أن محافظات الحديدة وصعدة كانت الأكثر تضرّرًا في قطاع الاتصالات مقارنة ببقية المحافظات، وبنسبة تدمير وصلت إلى ٧٥% من أصول شبكة الهاتف النقال.[25]


شكل (٢): الأضرار المادية التي لحقت بالأصول في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات حسب نوع المنشأة[26]

المصدر: البنك الدولي، التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن – المرحلة الثالثة (DNA)، ٢٠٢٠م.


وإلى جانب الخسائر المذكورة أعلاه تكبّدت شركات القطاع الخاص المزودة لخدمة الهاتف النقال خسائر مالية من جراء شح المشتقات النفطية، والتي تحتاجها هذه الشركات لتشغيل المولدات الكهربائية المشغلة للمراكز الرئيسية للشركات بما تتضمنه من تجهيزات وسيرفرات ومعدات، إلى جانب حاجتها للوقود لتشغيل محطات الإرسال في المناطق المختلفة نتيجة لانقطاع الكهرباء العمومية باستمرار. وقد تسبّبت الأعاصير المدارية التي ضربت بعض المحافظات الجنوبية بأضرار لشركات الاتصالات تمثلت في تدمير أبراج وشبكات الاتصالات في تلك المناطق، الأمر الذي أسهم في تراجع نسبة التغطية بحوالي ٤٠%[27] بحسب مختصين وذلك نتيجة خروج عدد كبير من محطات الهاتف السيار عن الخدمة وتأثر خدمات الاتصالات والإنترنت في كثير من المناطق.[28]

وإضافة إلى ما سبق، عانت الشركات العاملة في قطاع الاتصالات من خسائر مالية كبيرة من جراء الانقسام المؤسسي وازدواج السياسات والمطالبات المالية من قبل سلطات صنعاء وعدن، ومصادرة الأصول والابتزاز من قبل بعض الوحدات الأمنية وبعض المليشيات، ليصل الأمر بإحدى الشركات، وهي شركة واي، إلى إعلان إفلاسها في مارس ٢٠٢٠م وترك تجهيزاتها ومقراتها في صنعاء والترتيب لبدء العمل من جديد في عدن باستخدام تقنية الجيل الرابع (4G).

وخلال الفترة ما بين يناير ومارس ٢٠٢٠م عانت اليمن من انقطاع كبير في خدمة الإنترنت نتيجة لتعرض الكابل البحري الرئيسي لليمن المارّ بقناة السويس للانقطاع، مما تسبب في إحداث شلل في المعاملات التجارية والحوالات المالية الداخلية والخارجية والأعمال الحيوية والوظائف الرسمية في جميع أنحاء اليمن.

من ناحية أخرى، أسهمت ظروف الصراع والحرب في فقدان القطاع لفرص تطوير وتحديث تقنيات الاتصالات وتبادل المعلومات والانتقال إلى تقنيات الجيل الرابع؛ إذ شارفت عدد من تراخيص الشركات العاملة في القطاع على الانتهاء قبيل الحرب في ٢٠١٥م، وبالتالي كانت عملية إعادة التفاوض على منح الترخيصات للشركات ستعمل على تقديم خدمات الجيل التالي من إنترنت الهاتف النقال.[29] تجدر الإشارة بأن شركة يمن موبايل المملوكة للدولة هي الشركة الوحيدة التي حصلت على ترخيص لتقديم خدمة إنترنت الجيل الثالث (3G). [30]أما بقية الشركات المشغلة للهاتف النقال، فلم تحصل سوى على ترخيص لتقديم خدمات الجيل الثاني (2G) أو الجيل الثاني المطور (2.5G)، وهي الخدمات التي لا تتيح سوى قدرة اتصال محدودة عبر الإنترنت.[31] هذه القيود التي تمنع تلك الشركات من تطوير تقنياتها وخدماتها تؤدّي إلى خسائر غير مباشرة للشركات ولقطاع الاتصالات وللمستهلكين على حد سواء. [32]فيما كان المصدر الثاني للخسائر غير المباشرة هو البيئة الاستثمارية الهشة والمعقدة وذات المخاطر العالية، وهي بيئة أدّت إلى إحجام المستثمرين في قطاع الاتصالات عن الدخول إلى السوق اليمنية على الرغم من اتساع حجم السوق ووجود خدمات كثيرة لا تقدّمها الشركات الحالية العاملة في هذا القطاع.

الجدير بالذكر أن استمرار الصراع قد عمق الانقسام المؤسّسي في مختلف القطاعات الاقتصادية والحيوية، ومنها قطاع الاتصالات؛ إذ عملت الحكومة المعترف بها دوليا على افتتاح بوابة جديدة لتقديم خدمة الإنترنت (عدن نت) بوصفها مزودًا حكوميا لخدمة الإنترنت بتقنية الجيل الرابع.[33] مع العلم أن كلا من شركة سبأ فون وواي لخدمة الهاتف النقال قد بدأت بالتحضير للانتقال إلى خدمات الجيل الرابع من خلال الربط عبر بوابة عدن نت.[34]

وعلى الرغم من المساوئ المتعدّدة للصراعات والحروب وآثارها التدميرية، إلا أنها قدّمت عدداً من الفرص المستجدة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات أوجدها الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الجديد الذي فرضه الصراع. فعلى سبيل المثال، تزايد الطلب على خدمة الإنترنت وخصوصا في ظلّ انقطاع التيار الكهربائي واعتماد كثير من الأفراد على الإنترنت لمتابعة الأخبار والتطورات التي تؤثر على حياتهم اليومية، وقد أدت زيادة الطلب على الإنترنت إلى ما يلي:

  • انتشار الشبكات المحلية محدودة النطاق في أحياء المدن الكبيرة والمدن الثانوية وحتى القرى وتشغيلها أعداد كبيرة من الشباب العاطلين والموظفين السابقين الذين فقدوا وظائفهم من جراء الحرب،[35] ولقد قامت سلطات أنصار الله بحظر هذه الشبكات المحلية في نهاية ٢٠١٩م لفترة محدودة،[36] قبل أن يُعاد السماح لها بمزاولة نشاطها من جديد نتيجة الضغوطات من أصحاب هذه الشبكات على السلطات.
  • زيادة استخدام التقنية ومنصّات التواصل الاجتماعي في التعاملات المالية، خصوصًا تطبيق الواتساب (WhatsApp)، من قبل شركات الصرافة وتحويل الأموال كوسيلة لتبادل معلومات الحوالات المالية بين المستفيدين ووسطاء الصرافة، كما تستخدم هذا التطبيق بعض مؤسّسات التمويل الصغير والأصغر كالمؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر.[37]
  • تزايد النشاط التجاري والخدمي المرتبط بالإنترنت وخدمة الهاتف النقال وقطاعاتها الثانوية من إكسسوارات الهواتف النقالة وخدمات الصيانة والبرمجة، فقد أشار مسح منشآت الأعمال للعام ٢٠١٩م، إلى أن ٢٦,٤% من إجمالي المنشآت العاملة في قطاع الاتصالات والمعلومات والخدمات المرتبطة بها هي منشآت جديدة أسست خلال الفترة ما بين ٢٠١٥م و٢٠١٩م.[38]

شكل (٣): تغطية شركة عدن نت[39]


التحديات التي يواجهها قطاع الاتصالات

التحديات التنظيمية

  1. عدم ملاءمة البيئة القانونية والمؤسسية الناظمة لقطاع الاتصالات؛ إذ لم تواكب التطورات السريعة والمتتالية في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات، ولم تتغير اللوائح والهياكل التنظيمية لقطاع الاتصالات في اليمن منذ ١٩٩٦م، مما أضعف جودة خدماته وأدى إلى محدودية إيراداته.
  2. الانقسام المؤسسي وتسييس قطاع الاتصالات، وزادت هذه التطورات من تعقيد الوضع ونتج عنها سياسات متضاربة حيّرت مقدمي الخدمات، وأثّرت على جودة الخدمات المقدمة للمستخدمين، وجعلت شركات الاتصالات تقع بين مطرقة سلطات أنصار الله وسندان الحكومة المعترف بها دوليا، ويتضح ذلك من خلال الآتي:
    • أصبح مقدّمو الخدمات مطالبين بتسديد رسوم الترخيصات والضرائب لكلا الطرفين؛ فالحكومة المعترف بها دوليا ترى أنها هي صاحبة الحق في تحصيل هذه الأموال كونها المعترف بها دوليًا، في حين ترى سلطات أنصار الله أنها حكومة الأمر الواقع ويجب على الشركات أن تدفع لهم.
    • أصبحت شركات الاتصالات ينظر إليها على أنها متعاونة مع طرف ضد الآخر، فالحكومة المعترف بها دوليا ترى أن بعض الشركات تمثل سلاحا بيد سلطات أنصار الله للتجسس عليها ومحاورها القتالية، وسلطات أنصار الله ترى أن بعض الشركات تخدم الحكومة المعترف بها دوليا على نحو ما.
  3. عدم الفصل الصحيح بين الأدوار السياسية والتنظيمية والتشغيلية داخل القطاع، خصوصا ما يتعلق بتوفير خدمة الإنترنت، ويتضح ذلك من خلال دخول المؤسسات الحكومية مزوّدا وحيدا لخدمة الإنترنت، وهو الأمر الذي أوجد احتكارا مطلقا في سوق الإنترنت، وذلك أدّى إلى تواضع مستوى الخدمات المقدمة وارتفاع أسعارها بشكل مبالغ فيه مقارنة بالدول الأخرى في المنطقة وحول العالم.

التحديات التشغيلية

  1. أدى الاعتماد في تقديم خدمة إنترنت الحزمة العريضة (ADSL) على بنية تحتية ضعيفة وهشة إلى الحد من السعات الدولية والسرعات العالية للخدمة في اليمن،[40] بما في ذلك تمرير خدمة الحزمة العريضة عبر الأسلاك النحاسية، التي أنشئت لغرض الاتصالات الهاتفية، بدلًا من الألياف الضوئية التي تفوق الأسلاك النحاسية في سرعة نقل المعلومات. [41]
  2. قيام قوات التحالف بحظر استيراد التجهيزات والمعدات اللازمة لتعويض ما دمّرته الحرب والتجهيزات اللازمة للانتقال إلى تقنيات الجيل الرابع.
  3. صعوبة الوصول إلى عدد من المحافظات والمديريات لإصلاح الكابلات الخاصة بالإنترنت أو أبراج الاتصالات والشبكات نتيجة الاشتباكات المستمرة التي تشهدها هذه المناطق.
  4. الانقطاعات المتكرّرة في الكهرباء وأزمات المشتقات النفطية أدت إلى انخفاض عدد محطات الاتصالات العاملة لشركات الهاتف النقال، وهو ما أضعف التغطية في مناطق وأوقفها بالكامل في مناطق أخرى.

التحديات المالية

  1. على الرغم من النمو المذكور في عدد مستخدمي الهاتف النقال خلال الفترة ما بين ٢٠١٤م و٢٠١٩م، إلا أن عدد مستخدمي الهاتف النقال قد شهد انخفاضًا كبيرًا خلال الفترة ما بين ٢٠١٥م و٢٠١٧م،[42] ويرجع ذلك إلى خروج عدد من محطات التغطية/الاتصالات عن الخدمة في المناطق التي شهدت الصراع المسلح أو ضربات الطيران أو الكوارث الطبيعية أو توقفها بسبب شح الوقود، الأمر الذي أجبر المستخدمين على التخلي عن الشرائح المتعددة التي كانت بحوزة كل شخص، كما هو الحال في كثير من الأحيان مع مشتركي خدمة الهاتف النقال في اليمن، أو الانتقال من مشغل إلى آخر بغية الحصول على تغطية أفضل في المناطق المختلفة، ونتيجة لذلك انخفضت عوائد شركات الاتصالات خلال الفترة ما بين ٢٠١٥م و٢٠١٧م، إلا أن بعض التقارير الأخيرة تفيد بأن شركات الاتصالات قد استطاعت أن تعوض بعضا من هذه الخسائر.[43]
  2. ارتفاع تكاليف التشغيل نتيجة لزيادة المدفوعات والرسوم وتنوعها وازدواجية فرضها من قبل حكومتي صنعاء وعدن، وتتضمن تلك الرسوم والمدفوعات رسوم تجديد الترخيصات والضرائب والزكاة وغيرها من الرسوم. كما تعرّضت بعض الشركات للابتزاز المالي من قبل بعض المليشيات بحجة حماية أبراج الاتصالات وغيرها من الحجج، وتشير بعض المصادر إلى قيام سلطات أنصار الله بمصادرة أموال وأصول شركات الاتصالات الخاصة في اليمن.[44]

السياسات والبرامج ذات الأولوية

السياسات والبرامج العاجلة

  1. تحييد قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات عن الصراع والسياسة لتقديم الخدمات بكفاءة وفعالية في جميع أنحاء اليمن. كما يجب وقف الازدواج الضريبي وإيجاد آليات واضحة لتوزيع المستحقات والرسوم المفروضة على القطاع بحسب الخدمات في المناطق المختلفة.
  2. ترقية الشبكات من جانب جميع المشغلين للوصول إلى تقنية الجيل الرابع على الأقل لتحسين قدرة الشركات على تنويع عروضها، وزيادة مستويات مبيعاتها، وضمان تقديم الخدمات بجودة أفضل وأسعار مقبولة للمستخدمين. لتحقيق ذلك، يجب على الحكومة أن تمنح ترخيصات الجيل الرابع لشركات القطاع الخاص.
  3. هناك حاجة للإيفاء بالطلب المتزايد من قبل القطاعات الاقتصادية والمستخدمين على خدمات الاتصالات والإنترنت، ويجب إدخال خدمات جديدة ناشئة عن التطور التكنولوجي السريع مثل خدمة الاتصالات المرئية عبر الإنترنت. في الوقت ذاته، يتوجب على الحكومة ضمان تكافؤ الفرص لجميع المستثمرين في القطاع لكي تبقى أسعار الخدمات عند مستويات عادلة. كما يجب أيضًا بذل الجهود للتوسع في الخدمات المالية الرقمية بصورة تحدّ من أزمة السيولة المتنامية في الاقتصاد اليمني، نظرًا لما تمثله هذه الخدمات من منصة ملائمة للتحويلات الاجتماعية التي يمكن من خلالها توصيل المعونات للفئات المستحقة بعيدًا عن الفساد ونهب المساعدات المقدمة من قبل المنظمات الإنسانية وبصورة تزيد من الشفافية والمساءلة.

السياسات والبرامج متوسطة وطويلة المدى (أي، بعد اتفاق السلام)

  1. استئناف إعداد قانون الاتصالات الجديد على نحو يستجيب لاحتياجات سوق الاتصالات ويعزّز دور وشراكة القطاع الخاص.
  2. تطوير البنية التنظيمية والمؤسسية لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات بما يتناسب مع التطورات الحديثة لتقنية الاتصالات وتشجيع المنافسة في السوق المحلية من خلال إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بما في ذلك الفصل بين الأدوار التنظيمية والأدوار التشغيلية بصورة تُسهم في كسر الاحتكار والسماح بدخول شركات منافسة لتقديم خدمات الهاتف النقال والإنترنت. حاليا، تحتكر الحكومة اليمنيـة ممثلة بالمؤسسة العامة للاتصالات بعض الخدمات السلكية واللاسلكية في حين أن مشروع قانون الاتصالات الجديد المشار إليه في التوصية السابقة ينص على أن تكون هناك جهة منظمة مستقلة غير منخرطة في تشغيل أي من الخدمات.
  3. إعادة الكابلات البحرية المعطلة من جراء الصراع القائم إلى الخدمة واستئناف مشاريع توسيع السعات/الروابط الدولية.
  4. فتح المجال للقطاع الخاص لتزويد خدمة الإنترنت، إذ أن الحكومة تحتكر في الوقت الحالي خدمة الإنترنت (أي، من خلال تيليمن ويمن نت وعدن نت إضافة إلى خدمة إنترنت الهاتف النقال عبر يمن موبايل)؛ أما شركات الاتصالات الخاصة فلا تقدم سوى خدمة إنترنت الهاتف النقال عبر تقنية الجيل الثاني وهي خدمة بطيئة للغاية ولا تصلح لأي أغراض عملية والتي تقدمها شركتا إم تي إن يمن وسبأ فون.
  5. تطوير استراتيجية رقمية وطنية وثيقة وشاملة تدعم النمو الاقتصادي الشامل وبالتشاور الجدي مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.[45]
  6. تحديث مؤسسات ومناهج التعليم الجامعي بما يواكب التطورات المتلاحقة في مجال الاتصالات وتقنية المعلومات، وبما يستجيب لاحتياجات سوق العمل من العمالة المتخصصة.
  7. تعزيز دور الاتصالات وتقنية المعلومات في الحياة العامة، بما في ذلك على سبيل المثال الحد من مخاطر الكوارث الطبيعية التي شهدتها اليمن في السنوات الأخيرة، ويتضمن ذلك الحاجة إلى وجود نظام إنذار مبكر للكوارث واستخدام التقنيات الحديثة لمسح المناطق المتضررة وجمع البيانات عنها والمساعدة في عمليات البحث والإنقاذ. كما يمكن الاستفادة من القطاع إذا طور في التعليم عن بُعد والتقنية المالية والتحويلات النقدية الاجتماعية والعمل عن بُعد.

أعد موجز السياسات هذا لمشروع إعادة تصور اقتصاد اليمن من قبل ديب روت للاستشارات، بالتنسيق مع شركاء المشروع مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ومركز البحوث التطبيقية بالشراكة مع الشرق (CARPO)


قائمة المراجع

[1] (أ) ناوكو كوجو وأمير الذيبة، “التقرير الشهري للمستجدات الاقتصادية في اليمن،” عدد يناير ٢٠٢٠م، مجموعة البنك الدولي، يناير ٢٠٢٠م، ص ٦: “كان قطاع الاتصالات قبل الصراع في المرتبة الثانية بعد قطاع النفط والغاز في جلب العملات الأجنبية وكمصدر للإيرادات المالية العامة،” http://pubdocs.worldbank.org/en/901061582293682832/Yemen-Economic-Update-January-EN.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). (ب) نعومي هالوود وزافيير ستيفان ديكوستر، “مشاركة لمذكرة السياسة الخاصة باليمن رقم ٤ حول تقديم الخدمات الشاملة: تقنية المعلومات والاتصالات في اليمن،” واشنطن العاصمة: مجموعة البنك الدولي، ١٣ فبراير ٢٠١٧م، ص ٤: “يذكر أن الإيرادات الحكومية من الاتصالات كانت قبل ٢٠١٥م في المرتبة الثانية بعد النفط والغاز. علاوة على ذلك، جلبت خدمات الاتصالات العملة الصعبة إلى الاقتصاد، والتي قدرت بحوالي ٣٠٠ مليون دولار أمريكي سنويًا،” http://documents1.worldbank.org/curated/en/337651508409897554/pdf/120531-WP-P159636-PUBLIC-Yemen-ICT-Policy-Note-Input-to-PN-4.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[2] الجهاز المركزي للإحصاء، “كتاب الإحصاء السنوي ٢٠١٧م – الفصل رقم ٢٥: الحسابات القومية،” الجدول رقم ١٠ (“تركيب الناتج المحلي الإجمالي بسعر المنتج حسب القطاعات للأعوام ٢٠٠٤ – ٢٠١٧م (بالأسعار الثابتة %) ٢٠٠٠م = ١٠٠”) في صفحة ملف الإكسل الموسومة بالرقم “١٠،” http://www.cso-yemen.com/publiction/yearbook2017/National_Account.xls (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). ورد في الجدول المشار إليه ما مفاده ما يلي: ساهم قطاع الاتصالات (بشقيه العام والخاص) في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في ٢٠١٥م و٢٠١٦م و٢٠١٧م بما نسبته ٦,٦٩% و٦,٩٦% و٦,٨٨% على التوالي.

[3] “قانون رقم (٣٣) لسنة ١٩٩٦م بشأن تعديل بعض مواد القرار الجمهوري بالقانون رقم (٣٨) لسنة ١٩٩١م بشأن الاتصالات السلكية واللاسلكية،” ٢٣ أكتوبر ١٩٩٦م، http://www.yemen.gov.ye/portal/mtit/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA/tabid/198/Default.aspx أو https://yemen-nic.info/db/laws_ye/detail.php?ID=11497 (تاريخ الوصول إليه: ١٣ أكتوبر ٢٠٢٠م).

[4] مجموعة إم تي إن المحدودة، “مجموعة مستثمري إم تي إن، الملاحظة رقم ٣٥: اتفاقيات الترخيص،” http://www.mtn-investor.com/mtn_ar08/book2/fin_gr_notes35.html (تاريخ الوصول إليه: ١٧ نوفمبر ٢٠٢٠م).

[5] جي إس إم (GSM) هو أحد نظم الاتصالات من تسعينيات القرن الماضي طُوّر لوصف شبكات الهاتف النقال من الجيل الثاني (2G) التي تستخدمها الأجهزة النقالة مثل الهواتف النقالة والأجهزة اللوحية، وبحلول منتصف ٢٠١٠م أصبح الجي إس إم نظاما عالميًا لاتصالات الهاتف النقال؛ إذ استحوذ على أكثر من ٩٠٪ من حصة السوق، مما جعل نظام الجي إس إم أكثر نظم الاتصالات انتشارًا، بما فيها نظام سي دي إم إيه (CDMA) الذي نشأ في الوقت نفسه. للحصول على المزيد من التفاصيل الفنية حول الأجيال المختلفة من نظم الشبكات النقالة انظر: كغز فينكاتيسان، “مقارنة بين تقنية الهاتف النقال جي إس إم (GSM) وسي دي إم إيه (CDMA)،” مجلة الشرق الأوسط للبحث العلمي ١٣/١٢، ص ١٥٩٠ – ١٥٩٤، يناير ٢٠١٣، https://www.researchgate.net/publication/273452419_Comparison_of_CDMA_and_GSM_mobile_technology (تاريخ الوصول إليه: ١٦ أكتوبر ٢٠٢٠م).

[6] أزمعت شركة إم تي إن أمرها على الخروج من المنطقة العربية والتركيز على القارة الأفريقية. انظر: لوني برينسلو، “أكبر شركة هواتف نقالة في أفريقيا إم تي إن تخطّط للخروج من الشرق الأوسط” بلومبرغ، ٦ أغسطس ٢٠٢٠م، https://www.bloomberg.com/news/articles/2020-08-06/africa-s-largest-wireless-carrier-mtn-to-sell-middle-east-units (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[7] على الرغم من إصدار المحكمة التجارية بصنعاء لحكم قضائي في مارس ٢٠٢٠م يقضي بإفلاس شركة واي، وقيام إدارة الشركة بالتحضيرات لإعادة العمل من عدن، أعادت الشركة في صنعاء عبر طاقم إداري جديد تشغيل الشركة في صنعاء نهاية شهر يوليو ٢٠٢٠م نافية ما تم تداوله سابقًا من حكم قضائي بإشهار إفلاس الشركة، وللمزيد يمكن الرجوع إلى: http://www.masa-press.net/2020/07/29/%D9%85%D8%A7-%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%8A-%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%88%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B6%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D9%85/ (تاريخ الوصول إليه: ١٤ أكتوبر ٢٠٢٠م).

[8] (أ) لبيانات ٢٠١٤م، انظر: الجهاز المركزي للإحصاء، “كتاب الإحصاء السنوي ٢٠١٦م – الفصل رقم ١٣: الاتصالات وتقنية المعلومات،” جدول ملخص المؤشرات (“أهم المؤشرات الإحصائية للاتصالات وتقنية المعلومات”) في صفحة ملف الإكسل الموسومة “المؤشرات،” http://www.cso-yemen.com/publiction/yearbook2016/Communication_Information_Technology.xls (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). (المصدر الرئيسي: النشرة الإحصائية السنوية للمؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية لعام ٢٠١٦م). (ب) لبيانات ٢٠١٩م، انظر: وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (صنعاء)، رسم بياني على الصفحة الرئيسية بعنوان “مؤشرات البنية الأساسية للاتصالات وتقنية المعلومات ٢٠١٩م،” http://www.yemen.gov.ye/portal/portals/4/upload/%D8%A7%D9%86%D9%81%D9%88%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%83/1.jpg (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[9] الرابطة العالمية للاتصالات المتنقلة (GSMA)، “اقتصاد قطاع الاتصالات المتنقلة: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ٢٠١٩م،” ٢٠١٩م، ص ٢: “وفي هذا السياق، كان المتوسط العالمي في نهاية نفس الفترة ٦٦٪،” و٤ و٩ (الشكل البياني رقم ٢)، https://www.gsma.com/mobileeconomy/wp-content/uploads/2020/03/GSMA_MobileEconomy2020_MENA_Eng.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). قيست معدلات الانتشار من خلال احتساب عدد المشتركين بدون تكرار، إذ قد يكون في حوزة المشترك الواحد عدة أرقام/شرائح ففي هذه الحالة يتم احتساب عدد الأشخاص فقط بغض النظر عن عدد أرقام الهاتف النقال/الشرائح التي بحوزة كل شخص. على أي حال، فإن تفاصيل منهجية الرابطة في احتساب هذه المعدلات غير معروفة.

[10] الرابطة العالمية للاتصالات المتنقلة (GSMA)، “اقتصاد قطاع الاتصالات المتنقلة: الدول العربية ٢٠١٥م،” ٢٠١٥م، ص ٨ (الشكل البياني)، https://data.gsmaintelligence.com/research/research/research-2015/the-mobile-economy-arab-states-2015 أو https://data.gsmaintelligence.com/api-web/v2/research-file-download?id=18809327&file=the-mobile-economy-arab-states-2015-1482139932360.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[11] أُنشئت الشركة اليمنية للاتصالات الدولية (تيليمن) في ١٩٩٠م كشركة مساهمة محدودة بين الحكومة اليمنيـة ممثلة بالمؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية وشركة البرق واللاسلكي البريطانية، ومع انتهاء فترة العقد بين الطرفين نهاية ٢٠٠٣م قامت المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية بشراء أسهم شركة البرق واللاسلكي، كما قامت بتوقيع عقد إدارة مع شركة فرانس تيليكوم تقوم بموجبه بإدارة شركة تيليمن لمدة خمس سنوات تبدأ من يناير٢٠٠٤م إلى ٣١ ديسمبر ٢٠٠٨م، ثم مُدّد هذا العقد حتى نهاية يونيو٢٠١١م.

[12] “خبير اقتصادي يحاور وزير الاتصالات حول مستقبل نشاط شركات الاتصالات وصحة استهدافها من عدمه،” عدن تايم، ١٧ فبراير ٢٠٢٠م، http://aden-tm.net/NDetails.aspx?contid=117958 (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[13] انظر الجدول رقم ٣ لمراجع جميع إحصائيات ٢٠١٤م و٢٠١٩م الواردة في هذه الفقرة وإحصائيات أخرى.

[14] الجهاز المركزي للإحصاء، “كتاب الإحصاء السنوي ٢٠١٧م – الفصل رقم ١٣: الاتصالات وتقنية المعلومات،” جدول ملخص المؤشرات (“أهم المؤشرات الإحصائية للاتصالات وتقنية المعلومات”) في صفحة ملف الإكسل الموسومة “المؤشرات،” http://www.cso-yemen.com/publiction/yearbook2017/Communication_Information_Technology.xls (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). (المصدر الرئيسي: النشرة الإحصائية السنوية للمؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية لعام ٢٠١٦م).

[15] الجهاز المركزي للإحصاء، “الإسـقاطات السكانية للفترة ٢٠٠٥–٢٠٢٥م،” يونيو ٢٠١٠م.

[16] (أ) لبيانات ٢٠١٤م، انظر: الرابطة العالمية للاتصالات المتنقلة (GSMA)، “اقتصاد قطاع الاتصالات المتنقلة: الدول العربية ٢٠١٥م،” المرجع السابق ذكره. (ب) لبيانات ٢٠١٩م، انظر: الرابطة العالمية للاتصالات المتنقلة (GSMA)، “اقتصاد قطاع الاتصالات المتنقلة: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ٢٠١٩م،” المرجع السابق ذكره.

[17] (أ) لبيانات ٢٠١٤م، انظر: الجهاز المركزي للإحصاء، “كتاب الإحصاء السنوي ٢٠١٦م – الفصل رقم ١٣: الاتصالات وتقنية المعلومات،” المرجع السابق ذكره. (ب) لبيانات ٢٠١٩م، انظر: وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (صنعاء)، رسم بياني على الصفحة الرئيسية بعنوان “مؤشرات البنية الأساسية للاتصالات وتقنية المعلومات ٢٠١٩م،” المرجع السابق ذكره.

[18] المرجع السابق.

[19] المرجع السابق.

[20] (أ) لبيانات ٢٠١٤م، انظر: الاتحاد الدولي للاتصالات، قاعدة بيانات ICT-Eye (قاعدة بيانات على الإنترنت)، https://www.itu.int/net4/ITU-D/icteye/#/query (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). لا تتوفر تقديرات رسمية لهذا العام لمشتركي النطاق العريض حيث كانت الإحصائيات الرسمية التي تقدمها تيليمن والمؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية حتى ٢٠١٤م تجمع بين مشتركي الإنترنت عن طريق خط الهاتف الأرضي مع أولئك المتصلين بواسطة جهاز المودم (المودم بالإنجليزية) الخاص بخدمة النطاق العريض. أما بعد ٢٠١٤م وبسبب توقف الكثير من خطوط الهاتف الأرضي من جراء الحرب، فلقد استبعدت تلك الإحصائيات الرسمية مشتركي الإنترنت عن طريق خط الهاتف الأرضي المعروفة أيضا بخدمة الإنترنت العادي (انظر: الجهاز المركزي للإحصاء، “كتاب الإحصاء السنوي ٢٠١٦م – الفصل رقم ١٣: الاتصالات وتقنية المعلومات،” المرجع السابق ذكره). (ب) لبيانات ٢٠١٩م، انظر: وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (صنعاء)، رسم بياني على الصفحة الرئيسية بعنوان “مؤشرات البنية الأساسية للاتصالات وتقنية المعلومات ٢٠١٩م،” المرجع السابق ذكره.

[21] ناصر الفاضل، “الدراسة المقارنة لأسعار الاتصالات في الدول العربية،” الاجتماع السنوي السادس عشر لهيئات تنظيم الاتصالات وتقنية المعلومات، المنامة، أكتوبر ٢٠١٨م.

[22] موقع Cable.co.uk، “أسعار بيانات الهاتف النقال في جميع أنحاء العالم: تكلفة الجيجابايت الواحد من إنترنت الهاتف النقال في ٢٢٨ دولة،”  https://www.cable.co.uk/mobiles/worldwide-data-pricing/#regions (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م). قام موقع Cable.co.uk في فبراير ٢٠٢٠م بجمع وتحليل بيانات من ٥،٥٥٤ باقة لإنترنت الهاتف النقال في ٢٢٨ دولة ثم احتساب ومقارنة تكلفة الجيجابايت الواحد وإعداد مصفوفة لترتيب الدول وفق ذلك.

[23] وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (صنعاء)، شكل بياني إنفوجرافيك من موقع الوزارة، http://www.yemen.gov.ye/portal/Portals/4/upload/%D8%A7%D9%86%D9%81%D9%88%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%83/%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[24] “بين ابتزاز الحوثيين وعجز الحكومة.. الاتصالات اليمنية تصارع للبقاء،” الخليج أونلاين، ٢٢ مارس ٢٠١٩م، http://khaleej.online/64z4Ba (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[25] البنك الدولي، التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن – المرحلة الثالثة (DNA) ٢٠٢٠م.

[26] المأوى هو عبارة عن غرفة صغيرة عند أسفل البرج الهوائي يوجد بداخلها ما يعرف بمحطة الإرسال والاستقبال القاعدية (Base Transceiver Station) أو محطة اتصال، وهو عبارة عن جهاز يسهل الاتصال بين جهاز المستخدم وشبكة اتصال لاسلكي.

[27] “بين الابتزاز الحوثي والفشل الحكومي،” المرجع السابق ذكره.

[28] للمزيد حول الأضرار يمكن الرجوع إلى: البنك الدولي، التقييم المستمر للاحتياجات في اليمن – المرحلة الثالثة (DNA)، ٢٠٢٠م، ص ٩١ – ١٠٠.

[29] انتهت صلاحية الترخيصات الممنوحة لأكبر شركتي تشغيل تابعتين للقطاع الخاص (إم تي إن وسبأ فون) في ٢٠١٥م، وجرى التفاوض منذ ذلك الحين على تمديدها لفترات قصيرة. فعلى سبيل المثال، تفيد أخر التقارير المالية السنوية لمجموعة إم تي إن أن شركة إم تي إن اليمن حصلت على تمديد مؤقت جديد في تاريخ ١ يناير ٢٠٢٠م لمدة عامين (انظر: مجموعة إم تي إن المحدودة، “القوائم المالية السنوية للسنة المنتهية في ٣١ ديسمبر ٢٠١٩م،” ١١ مارس ٢٠٢٠م، ص ٧٢، https://www.mtn.com/wp-content/uploads/2020/04/MTN-Annual-financial-statements.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢ ديسمبر ٢٠٢٠م)).

[30] كما أسلف، فإن وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات هي الجهة المسؤولة عن إصدار التراخيص لمشغلي شبكات الاتصالات العامة بأنواعها بما في ذلك خدمة الهاتف النقال. ففي ٢٠٠٤م، استحوذت شركة يمن موبايل على شبكة تيليمن الخلوية واستبدلت خدماتها التناظرية بخدمات سي دي إم إيه (CDMA) بعد أن منحتها الوزارة ترخيص الجيل الثالث.

[31] تمنح ترخيصات تشغيل خدمات الاتصالات من خلال وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وخلال الفترة السابقة للعام ٢٠١٥م كانت هناك مفاوضات بين وزارة الاتصالات من جهة وشركات الاتصالات الخاصة، مثل سبأ فون وإم تي إن، من جهة أخرى تتمحور حول تجديد ترخيصات هذه الشركات وانتقالها إلى تقنية الجيل الرابع؛ إذ كانت رؤية شركات الاتصالات أنها قد منحت ترخيص العمل بداية إنشائها وما عليها إلا رسوم إضافة خدمات جديدة، فيما كانت وزارة الاتصالات ترى أن تقنية الجيل الرابع خدمة جديدة تتطلب معدات وتجهيزات تختلف عما هو متوفر لدى الشركات المرخصة سابقًا، وليس ذلك تحديثا للنظام السابق، وبالتالي يجب على الشركات الحصول على ترخيص تشغيل جديدة (اتفاقية تشغيل جديدة) ورسوم جديدة. وبالنسبة لما بعد ٢٠١٥م لم يعد الحديث عن ترقية الخدمات إلى تقنية الجيل الرابع واردًا؛ إذ تمنع قوات التحالف دخول أجهزة وتقنيات الاتصالات إلى اليمن.

[32] هالوود وديكوستر، المرجع السابق ذكره، ص ٢: “الشركة الوحيدة الحاصلة على ترخيص تقديم خدمات الجيل الثالث هي يمن موبايل المملوكة للدولة، أما الشركات الأخرى، فلم تمنح سوى ترخيصات تقديم خدمات الجيل الثاني أو الجيل الثاني المطور، وهي خدمات تسمح بقدر محدود من بيانات الإنترنت.”

[33] ما يزال أداء شركة عدن نت متعثرًا وخدمتها بطيئة ولا تغطي سوى بعض المديريات في محافظة عدن فقط، ويتسم أداؤها بالطابع الاحتكاري أكثر من شركة تيليمن؛ إذ تعد الشركة هي المزود الوحيد للمضمانات (أجهزة المودم بالإنجليزية) الخاصة بخدماتها، ونتيجة لمحدودية مواردها المالية لم تستطع الشركة توفير الكمية المطلوبة من هذه الأجهزة، الأمر الذي أسهم في ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة تفوق إمكانيات المواطن العادي، إلى جانب نشوء سوق سوداء لها.

[34] أعلنت شركة سبأ فون خلال شهر سبتمبر ٢٠٢٠م عن انطلاق خدماتها الجديدة من العاصمة عدن لتقديم خدمات الاتصالات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية عبر شبكة اتصالات مستقلة فنيا وإداريًا عن مركز الشركة في صنعاء.

[35] الشبكات المحلية هي شبكات في أحياء المدن الرئيسية والثانوية والأرياف تُبث عبر تقنيات الواي فاي من خلال اشتراك أصحاب الشبكات في خدمة سوبر نت من شركة يمن نت، ومن ثم توفير خدمة الإنترنت بنظام البطائق ذات الدفع المسبق للمستخدمين.

[36] كيسي كومبس، “في اليمن، يمثل الإنترنت أحد الجبهات الرئيسية في الصراع،” كودا، ١٠ مارس ٢٠٢٠م، “أعلنت حكومة الحوثيين في صنعاء أنها لن تصدر تصاريح عمل لشبكات الإنترنت بعد الآن،” https://www.codastory.com/authoritarian-tech/yemen-internet-conflict/ (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[37] شرف الكبسي ومصطفى حنتوش، “الواتساب في يمن مزقته الحرب يمنح الفرص لتحسين الصمود وسبل العيش والازدهار من خلال الابتكار في الاتصالات في مجال التمويل الأصغر،” المؤسسة الوطنية للتمويل الأصغر، مارس ٢٠١٨م، https://www.findevgateway.org/sites/default/files/publications/files/whatsapp_in_yemen_microfinance_v2_0.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[38] وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS)، “مسح الأعمال في اليمن ٢٠١٩م” (تقرير غير منشور).

[39] عدن نت، “خريطة التغطية،” https://www.adennet4g.net/index.php/ar/2018-07-17-07-54-46 (تاريخ الوصول إليه: ١٦ أكتوبر ٢٠٢٠م).

[40] سبقت الإشارة بأن الإحصائيات الرسمية التي كانت تقدمها تيليمن والمؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية حتى ٢٠١٤م كانت تجمع بين مشتركي الإنترنت عن طريق خط الهاتف الأرضي مع أولئك المتصلين بواسطة جهاز المضمان (المودم بالإنجليزية) الخاص بخدمة النطاق العريض والذين قدروا مجتمعين في ذلك العام بـ ٩٩٨،٨٥٦ مشترك (وليس مستخدم، إذ أن هناك إحصائيات مختلفة لكل من مشتركي خدمة الإنترنت ومستخدميها في اليمن) (انظر: الجهاز المركزي للإحصاء، “كتاب الإحصاء السنوي ٢٠١٦م – الفصل رقم ١٣: الاتصالات وتقنية المعلومات،” المرجع السابق ذكره). أما بعد ٢٠١٤م وبسبب توقف الكثير من خطوط الهاتف الأرضي من جراء الحرب، فلقد استبعدت تلك الإحصائيات الرسمية مشتركي الإنترنت عن طريق خط الهاتف الأرضي المعروفة أيضا بخدمة الإنترنت العادي، لكن إذا ما طرحنا التقدير غير الرسمي لمشتركي خدمة النطاق العريض في ٢٠١٤م البالغ ٣٤٠،٠٠٠ الذي أورده الجدول رقم ٣ من الإجمالي الذي أوردناه هنا والبالغ ٩٩٨،٨٥٦، فإنه من الممكن لنا أن نقدر عدد مشتركي الإنترنت عن طريق خط الهاتف الأرضي (أي، الإنترنت العادي) بـ ٦٥٨،٨٥٦ مشترك.

[41] عبد القادر عثمان، “الإنترنت في اليمن: كابوس الحرب ولعنة الاحتكار،” العربي الجديد، ١٥ ديسمبر ٢٠١٩م، https://www.alaraby.co.uk/medianews/d7a9b457-9681-47b4-abcc-249fca044438 (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[42] هالوود وديكوستر، المرجع السابق ذكره، ص ٣: “بلغ عدد مستخدمي الهاتف النقال في اليمن ما يقدر بنحو ١٦,٨٨ مليون شخص في ديسمبر ٢٠١٥م، أي بانخفاض قدره ٤,٢ في المئة عن عدد مستخدمي الهاتف النقال في العام السابق والبالغ ١٧,٦٢ مليونا، ومن نقطة الذروة التي بلغها العدد في بداية ٢٠١٥م، وهو ١٨,٣٦ مليونا، أي أن تأثير الصراع على معدلات انتشار الهاتف النقال يكاد يكون تأثيرًا فوريًا.”

[43] مجموعة إم تي إن المحدودة، “لمحة عامة عن النتائج للسنة المنتهية في ٣١ ديسمبر ٢٠١٩م،” ١١ مارس ٢٠٢٠م، ص ٢٨، https://www.mtn.com/wp-content/uploads/2020/03/MTN-Group-2019-annual-results.pdf (تاريخ الوصول إليه: ٢ ديسمبر ٢٠٢٠م).

[44] تذكر صحيفة البيان الإماراتية بنسختها الإلكترونية بتاريخ ٨ أكتوبر ٢٠١٩م إلى قيام سلطات أنصار الله خلال ٢٠١٨م بمصادرة ٥١ مليار ريال من شركات الاتصالات، موزعة كالآتي: ٢٧ مليار ريال من الشركة اليمنية للهاتف النقال سبأ فون، و١٧ مليار ريال من شركة واي للاتصالات، و٧ مليارات ريال لشركة إم تي إن يمن للهاتف النقال، وللمزيد يمكن الرجوع إلى: https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2019-10-08-1.3668294 (تاريخ الوصول إليه: ٢٨ أغسطس ٢٠٢٠م).

[45] انظر أيضا: https://pathwayscommission.bsg.ox.ac.uk/digital-roadmap.

يناير 11, 2021

يؤكد موجز السياسات هذا على أن الوصول لاتفاق سلام دائم في اليمن يعتمد على قضيتين اقتصاديتين هامتين. القضية الأولى هي أن توزيع الموارد الاقتصادية والتحكم بها وتقاسمها عوامل أساسية لتحقيق السلام من عدمه، بما أن الحيز الأكبر من الصراع القائم يدور حول السيطرة على الموارد، وبالتالي فإنه يجب التطرق لهذه المسائل مباشرة أثناء مفاوضات السلام المرتقبة. أما القضية الثانية فهي أن افتقار اتفاقيات السلام عموما إلى أحكام وآليات تحقق استقرارا اقتصاديا شاملا في المرحلة التي تلحق التوقيع عليها يهدد بنشوب الحرب مجددا خلال تلك المرحلة الحرجة، وقد مر اليمن فيما مضى بالعديد من التجارب التي تثير مخاوف عودة الصراع بعد التوقيع على اتفاقية للسلام كان آخرها ما حدث من فشل بعد توقيع المبادرة الخليجية.

في هذا السياق، عقد منتدى رواد التنمية لقاءه السادسَ في العاصمة الأردنية عَمان خلال الفترة من ٢٥ إلى ٢٧ يناير ٢٠٢٠م، حيث تدارس المنتدى خلاله قضايا الاقتصاد الكلي والقضايا المالية والنقدية الملحة التي بوسعها أن تفشل محاولة تنفيذ أي اتفاقية سلام في اليمن بعد توقيعها، وقد نتج عن هذه المداولات التوصيات الرئيسية التالية الموجهة لأطراف التفاوض اليمنية والداعمين الدوليين لعملية السلام بشأن البنود الاقتصادية التي يجب إدراجها في اتفاقية السلام:

  • تحديد الأولويات الاقتصادية لحكومة ما بعد الاتفاق، والاتفاق على خطوات واضحة لإعادة تعريف نهج الدولة الاقتصادي، على أن يكون ذلك النهج الجديد في إطار برنامج إصلاحات شاملة ينم عن رؤية اقتصادية واسعة.
  • الاتفاق على إجراءات لإنهاء انقسام مؤسسات الدولة الرئيسية التي تلعب دورا مفصليا في اقتصاد اليمن، بما فيها البنك المركزي اليمني.
  • تشكيل مجلس اقتصادي اجتماعي يكلف بصياغة سياسات عامة تستجيب لمتطلبات المرحلة.
  • الالتزام بآلية واضحة وشاملة وقابلة للاستمرار لسداد مرتبات القطاع العام على نحو محسوب العواقب، وكذلك الاتفاق على إجراءات مدروسة لإعادة تأهيل ودمج المقاتلين.
  • ضمان التحصيل السريع والعادل للإيرادات المحلية وفق إجراءات واضحة للجميع، والاتفاق على آلية تعيين رؤساء جدد للمصالح الإيرادية ووضع آلية فعالة للمساءلة.
  • الاتفاق على آلية توزيع عوائد صادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.
  • الاتفاق على إطار حوكمة فعال لعملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
  • إعادة فتح كل الموانئ والمطارات والمنافذ البرية ورفع كل القيود المفروضة على حركة البضائع والمسافرين عبر جميع حدود اليمن.

جدول المحتويات

العوامل الاقتصادية المؤججة للصراع

ثمة عوامل اقتصادية خطيرة ما زالت تؤجج الصراع في اليمن إلى جانب دوافع الحرب الأخرى السياسية والعسكرية والمذهبية والإقليمية. وفي سبيل مجابهة التحديات التي تفرضها هذه العوامل الاقتصادية، فإن منتدى رواد التنمية يؤمن إيمانا قويا بوجوب إدراج بنود متعلقة بالاقتصاد في أي اتفاقية سلام قادمة. وإدراكا لهذه الأهمية للجانب الاقتصادي في اتفاق السلام، عقد المنتدى اجتماعه السادسَ في إطار مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن في الفترة من ٢٥ إلى ٢٧ يناير ٢٠٢٠م، في العاصمة الأردنية عَمان، إذ ناقش أعضاء المنتدى الأولويات الاقتصادية الملحة التي يجب تناولها في عملية السلام والتي يعرض موجز السياسات هذا آراء المنتدى وتوصياته حولها.

لقد تمحور القتال في اليمن إلى حد كبير حول السيطرة على الموارد والمؤسسات والقطاعات الاقتصادية الرئيسية—ما عرف في الفلسفة الاقتصادية في وقت ما بــ “المرتفعات المشرفة” على الاقتصاد (أي، المفاصل الاقتصادية)—حيث تقاتل الأطراف المتصارعة من أجل الوصول إلى الموانئ، وتحصيل إيرادات الضرائب والجمارك، وإنتاج وتصدير النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، وتنظيم العملة اليمنية، وتوجيه تدفقات المساعدات الخارجية، والسيطرة على مؤسسات الدولة المفصلية، والهيمنة على القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية مثل قطاع الاتصالات. [1]وبالتالي فإنه ما لم يُسوى ويُحل التنازع حول الموارد خلال مفاوضات السلام فما تشير إليه الشواهد التاريخية هو احتمال تجدد أعمال العنف عقب إمضاء الاتفاقية والإعلان الرسمي لنهاية الصراع.

من ناحية أخرى، أدى عدم الاستقرار الاقتصادي في اليمن إلى نشوء اضطرابات اجتماعية وسياسية طوال العقدين الماضيين، ويتجلى ذلك في العديد من التطورات التي شهدتها البلاد خلال عقد الألفينات (٢٠٠٠م – ٢٠٠٩م) والتي امتدت من نمو تنظيم القاعدة، وأعمال الشغب في جميع أنحاء البلاد ضد بعض برامج الإصلاحات المتعسفة، والتمرد المسلح في الشمال، والاحتجاجات الجماهيرية الجنوبية، والمطالبات الواسعة بإصلاحات سياسية، إلى الانتفاضات الشعبية العارمة، والاضطرابات السياسية، والصراعات المسلحة المعقدة في العقد الذي تلاه (٢٠١٠م – ٢٠١٩م).[2] ففي السنوات التي تلت ٢٠١١م، تعرض اقتصاد اليمن المنهك من قبلُ لصدمات متتالية شديدة الوطأة ألقت به في دوامة من التدهور الاقتصادي ما فتأت تتفاقم عاما بعد عام. في الوقت ذاته، استمر عدد سكان اليمن في النمو باطراد لينفجر من حوالي ١٧ مليون نسمة في ٢٠٠٠م إلى ما يقدر بنحو ٣٠ مليونا بحلول ٢٠٢٠م، في حين صاحب ذلك النمو السكاني اضمحلال رأس المال البشري في اليمن.[3] ومع استمرار هذا النمو السكاني المطرد ستستمر حاجة المواطنين الماسة في اليمن إلى المياه النظيفة والمواد الغذائية الأساسية والدخل المستقر والتنمية الريفية والخدمات العامة الأساسية والحصول على الكهرباء والبنية التحتية والإسكان، وهو ما سيؤدي حتما إلى موجات متكررة من الاضطرابات إذا ما أهملت تلبية هذه الضرورات مرة أخرى. أي أنه في أي عملية انتقالية قادمة لن يدوم السلام بوقف الأعمال العدائية فقط، بل وبنفس القدر بمعالجة تلك العوامل التي لطالما زعزعت استقرار الاقتصاد.

لذلك، يعتبر الاستقرار الاقتصادي ضروريا لاستعادة ثقة اليمنيين في عملية السلام وبناء رأس المال السياسي الذي يلزم للخروج من الحلقة المفرغة للصراع والهشاشة ولبدء مرحلة تحول اجتماعي واقتصادي وازدهار دائم.

لقد أظهرت الدراسات أن الأطراف المسؤولة عن تنفيذ أي اتفاق سلام سرعان ما ستجد نفسها أمام قضايا ومشاكل مالية واقتصادية معضلة تحول بين السلم والحرب. [4]على وجه العموم، تحذر الأدلة البحثية صانعي السلام ومنفذي اتفاقات السلام على حدٍ سواء إلى أن “الفترة التي تعقب توقيع اتفاقية السلام يمكن القول بأنها الوقت الذي يتصف بأكبر قدر من عدم اليقين والخطر.”[5] وتشير تلك الأدلة إلى أن خطر فشل معاهدات السلام ليس بعيد الاحتمال، ولا سيما عندما لا ينتج عنها خارطة طريق يعول عليها في تجاوز التضاريس الصعبة والمحفوفة بالمخاطر لمرحلة ما بعد الاتفاق. إن لدى اليمن تجربة غير بعيدة تؤيد هذه المخاوف، ففي أعقاب حركة احتجاجات ٢٠١١م ركزت مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي بدرجة كبيرة على الترتيبات السياسية والعسكرية أو الأمنية ولكنها أغفلت إلى حد بعيد الأولويات والإجراءات الرئيسية المتعلقة بالاقتصاد وهو ما ساهم في انهيار الفترة الانتقالية.

الحلقة المفقودة في عملية السلام الجارية

لقد توالت محاولات التوصل إلى تسوية سياسية للصراع منذ اندلاعه وذلك برعاية مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن، ابتداءً من مفاوضات جنيف وبيل في سويسرا في ٢٠١٥م، ومرورا بمفاوضات الكويت في ٢٠١٦م، وانتهاءً بالمشاورات بين الحكومة اليمنية وأنصار الله في السويد في ديسمبر ٢٠١٨م التي نتجت عنها اتفاقية اسْتُكْهُلْم. وعلى نحوٍ منفصلٍ عما سبق، وُقعت اتفاقية الرياض التي رعتها السعودية بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر ٢٠١٩م.

الجدير بالذكر أن التفاوض اقتصر بشكل أساسي في كل هذه الحالات على الجانب السياسي والجانب الأمني أو العسكري، على أنه يستثنى من ذلك مشاورات استكهلم إذ أنها شملت شقا اقتصاديا ضُمِّن في اتفاقية الحديدة—إحدى المكونات الثلاثة لاتفاقية استكهلم—التي نص أحد بنودها على أن: “تودع جميع إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في البنك المركزي اليمني من خلال فرعه الموجود في الحديدة للمساهمة في دفع مرتبات موظفي الخدمة المدنية في محافظة الحديدة وجميع أنحاء اليمن.”[6] إلا أن مشاورات استكهلم وإن تناولت جانبا اقتصاديا فإنما تناولته في أضيق الحدود وكأحد تدابير بناء الثقة التي من شأنها أن تهيئ لمفاوضات السلام فحسب، وليس كملف اقتصادي وركيزة أساسية في حد ذاتها لاتفاق السلام في المستقبل.

كذلك ما تزال هناك مساعٍ أخرى للتوصل إلى اتفاقات بشأن بعض القضايا الاقتصادية، منها الجهود المبذولة لتنسيق عمل البنك المركزي كمؤسسة وطنية مستقلة، وتلك المبذولة لسداد مرتبات جميع موظفي القطاع العام في عموم الجمهورية، إضافة إلى مساعي تطبيق الفقرات الاقتصادية لاتفاقية استكهلم. غير أن كل هذه المحاولات، على أهميتها، تظل تصب في مجال التهدئة وبناء الثقة ولَمَّا تتحول بحسب ما يُرى إلى قناعة راسخة لدى الأطراف اليمنية والمجتمع الدولي بأهمية أن تُضَمَّن الأولويات الاقتصادية في اتفاق السلام كجزء لا يتجزأ.

 

 

تجارب الدول الأخرى في تضمين بنود اقتصادية في اتفاقيات السلام

هناك العديد من الأمثلة على تسويات السلام التي تطرقت على نحو مباشر للنزاعات على الموارد الاقتصادية ضمن اتفاق سياسي أوسع[7]، ففي ١٩٩٥م نصت اتفاقية الإطار العام للسلام في البوسنة والهرسك، والمعروفة أيضا باسم اتفاقية دايتون أو معاهدات دايتون، على تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي من محافظ يعينه صندوق النقد الدولي بعد التشاور مع الرئاسة وثلاثة أعضاء تعينهم الرئاسة، ومن بين أولئك الأعضاء الثلاثة المعينين كان اثنان من الاتحاد أحدهما بوسني والآخر كرواتي يتقاسمان صوتا واحدا، والثالث من جمهورية صرب البوسنة، على أن يعمل الثلاثة جميعهم لفترة ست سنوات. في حين نصت الاتفاقية على أنه يتوجب على المحافظ ألا يكون مواطنا من البوسنة والهرسك أو أي دولة مجاورة وأنه يحق له أن يدلي بصوت في حالة تساوي عدد الأصوات في مجلس الإدارة.

وفي ٢٠٠٣م وُقعت اتفاقية أكرا للسلام الشامل التي أنهت الحرب الأهلية الليبيرية الثانية، إذ وضعت تلك الاتفاقية آليات لما عرف بلجنة إصلاح الإدارة العامة لتعمل على الحوكمة الرشيدة ولجنة أخرى جديدة عرفت بلجنة العقود والاحتكارات لتراقب التعاقدات الحكومية أثناء الفترة الانتقالية، ثم وُزِّعت مقاعد عضوية كل من هذه الهيئات بين أطراف النزاع. فعلى سبيل المثال، شملت لجنة العقود والاحتكارات: “خمسة أعضاء يعينهم الرئيس، بناءً على موافقة السلطة الوطنية الليبيرية الانتقالية، من الفئات المجتمعية المختلفة ممن يكونون من التكنوقراط أو غيرهم.”

أما في أنغولا، وفي محاولة لدمج الجماعات المسلحة التي كانت خارج نطاق الدولة في الحكومة الجديدة كوسيلة لحل النزاع، تُوصل إلى ما عرف بمذكرة السلام والتفاهم لــ ٢٠٠٦م في مقاطعة كابيندا، وهي المذكرة التي وفرت استقلالية كبيرة لمقاطعة كابيندا لاحتواء الصراع هناك، كما مكنت من تقاسم السلطة الاقتصادية من خلال تخصيص بعض الشركات العامة على نحو ما.

لا يُقصد من ضرب الأمثلة أعلاه بأي حال من الأحوال أنه يجب محاكاتها في اليمن، بل تُستخدم هنا فقط لتوضيح كيف قامت بعض الدول بتضمين القضايا الاقتصادية في عمليات السلام التي خاضتها وكيف استطاعت أن تصل لاتفاق حولها وفق ما اعتبرته هي مناسبا آنذاك لواقعها. تحديدا، تحث هذه الأمثلة على ضرورة إيجاد مساحة تسمح لأطراف الصراع اليمنية بتحديد مجموعة من القضايا الاقتصادية التي لا مناص من إغفالها أو تأجيلها، ثم التفاوض من بعد ذلك بشأنها والتوصل لاتفاقٍ ما حولها بناءً على السياق والواقع اليمني.

وإنه لمن المؤسف أن جولات المفاوضات السياسية التي شهدها اليمن حتى الآن لم تتطرق على النحو الذي يجب إلى العوامل والعواقب الاقتصادية للصراع في اليمن، على الرَّغم من الدروس المستفادة من بعض الأحداث التاريخية المعاصرة كما نوهنا وبحسب ما تحذر منه الدراسات المشار إليها سابقا.

التوصيات

سيستغرق التغلب على العواقب الاقتصادية للصراع في اليمن سنواتٍ عديدة من التنسيق بين الحكومة وأطراف النزاع والقطاع الخاص والمجتمع والشركاء الدوليين. من المؤكد أن اتفاق السلام سيكون اتفاقا سياسيا في الأساس، وبالتالي لا يمكن أن يتضمن تفاصيلا حول ما يجب القيام به على جميع المستويات، لكن أعضاء منتدى رواد التنمية يعتقدون بأن الموقعين على اتفاقية السلام يجب أن يجدوا حلولا للقضايا الاقتصادية المحورية وأنها يجب أن تدرج في اتفاق السلام. وكما أسلفنا فإن هذا أمر مهم لإرساء أسس نجاح الفترة الانتقالية بعد اتفاق السلام. وفيما يلي أبرز تلك القضايا:

أحكام عامة متعلقة بالاقتصاد

  1. الاتفاق على الأولويات الاقتصادية للحكومة الانتقالية: يجب أن يكون هناك اتفاق حول الخطوط العريضة لأولويات برنامج الحكومة الجديدة، بما في ذلك إعطاء الأولوية للنفقات العامة التي تعزز التعافي الاقتصادي وتحفز النمو، إضافة إلى إعطاء الأولوية للقطاعات الهامة كقطاع الكهرباء.

إنه لا بد من تحديد أولويات الحكومة في الاتفاق السياسي لئلا يتكرر مصير الحكومة التوافقية التي شُكلت من الأحزاب السياسية المختلفة بموجب المبادرة الخليجية، إذ لم تحظى تلك الحكومة حينذاك على دعم سياسي حقيقي لأولوياتها. ونتيجة لذلك كان برنامجها بعيدا عن الواقع السياسي للبلاد في ذلك الوقت مما جعل جهودها غير مؤثرة. لذلك يجب أن يكون الاتفاق السياسي واضحا ليس فقط حول كيفية تشكيل الحكومة بل أيضا بشأن الأولويات التي يجب أن تتطرق لها. ففي حالة تشكيل حكومة إصلاحات فإنه يجب تحديد الإصلاحات التي ستقوم بها. وبالمثل، إذا ما تقرر تشكيل حكومة تصريف الأعمال، أو أي حكومة أخرى في هذا السياق، فإنه يجب تحديد برنامجها بوضوح بحيث لا يكاد يكون هناك أي غموض حول ما يجب أو ما لا يجب القيام به.

  1. إنهاء انقسام مؤسسات الدولة: يجب أن يُتفق على آليات واضحة وإطار زمني لمعالجة انقسام مؤسسات الدولة، وخاصة تلك التي تلعب دورا جوهريا في اقتصاد اليمن، مع الالتزام بالعمل ضمن نطاق هذه المؤسسات بعد إعادتها لوضعها السابق. ذلك لإن إنشاء هياكل حكومية موازية لا يؤدي إلى إضعاف دور المؤسسات القائمة فحسب بل يمحو أيضا ذاكرتها المؤسسية مما يمنع الحكومة من مواصلة عملها من حيث انتهت الحكومات السابقة والاستفادة مما قد استطاعت تحقيقه سواء أقل أم كثر.
  2. تشكيل مجلس اقتصادي اجتماعي: يُوصى بأن يُتفق على إنشاء مجلس يجمع بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني وتكليفه بصياغة السياسات الاقتصادية. وفي هذا الجانب يمكن الاستفادة من الجهود السابقة التي توقفت في ٢٠١٤م في إنشاء هذا المجلس، على أن يُتفق على ما إذا ستكون سياسات المجلس ملزمة للحكومة أم معلمة.
  3. إعادة تعريف الفلسفة الاقتصادية للدولة: يمكن أن توفر الفترة التي تلي اتفاق السلام مباشرة فرصة سانحة للشروع في تطوير وصياغة رؤية جديدة للتنمية، ثم وضع على ضوءها برنامج إصلاحات اقتصادية هيكلية شاملة قد طال انتظارها، شرط أن تكون رؤية متبصرة تتجنب تكرار إخفاقات الماضي المتمثلة على سبيل المثال لا الحصر في الاعتماد المفرط على عائدات النفط وتهميش وإفقار المناطق الريفية وتزايد العجز الشديد في الميزان التجاري للمواد الغذائية. [8] ويمكن لاتفاقية السلام أن تمهد لهذه العملية من خلال تبيان هيكلة هذه العملية (مثلا، تحديد من يشارك فيها ووضع جدول زمني).

فاتورة مرتبات القطاع العام

  1. دفع مرتبات القطاع العام: إن فاتورة مرتبات القطاع العام المتزايدة والتي تتضمن الأجهزة العسكرية والأمنية بمثابة قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاقتصادي المستقبلي في اليمن. من أجل ذلك فإنه من الأهمية بمكان أن يحل اتفاق السلام مشكلة المرتبات المستعصية، بيد أن ذلك الحل أيا كان يجب أن يضمن سداد المرتبات على نحو مدروس ومحسوب العواقب لكي يكون قابلا لأن يدوم وألا يعطل قدرة الحكومة على تقديم الخدمات كما ينبغي وألا يستنزف المالية العامة. ومما يجب التنويه به هنا هو أنه يجب على الموقعين على الاتفاقية الالتزام بعملية واضحة وشاملة لإزالة الموظفين المزدوجين (أي، معالجة الازدواج الوظيفي) والموظفين الوهميين من كشوف المرتبات لعام ٢٠١٤م، ثم الاتفاق على آلية واضحة وغير مجحفة لأي إضافات على كشوف عام ٢٠١٤م.
  2. إعادة تأهيل المقاتلين وإعادة إدماجهم: كثيرا ما يُلوح بأن الإضافات إلى كشوف مرتبات القطاع العام لعام ٢٠١٤م أمر لا محالة منه من أجل استيعاب الأعداد الكبيرة من المقاتلين الذين جندتهم مختلف الجماعات المسلحة. في حين يشدد رواد التنمية على ضرورة عدم الإدماج بلا روية ولا تدبر لأعداد كبيرة في كشوف المرتبات لكيلا تنوء الدولة بعبء سداد مرتبات إضافية، فوق ما قد سبق، إلى أجل غير مسمى. كما يوصي رواد التنمية بأن يلتزم الموقعون على الاتفاق بوضع برنامج وطني لإعادة تأهيل وإعادة إدماج أعضاء الجماعات المسلحة والتشكيلات العسكرية الذين لم يكونوا مدرجين بالفعل في كشوف مرتبات الخدمة المدنية أو وزارتي الدفاع والداخلية لعام ٢٠١٤م.

البنك المركزي

  1. إدارة البنك المركزي: يجب النص في الاتفاق على تمكين البنك المركزي اليمني من أداء دوره وفقا للقانون مع إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك وفق المعايير المذكورة في قانون البنك المركزي ووفق شروط الكفاءة والنزاهة.
  2. قنوات التمويل: يجب أن ينص الاتفاق أيضا على ضرورة أن يلتزم المانحون والداعمون الرئيسيون لليمن بتدفق جميع المساعدات والمنح المالية عبر القنوات الرسمية دون تدخل أي طرف سياسي، مما يتطلب أن يكون للبنك المركزي دورا إشرافيا واضحا على تدفقات المساعدات الدولية بما يضمن مساهمتها في احتياطي النقد الأجنبي وغير ذلك. مع التأكيد في الاتفاق على إلزام الحكومة بأقصى درجات الشفافية في ملف المساعدات المقدمة من الدول المانحة والنص على أحكام الرقابة ذات الصلة.

تحصيل الإيرادات العامة

  1. الاتفاق على كيفية تخصيص إيرادات الموارد الطبيعية: يجب أن يملي اتفاق السلام بنودا حول ما إذا كانت المحافظات المنتجة ستستمر في الحصول على ٢٠ في المئة من عائدات بيع النفط والغاز، كما هو الحال حاليا، أو ما إذا كان نظام ما قبل الحرب الذي كان قائما سيعاد تنفيذه، أو ما إذا كان سيُوضع ترتيب جديد تماما. في جميع الأحوال يجب أن يكون هناك نص في الاتفاق يتطلب إيداع عائدات النفط والغاز في حساب خاص في البنك المركزي. كما يجب أن يُنص أيضا على وجود مراقب مدقق دولي لهذا الحساب والتزام الحكومة بأعلى معايير الشفافية في إدارة هذا القطاع الهام.
  2. توريد المتحصلات القانونية: تلتزم مختلف القوى السیاسیة الموقعة على اتفاقية السلام على قيام السلطات المختلفة في المحافظات بتوريد جميع المتحصلات القانونية من الضرائب والرسوم الجمركية لحساب الحكومة لدى البنك المركزي وفق إجراءات للشفافية والمساءلة، مع خصم مخصصات المحافظات المعتمدة في الموازنة لكل محافظة من هذا الحساب مباشرة.
  3. التعيينات في السلطات المعنية بالإيرادات خلال الفترة الانتقالية: يجب أن يتضمن الاتفاق ضوابطا وآلية واضحة ومبنية على الكفاءة لتعيين رؤساء المؤسسات الإيرادية العامة وجميع فروعها (أي، الضرائب، الجمارك، إلخ) ومساءلتهم.

إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي

  1. إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي: يتوجب أن يتضمن اتفاق السلام بنودا حول ملف إعادة الإعمار بما فيها المبادئ الحاكمة والمنظمة لعملية إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وكذلك الهياكل المؤسسية التي ستكلف بإدارة هذه العملية، بما يضمن الكفاءة والشفافية والتوافق مع مصالح الشعب اليمني. كما يجب أن تغطي هذه المواد الدور المناط بالجهات المانحة في دعم الحكومة الانتقالية، إضافة إلى التفاوض على إطار مساءلة مشترك لتنفيذ وتيسير مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي على النحو المرجو وفق مؤشرات إنجاز وأداء واضحة بحسب ما هو متعارف عليه ومعمول به في أفضل ممارسات المتابعة والتقييم.

فتح الموانئ والمطارات والمنافذ البرية

  1. إلغاء كافة القيود التي وضعت: تمكين الحكومة من فتح كل الموانئ والمطارات والمنافذ البرية المختلفة، وإلغاء كافة القيود التي وُضعت على حركة البضائع والمسافرين، إضافة إلى إلغاء كل البرامج التي استُحْدِثَت لتفتيش السفن خارج الموانئ اليمنية. وقد تكون هذه الخطوة أيضا إجراء لبناء الثقة يسبق اتفاق السلام.
  2. استعادة الأمن والثقة: يجب استعادة ثقة الناقلين البحريين الدوليين في موانئ اليمن وبخاصةٍ ميناءُ عدن وميناءُ الحديدة من خلال أحكام صريحة ضمن اتفاقية السلام. إلى جانب ذلك يجب أن يرسخ اتفاق السلام الأساس لاستعادة الامتثال للمدونة الدولية لأمن السفن والمرافق البحرية الدولية (ISPS) في المحطات الرئيسية لليمن واستعادة ثقة مجتمع الشحن الدولي.[9]

الملحق: العوامل المزمنة لعدم الاستقرار الاقتصادي الكلي في اليمن

بالنظر إلى صورة الاقتصاد الكلي لليمن، تظهر الاتجاهات التاريخية والمتوقعة لكل المؤشرات الاقتصادية الرئيسية نظرة قاتمة غير مسبوقة، فطوال عقد الألفينات (٢٠٠٠م – ٢٠٠٩م) لم تنجح السياسات الاقتصادية في اليمن في تحفيز النمو الاقتصادي، بل غالبا ما أبقت على الفجوة التمويلية، في حين تسارع اختلال الميزان التجاري بالرَّغم من النمو الملحوظ للصادرات، وما برحت العملة الوطنية تفقد قيمتها مقابل العملات الأجنبية تدريجيا. وفي خلال العقد التالي (٢٠١٠م – ٢٠١٩م) تفاقمت هذه المشاكل الاقتصادية، فانهارت أرصدة المالية العامة نتيجة لتقلص الإيرادات، بينما ظل الإنفاق العام عند مستويات عالية في سبيل المجهود الحربي ودفع مرتبات القطاع العام المتضخم واستيراد المشتقات النفطية وغيرها من الأعباء التي لطالما نأت بها موارد الدولة الشحيحة. [10]ذلك ما أدى إلى تعاظم رصيد الدين العام من جراء تمويل العجز النقدي في الموازنة العامة للدولة عبر الاقتراض المباشر من البنك المركزي. علاوة على ذلك، تزايد عجز الميزان التجاري بسبب تضاؤل صادرات النفط الخام وتعليق صادرات الغاز الطبيعي المسال، ليصبح اليمن من جراء تلاشي الصادرات مستوردا صافيا للسلع بقدر يكاد يكون كليا لولا بعض الصادرات التي لا يعتد بحجمها.

وقد أدت هذه الإدارة السيئة لاقتصاد اليمن طوال ردحٍ من الزمن والانتكاسات اللاحقة في زمن الحرب، بالإضافة إلى الفساد المتفشي الذي أثقل كاهل اليمن من قبلُ ومن بعدُ باستنزاف موارده القليلة، إلى انكماشٍ اقتصادي هائل وتراجعِ آفاق النمو عموما إلى حد لم يسبِق له مثيل. وقبيل تفشي جائحة كورونا الحالية، قدر صندوق النقد الدولي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لليمن لسنة ٢٠٢٠م بنحو ٢٣ مليار دولار بانخفاضٍ قدره ٤٧ في المئة مقارنة بأكثر من ٤٣ مليار دولار في ٢٠١٤م. [11] أضف إلى ذلك أن سعر صرف الدولار الأمريكي في السوق الموازية صعد إلى مستوىً قياسي بلغ ٨٢٠ ريال يمني مقابل الدولار الأمريكي في أكتوبر ٢٠١٨م، قبل أن يهبط ويستقر في نهاية ٢٠١٩م عند حوالي ٦٠٠ ريال لكل دولار. في الوقت ذاته استمرت معدلات التضخم الواقعة في خانة العشرات في الخروج عن نطاق السيطرة متجاوزة حدودها الآمنة، فوفقا لأحد التقديرات كانت معدلات التضخم للأعوام ٢٠١٧م و٢٠١٨م و٢٠١٩م ٣٠,٤ و٢٧,٦ و١٤,٧ في المئة على التوالي ثم ارتفعت إلى ٣٥,٥ في المئة في ٢٠٢٠م. [12]

في سياق متصل، فإن تكلفة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي المتنامية تقوض هي الأخرى الاستقرار الاقتصادي فيما هو آت، فبمجرد انقضاء العام الأول فقط من الحرب الدائرة قدر صندوق النقد الدولي أن اليمن خسر ما بين ٢٥ إلى ٣٥ في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي في ٢٠١٥م وحدها وأكثر من ٢٠ مليار دولار—أي ٥٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لما قبل الحرب—في أضرار إجمالية للبنية التحتية للبلاد منذ بداية الحرب.[13] في ذلك الوقت تكهن الصندوق بأن فاتورة إعادة بناء الاقتصاد ستتجاوز بكثير قدرة اليمن على تعبئة الموارد، خاصة بالنظر إلى القدرة المحدودة على حشد الإيرادات المحلية واستفحال أزمة المديونية[14]—على أنه لم يكن يُتوقع حينها أن يطول أمد الحرب أما وقد طال كل هذه السنوات فالأضرار قد تضاعفت كثيرا. [15]

ومما يزيد قضية الاستقرار الاقتصادي تعقيدا وسوءا هو أن الصراع المدمر في اليمن وإن كان قد ألحق خسائر فادحة جدا على جميع المستويات إلا أن آثاره على التنمية البشرية خصوصا تفوق الأضرار المادية برمتها. ففي تقرير نشر في أبريل ٢٠١٩م قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن مكاسب اليمن في مجال التنمية البشرية قد تراجعت ما مقداره ٢١ عاما. [16]أي أن اليمن فَقَدَ في خلال خمسة أعوام فقط كل ما حققه من مكاسب تنموية كانت صعبة المنال على مدى ما يربو على عقدين من الزمن.

وعليه فإن أي مفاوضات قادمة لإنهاء الصراع في اليمن ستأتي على خلفية هذه التحديات الجسيمة بأنواعها، التي إذا لم يُعبأ بها ستثير السخط وتتسبب في انعدام الاستقرار والأمن في المستقبل القريب تماما كما فعلت في الماضي وما الأمس عنا ببعيد.

تلخيصا لما ورد في هذا الموجز، حدد منتدى رواد التنمية التحديات الاقتصادية التالية على أنها التحديات العاجلة التي تواجه اليمن ويجب إدراجها في أي مفاوضات سلام مقبلة:

تكبيل النشاط الاقتصادي

  • انهيار مؤسسات الدولة الرئيسية وانقسامها بين أطراف النزاع
  • فقدان القوى العاملة بسبب النزوح أو الوفاة أو الإصابة أو الالتحاق بالمعارك
  • ارتفاع معدلات البطالة وفقدانُ جُلِّ الدخل
  • عدم قدرة التجار المحليين على استيراد البضائع ونقلها بحرية عبر البلاد
  • التكاليف الباهظة لممارسة الأعمال في اليمن وعدم جاذبية الأسواق المحلية للاستثمار وبيئة الأعمال غير الملائمة والطاردة وهجرة رؤوس الأموال الناتجة عن ذلك

انهيار المالية العامة وتفاقم الاختلالات الهيكلية

  • الإنفاق العام غير المقتصد وعدم القدرة على سداد المرتبات
  • الانخفاض الحاد في الإيرادات العامة وارتفاع عبء خدمة الدين العام
  • عدم القدرة على تغطية الحماية الاجتماعية الضرورية
  • انهيار جميع الخدمات العامة الأساسية

انهيار القطاع المصرفي والنظام النقدي

  • انقسام البنك المركزي اليمني
  • تضارب السياسات النقدية واللوائح المصرفية المتعلقة بعملة اليمن
  • عدم القدرة على كبح جماح التضخم والتحكم فيه
  • استنزاف احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي
  • فقدان العملة الوطنية لقيمتها الداخلية والخارجية
  • حدة أزمة السيولة في النظام المصرفي المحلي
  • صعوبة حصول التجار على العملة الصعبة في السوق المحلية مع عدم قدرة البنك المركزي على تغطية احتياجات النقد الأجنبي لفاتورة واردات السلع الأساسية
  • صعوبة حصول التجار على تمويل خارجي والخدمات المصرفية الدولية

الشكل البياني ١: النمو السكاني المطرد لليمن مقابل انهيارها الاقتصادي

(أ‌) النمو الاقتصادي (معدل التغير السنوي في الناتج المحلي الحقيقي)

(ب‌) عدد السكان (مليون نسمة)

المصادر:

(أ) متوسط ​​التقديرات والتوقعات السكانية المتاحة من المصادر الستة التالية: (١) الجهاز المركزي للإحصاء. “الإسـقاطات السكانية للفترة ٢٠٠٥-٢٠٢٥م.” يونيو ٢٠١٠م. (٢) الجهاز المركزي للإحصاء. “تقديرات الناتج المحلي الإجمالي.” ديسمبر ٢٠١٨م. (٣) صندوق النقد الدولي. “قاعدة بيانات التوقعات الاقتصادية العالمية.” أكتوبر ٢٠١٩م. https://www.imf.org/external/pubs/ft/weo/2019/02/weodata/index.aspx. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م. (٤) شعبة السكان، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، الأمم المتحدة. “التوقعات السكانية في العالم لعام ٢٠١٩، نسخة الكترونية صادرة على الانترنت، النسخة الأولى.” أغسطس ٢٠١٩م. https://population.un.org/wpp/Download/Standard/Population/. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م. (٥) مجموعة البنك الدولي. “مؤشرات التنمية العالمية.” https://data.worldbank.org/country/yemen%20rep. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م. (٦) قسم الإحصاء، منظمة العمل الدولية. “قاعدة بيانات ILOSTAT – عدد السكان حسب الجنس والعمر – تقديرات وتوقعات الأمم المتحدة، يوليو ٢٠١٩ (بالآلاف) – تقديرات قائمة على نماذج منظمة العمل الدولية.” https://ilostat.ilo.org/data/. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

(ب) متوسط ​​التقديرات والتوقعات المتاحة من المصادر الأربعة التالية: (١) تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للجهاز المركزي للإحصاء لعام ٢٠١٨م (خط الأساس = ٢٠٠٠م). (٢) الأمم المتحدة. “الملحق الإحصائي – الجدول أ.٣: الاقتصادات النامية: معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ٢٠٠٩ – ٢٠١٩” في “الوضع والتوقعات الاقتصادية في العالم ٢٠١٨.” ٢٠١٨م. https://www.un.org/development/desa/dpad/wp-content/uploads/sites/45/publication/WESP2018_Full_Web.pdf. (لم تحدد سنة خط الأساس). (٣) تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠١٩م (خط الأساس: ١٩٩٠م). (٤) مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي، فبراير ٢٠٢٠م (خط الأساس = ٢٠١٠م). تظهر التقديرات والتوقعات المختلفة باللون الرمادي الفاتح والتي على الرَّغم من اختلافها بسبب المنهجية ترسم تقريبا نفس خطوط الاتجاه. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

الشكل البياني ٢: لمحة عن اقتصاد اليمن الكلي خلال فترة الحرب مقارنة بما قبلها

(‌أ) الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (مليار دولار)

(‌ب) الدين العام (تريليون ريال) ونسبته إلى الناتج المحلي

(‌ج) ميزان تجارة السلع (مليار دولار)

(‌د) الرصيد الكلي للموازنة العامة (الفائض/العجز) (تريليون ريال)

(‌ه) سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الريال في السوق الموازي

(و) التضخم (معدل التغير السنوي في الرقم القياسي لأسعار المستهلك)

المصادر:

(أ) متوسط ​​التقديرات والتوقعات المتاحة من المصادر الثلاثة التالية: (١) تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للجهاز المركزي للإحصاء ٢٠١٨م. حُولت العملة المحلية إلى الدولار الأمريكي باستخدام متوسط ​​أسعار الصرف السنوية التاريخية، فللفترة من ٢٠٠٠م إلى ٢٠١٣م حُصل على أسعار الصرف من موقع https://fxtop.com، أما للفترة من ٢٠١٤م إلى ٢٠١٧م فقد حُصل على أسعار الصرف من الإصدار ٣٧ (“انخفاض قيمة الريال يشعل التضخم”، سبتمبر ٢٠١٨م) والإصدار ٤٥ (“انخفاض قيمة العملة اليمنية يؤدي إلى تفاقم معاناة اليمنيين”، أكتوبر ٢٠١٩) من “نشرة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن” الدورية الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي. (٢) آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠١٩م. (٣) مؤشرات التنمية الدولية للبنك الدولي، فبراير ٢٠٢٠م. وتظهر التقديرات والتوقعات المختلفة باللون الرمادي الفاتح. وتجدر الإشارة إلى وجود تباين كبير بعد عام ٢٠١١م بين خط الاتجاه المرسوم باستخدام بيانات وزارة التخطيط والتعاون الدولي وبيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ((ب)، (د)) آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠١٩م. (ج) مؤشرات التنمية الدولية للبنك الدولي، فبراير ٢٠٢٠م. (هـ) حُصل على متوسط ​​أسعار الصرف السنوية التاريخية من المصادر الثلاثة التالية: (١) للفترة من ٢٠٠٠م إلى ٢٠١٤م، من موقع Fxtop.com. (٢) للفترة من ٢٠١٤م إلى ٢٠١٩م، من “نشرة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن” الدورية الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي، العدد ٣٧ الصادر في سبتمبر ٢٠١٨م والعدد ٤٥ الصادر في أكتوبر ٢٠١٩م. (٣) لكامل الفترة، حُصل عليها من آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي أكتوبر ٢٠١٩م وذلك بقسمة الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالريال اليمني على الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالدولار الأمريكي. (و) متوسط ​​التقديرات والتوقعات المتاحة تشكل المصادر الأربعة التالية: (١) تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للجهاز المركزي للإحصاء، ٢٠١٨م. (٢) “الجدول أ.٦: الاقتصادات النامية: تضخم أسعار المستهلكين، ٢٠٠٩-٢٠١٩” في تقرير الوضع والآفاق الاقتصادية العالمية للأمم المتحدة، ٢٠١٨م. (٣) آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠١٩م. (٤) مؤشرات التنمية الدولية للبنك الدولي. تظهر التقديرات والتوقعات المختلفة باللون الرمادي الفاتح والتي على الرَّغم من اختلافها بسبب المنهجية ترسم تقريبا نفس خطوط الاتجاه.

حواشي سفلية:

[1] الأكحلي، رأفت. “معركة السيطرة على ‘المرتفعات المشرفة’ في الاقتصاد اليمني.” مركز الشرق الأوسط، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ١٦ يونيو ٢٠١٧م. https://blogs.lse.ac.uk/mec/2017/06/16/the-battle-to-control-the-commanding-heights-of-the-yemeni-economy/ . اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

[2] (أ) هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). “ملف اليمن – جدول زمني.” ٦ نوفمبر ٢٠١٩م. https://www.bbc.com/news/world-middle-east-14704951. اطلع عليه بتاريخ 21 فبراير/ شباط 2020 . (ب) منظمة هيومن رايتس ووتش. “باسم الوحدة: رد الحكومة اليمنية القاسي على احتجاجات الحراك الجنوبي.” ١٥ ديسمبر ٢٠٠٩م. https://www.hrw.org/ar/report/2009/12/15/256014. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م. (جـ) صحيفة نيويورك تايمز. “أسوأ أعمال الشغب خلال عقد من الزمن تخلف ١٦ قتيلا في اليمن.” ٢٢ يوليو ٢٠٠٥م. https://www.nytimes.com/2005/07/22/world/africa/worst-riots-in-a-decade-leave-16-dead-in-yemen.html . اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

[3] إعادة تصور اقتصاد اليمن. “تنمية رأس المال البشري.” ١٦ يناير ٢٠٢٠م. https://devchampions.org/uploads/publications/files/Rethinking_Yemens_Economy-policy_brief_18_ar.pdf. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م..

[4] (أ) بادانجاك، سانجا. “البنوك والمصارف المركزية واللوائح المصرفية في اتفاقيات السلام.” (تقرير PA-X، سلسلة اقتصادية). برنامج أبحاث التسويات السياسية (PSRP)، أكاديمية العدل العالمية، جامعة إدنبرة. إدنبرة: ٢٠١٩م. http://www.politicalsettlements.org/publications-database/banks-banking-regulations/ أو https://www.peaceagreements.org/publication/14. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.. (ب) بيل، كريستين. “تقاسم السلطة الاقتصادية وحل النزاعات والتنمية في مفاوضات واتفاقات السلام.” (تقرير PA-X، سلسلة اقتصادية). برنامج أبحاث التسويات السياسية (PSRP)، أكاديمية العدل العالمية، جامعة إدنبرة. أدنبرة: ٢٠١٨م. https://www.politicalsettlements.org/publications-database/economic-power-sharing-conflict-resolution-and-development-in-peace-negotiations-and-agreements/ أو https://www.peaceagreements.org/publication/11 . اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

[5] وودورد، سوزان ل. “الأولويات الاقتصادية لتطبيق السلام.” معهد السلام الدولي (أكاديمية السلام الدولية سابقا). نيويورك: أكتوبر ٢٠٠٢م. https://www.ipinst.org/wp-content/uploads/publications/economic_priorities.pdf. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م..

[6] مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليمن. “اتفاق حول مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.” الأمم المتحدة، نيويورك: ديسمبر ٢٠١٨م. https://osesgy.unmissions.org/sites/default/files/lns_lkml_ltfq_stwkhwlm_0.pdf. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

جدير بالذكر أنه حتى تاريخ هذه الورقة لم يُنفذ هذا البند من اتفاقية الحديدة، ففي الحين الذي أودعت الإيرادات المذكورة في حساب في البنك المركزي اليمني فرع الحديدة إلا أنه لم يُتوصل إلى اتفاق بشأن تفاصيل كيفية استخدامها لسداد المرتبات الحكومية.

[7] بيل ٢٠١٨م.

[8] قادري، علي. “اليمن: ‘الطب الاقتصادي’ للبنك الدولي والفقر في اليمن.” جلوبال ريسيرتش. ٨ فبراير ٢٠١٢م. https://www.globalresearch.ca/yemen-world-bank-economic-medicine-and-the-impoverishment-of-yemen/29167. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

[9] المدونة الدولية لأمن السفن والمرافق البحرية الدولية: هي مدونة دولية دخلت حيز التنفيذ في ٢٠٠٤م، وهي جزء من التعديلات التي أدخلت على الاتفاقية الدولية لسلامة الحياة في البحر (سولاس) (١٩٧٤/١٩٨٨) بشأن الحد الأدنى من الترتيبات الأمنية للسفن والموانئ والوكالات الحكومية من خلال المنظمة البحرية الدولية والدول الأعضاء فيها لحماية السفن والموانئ أثناء ممارسة التجارة الدولية. وتحدد المدونة مسؤوليات الحكومات وشركات الشحن وطاقم السفن وموظفي الموانئ / المرافق “للكشف عن التهديدات الأمنية واتخاذ تدابير وقائية ضد الحوادث الأمنية التي تؤثر على السفن أو مرافق الموانئ المستخدمة في التجارة الدولية”.

[10] في أكتوبر ٢٠١٩م توقع صندوق النقد الدولي الإنفاق الحكومي العام لليمن لسنة ٢٠٢٠م بما يقرب من ثلاث تريليونات ريال يمني (٢,٩٥ تريليون ريال يمني) من خلال الافتراضات المالية التالية: “يستند توقع الإيرادات من الهيدروكربونات إلى افتراضات آفاق الاقتصاد العالمي لأسعار النفط والغاز (تستخدم السلطات سعر 55 دولارا للبرميل) وتوقعات السلطات لإنتاج النفط والغاز. تعكس الإيرادات غير الهيدروكربونية بالإضافة إلى معظم فئات الإنفاق إلى حد كبير توقعات السلطات باستثناء دعم الوقود التي يتم توقعها على أساس سعر آفاق الاقتصاد العالمي بما يتفق مع الإيرادات. يستند التوقع النقدي إلى الافتراضات الرئيسية للاقتصاد الكلي حول معدل النمو النقدي بمعناه الواسع والائتمان للقطاع الخاص ونمو الودائع. أشهر بداية / نهاية السنة المالية: يناير / ديسمبر، دليل إحصاءات المالية الحكومية المستخدم: دليل إحصاءات المالية الحكومية ٢٠٠١م، أساس التسجيل: النقدية، الحكومة العامة تشمل: الحكومة المركزية والحكومة المحلية، تقييم الدين العام: القيمة الاسمية، العملة المحلية الرئيسية: الريال اليمني، أخر تحديث للبيانات: أغسطس ٢٠١٩م”.

[11] آفاق الاقتصاد العالمي لصندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠١٩م.

[12] نفس المرجع السابق.

[13] لاجارد، كريستين. “حسابات الصراع في الشرق الأوسط”. صندوق النقد الدولي. ١٦ سبتمبر ٢٠١٦م. https://blog-imfdirect.imf.org/2016/09/16/the-calculus-of-conflict-in-the-middle-east/ . اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

[14] بيورن، روثر وآخرون. “الأثر الاقتصادي للصراعات وأزمة اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.” مذكرات مناقشة الموظفين رقم ١٦/٨، صندوق النقد الدولي. ١٦ سبتمبر ٢٠١٦م. (ISBN/ISSN: 9781475535785). http://www.imf.org/external/pubs/cat/longres.aspx?sk=44228.0http://www.imf.org/external/pubs/ft/sdn/2016/sdn1608.pdf. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

وأشار المؤلفون إلى أن الصراعات الواسعة النطاق التي ما زالت مستمرة في الشرق الأوسط تترك آثارا عميقة على الاقتصادات، فعلى سبيل المثال قدر المؤلفون وقت إعداد تقريرهم أنه “حتى مع معدل نمو سنوي مرتفع نسبيا يبلغ ٤,٥ في المئة، ستستغرق سوريا أكثر من ٢٠ عاما لتعود إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي لما قبل النزاع سنة ٢٠١٠م”.

[15] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع مركز فريدريك باردي للمستقبل الدولي وكلية جوزيف كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر. “تقييم آثار الحرب على التنمية في اليمن.” ٢٣ أبريل ٢٠١٩م. https://www.arabstates.undp.org/content/rbas/ar/home/presscenter/pressreleases/2019/yemen-has-already-lost-2-decades-of-human-development.html. اطلع عليه بتاريخ ٢١ فبراير / شباط ٢٠٢٠م.

[16] نفس المرجع السابق.

يونيو 2, 2020

ملخص تنفيذي

يواجه قطاع الأسماك في اليمن العديد من التحديات الهيكلية التي حدت من إنتاجه ومساهمته المحتملة في  الاقتصاد الوطني. عانت البنية التحتية للقطاع من تدني مستويات التطوير والتنمية، حتى في مرحلة ما قبل اندلاع النزاع المسلح في البلاد، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بتطوير القدرات البشرية. وبالتالي، ازدادت التحديات التي تواجه القطاع بعد اندلاع الحرب عام 2015، لتشمل: انخفاض حاد في الإنتاج، نتيجة نزوح العديد من الصيادين والقوى العاملة في القطاع؛ إيقاف الإنتاج في مصانع الأسماك؛ ارتفاع أسعار الوقود؛ انخفاض القوة الشرائية المحلية، وبالتالي انخفاض الطلب المحلي على الأسماك؛ عدم تمكين وزارة الثروة السمكية، وغيرها من مواجهة التحديات التي يعانيها القطاع.

في إطار مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن، اجتمع عدد من الخبراء وأصحاب المصلحة، من قطاع الأسماك من مختلف المحافظات الساحلية في الجمهورية، بمدينة المكلا في حضرموت خلال الفترة (26-28 نوفمبر / تشرين الثاني 2019)، لمناقشة التحديات التي تواجه القطاع السمكي واقتراح الحلول المناسبة لها. توصلت هذه المناقشات إلى ضرورة التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص ومجتمعات الصيد والمؤسسات التعليمية والفاعلين الدوليين، لتحقيق التنمية المستدامة والتعافي من آثار الصراع الحالي. بالنظر إلى عدم قدرة وزارة الثروة السمكية على إنجاز مهامها نتيجة للنزاع القائم، رأى المشاركون أنه بات من المهم منح امتيازاتها التنفيذية فيما يخص وضع السياسات والتنظيم على المدى القصير إلى المجالس المحلية، وتمكين الأخيرة وتفويضها مؤقتا لإدارة القطاع خلال الصراع، كما اقترحوا سياسات طويلة الأجل من شأنها، في حال تبنيها من قبل الحكومة اليمنية والفاعلين الدوليين، أن تعيد تنشيط القطاع وتحسن قدراته.

تشمل التوصيات:

  • إنشاء صندوق لدعم صادرات الأسماك ومنتجاتها.
  • إجراء تقييمات علمية للمخزون الوطني من الأسماك، ودراسات على المواطن البحرية.
  • تسهيل التعاون بين الأطراف الدولية المعنية، مع كليات العلوم البحرية ومؤسسات الأبحاث المحلية.
  • منح المجالس المحلية المزيد من الصلاحيات التنفيذية مؤقتًا، لتولي مهام وزارة الثروة السمكية التي يتعذر عليها ممارستها بسبب الحرب.
  • تنمية وزارة الثروة السمكية، عبر تحسين مواردها البشرية وقدراتها التنظيمية.
  • تصميم وتنفيذ الشراكات بين المنظمات الدولية والقطاعين العام والخاص، لتأهيل وتحسين البنية التحتية.
  • تصميم وتنفيذ شراكات بين المنظمات الدولية والقطاعين العام والخاص والصيادين الحرفيين ومجتمعات الصيد، لزيادة الإنتاج وتحسين جودة الصيد.
  • يجب على وكالات الإغاثة الدولية استكشاف طرق لدعم قطاع الأسماك في اليمن، لتحسين الأمن الغذائي في البلاد.

خلفية:

يعتبر القطاع السمكي في اليمن من القطاعات الواعدة التي من شأنها المساهمة في تعزيز الاقتصاد الوطني، إذ يبلغ طول السواحل اليمنية أكثر من 2500 كيلومتر، وتتميز بالمناطق الغنية بالأسماك،[1] لكنها تعاني العديد من التحديات التي فاقمتها الأزمة الحالية. أظهرت أحدث البيانات التي نشرتها وزارة الثروة السمكية عام 2012، أن قطاع الأسماك ساهم بحوالي 3% من إجمالي الناتج المحلي، وشكل ثاني أكبر مصدر لإيرادات التصدير بعد النفط.[2]

ينقسم قطاع الأسماك إلى مكونين أساسيين: مصائد الأسماك البحرية؛ والاستزراع السمكي، والأول هو المهيمن في القطاع، بينما الثاني يعتبر محدودا نسبياً، من حيث الحجم والإنتاج. بحسب أحدث بيانات متوفرة من وزارة الثروة السمكية، هناك حوالي 90 ألف صياد مرخص في البلاد،[3] جميعهم تقريباً صيادون تقليديون من الذكور.[4] ويبلغ عدد القوى العاملة في أنشطة الصيد، والأنشطة ذات الصلة بالصيد حوالي 500 ألف شخص يعيلون قرابة 1.7 مليون نسمة.[5] بالمقابل، هناك مزرعة واحدة فقط تعمل في قطاع الاستزراع السمكي في اليمن، حسب بيانات وزارة الثروة السمكية عام 2012.[6]

تشير التقديرات إلى أن إنتاج اليمن من الأسماك والأحياء البحرية يبلغ سنويا حوالي 200 ألف طن قبل اندلاع الصراع، حيث تم تصدير ما بين 40% إلى 50% من هذا الإنتاج، ما أدر عائدات تقدر بحوالي 300 مليون دولار.[7] هناك مراكز استلام، وﻣﺮاﻓﻖ لتفريغ الأﺴﻤاك مملوكة للدولة، وأخرى خاصة، ولكن الدولة لا تملك أساطيل صيد، وبالتالي يعمل الصيادون على قواربهم الخاصة أو على قوارب يستأجرونها من القطاع الخاص. أظهرت دراسة أجريت عام 2018 أن 60% فقط من الصيادين يملكون قوارب صيد، بينما يعمل الباقون مقابل أجر يومي،[8] وأن قرابة الثلث من هؤلاء يملكون القوارب بالشراكة مع آخرين.[9]

واجه قطاع الأسماك خلال العقد الأخير تحديات بيئية متزايدة، مثل تدمير الشعاب المرجانية، والتلوث، وآثار التغير المناخي، وظواهر جوية عنيفة مثل الأعاصير الحلزونية، ومن شبه المؤكد أن هذه العوامل أثرت على حجم الأرصدة السمكية، ولكن لم يتم إجراء تقييم نهائي بهذا الشأن (انظر قسم التحديات أدناه).

خلال الصراع الجاري انخفض حجم الإنتاج السمكي قرابة النصف، بينما تراجعت الصادرات إلى أقل من 70 ألف طن سنوياً منذ اندلاع الحرب.[10] كما أثر نقص الوقود الذي عانت منه البلد بشكل منتظم على عمل الصيادين، إذ أدى إلى ارتفاع التكاليف اللازمة لتشغيل قواربهم. وخلال الحرب هُجر العديد من الصيادين من المجتمعات الساحلية، بسبب الاشتباكات المسلحة في مناطقهم، وبالتالي خسروا مصدر رزقهم، كما أن أولئك الذين لم يُهجروا وظلوا في مناطقهم على طول سواحل البحر الأحمر من الحديدة إلى عدن، لم يتمكنوا من ممارسة عملهم بانتظام بسبب القتال وانعدام الأمن.

التحديات الأساسية التي تواجه القطاع السمكي في اليمن

نقص البيانات والمعرفة

تعتبر شحة الأبحاث العلمية، وتدني إنتاج المعرفة فيما يخص حجم وصحة المخزون السمكي، أبرز التحديات التي تواجه القطاع السمكي في اليمن. آخر تقييم تم إجراؤه لتحديد مناطق الصيد والنظم الإيكولوجية الساحلية والبحرية ومواقع تربية الأحياء المائية كان منذ أكثر من 30 عاماً،[11] وليس هناك أي تقييم حديث، وبالتالي ليس هناك معلومات وبيانات عن القطاع ووضع المخزون السمكي من حيث الجدوى التجارية، والأنواع المهددة بالانقراض والشعاب المرجانية، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالنظام البيئي البحري والمواطن البحرية.

لا زالت أدوات وأساليب الصيد في اليمن تقليدية، وتقل نسبة استعمال معدات تكنولوجية متطورة، وهذا يحد من كميات الإنتاج ككل، كما أن ممارسات الصيد المدمرة، التي تتزايد شعبيتها بين الصيادين، تهدد استدامة القطاع. تشمل بعض هذه الممارسات: الصيد العرضي المفرط؛ وصيد الأسماك اليافعة؛ والصيد باستخدام الشباك الدقيقة التي تُجر في أعماق البحار؛ والصيد بالتفجير، ما يدمر الشعاب المرجانية والموائل البحرية.[12]

 

البنية التحتية الضعيفة

تعاني صناعة الأسماك في اليمن من مشاكل جدية في البنية التحتية، حيث تدار مراكز الاستلام البدائية وذات السعة الصغيرة، ومصانع الأسماك بشكل سيء وغير فعال، ويحد غياب مراكز استلام ملائمة، وعدم وجود إدارة وموظفين مدربين على ضمان معايير الجودة، من قدرة القطاع على تلبية معايير الجودة سواء في السوق المحلية أو الأجنبية، بالإضافة إلى غياب البنية التحتية الملائمة في المرافئ وأرصفة الصيد، مثل عدم وجود كواسر أمواج كافية، أو مرافق تخزين بارد ملائمة، وغياب وسائل لتوليد الطاقة بأسعار مقبولة.

في ذات السياق؛ يفتقر العاملون في قطاع صيد السمك للتدريب اللازم على استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، التي من شأنها أن تطور القطاع. تفتقر اليمن أيضا إلى مدونة سلوك تضمن أفضل الممارسات لإنتاج وتخزين وتوزيع وتصدير واستيراد وبيع الأسماك والمنتجات السمكية، ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الأسماك المصطادة. كل هذا يؤدي في المحصلة إلى تقويض الجهود الرامية إلى حماية الموائل البحرية – مثل الشعاب والمزارع المرجانية.

غياب الدعم من القطاعين العام والخاص

ليس بمقدور وزارة الثروة السمكية حالياً القيام بمهامها المعتادة، بسبب غياب الموظفين المؤهلين، وغياب التمويل، ما يعني غياب الرقابة الحكومية بشكل شبه كامل، وعدم تطبيق معايير الجودة المطلوبة، وعدم دعم القطاع السمكي فيما يخص صيد وتجهيز الأسماك، والتصدير وتأمين الخدمات اللوجستية والتسويق الدولي. وفي الواقع، ما يحدث هو العكس، إذ على مصانع تجهيز الأسماك أن تدفع ضريبة تصل إلى 25% على الإنتاج السمكي، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر البيع، والحد من القدرة التنافسية لصادرات اليمن من الأسماك.

وأدى الصراع، وتحديداً انتقال وزارات الحكومة المعترف بها دولياً، مثل وزارة الثروة السمكية، من صنعاء إلى عدن عام 2016، إلى ظهور عدة تحديات أمام التواصل مع البلدان المستوردة، وإلى صعوبات في تسجيل الشركات المصدرة لدى الاتحاد الأوروبي. خسرت الوزارات رأس المال البشري ومهارات عدة بعد انتقالها إلى عدن، إذ أن معظم موظفيها لم ينتقلوا إلى عدن. أدت هذه التحديات التي تواجه القطاع، وكذلك الاعتماد على الطرق البدائية في إدارته، إلى تردد الجهات الفاعلة في القطاع الخاص عن الاستثمار في تطوير قطاع الأسماك في اليمن، ما عرقل تحديداً التنمية في تربية الأحياء المائية، خاصة مع ارتفاع التكلفة الرأسمالية الأولية.

التطلع قدماً

من الجدير بالذكر، أن جذور أغلب هذه التحديات لا ترتبط بالنزاع الحالي بشكل أساسي، لكن ومن دون شك، فقد ازداد الوضع تعقيداً بسبب الحرب. لا بد من اتخاذ إجراءات معينة لكي يتمكن قطاع صيد الأسماك من العمل بكامل طاقته، والمساهمة في الاقتصاد كمكون رئيسي وفعال، وبالتالي، فقد اقترح المشاركون في ورشة العمل خطوات أساسية للحكومة والفاعلين الدوليين، تساعد في تأهيل وتطوير القطاع السمكي في اليمن:

 

التوصيات:

  • إنشاء صندوق لدعم الصادرات من الأسماك ومنتجاتها. من شأن وجود صندوق تديره الحكومة، ممثلة بالمجلس الأعلى لتنمية الصادرات ووزارة الثروة السمكية، وبدعم من الجهات المانحة الدولية، أن يساعد مصدري الأسماك اليمنيين على المنافسة في الأسواق الدولية. كما أن بإمكان الدعم الحكومي أن يغطي تكاليف النقل والتسويق وتكاليف الرخص والشهادات اللازمة للاستيراد. ويجب على هذا الصندوق أيضاً أن يساعد في تأمين رأس المال المطلوب للبدء في مشاريع مزارع الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما قد يساعد في زيادة الإنتاج السمكي بشكل عام، ودعم الأمن الغذائي في اليمن.
  • إجراء تقييمات علمية للمخزون السمكي المحلي، ودراسات عن المواطن البحرية. على الحكومة ممثلة بوزارة الثروة السمكية ــ بالتعاون مع الفاعلين الدوليين ــ أن يفوضوا مؤسسات ذات صلة لتقييم المخزون السمكي المجدي تجارياً، ورصد الأنواع المهددة بالانقراض والشعاب المرجانية، وإجراء غيرها من الأبحاث اللازمة بهدف تنمية القطاع. على هذه الأبحاث أن تحدد أيضاً أي أصناف الأسماك هي الأنسب لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن، وأن تتوصل إلى أفضل الطرق للحفاظ على الموائل البحرية.
  • تسهيل سبل تعاون الأطراف الدولية المعنية مع كليات العلوم البحرية ومؤسسات الأبحاث المحلية. من الضروري أن تستند الجهود الرامية لتطوير القطاع السمكي في اليمن، إلى الأبحاث العلمية وأفضل الممارسات الدولية. ويجب أن تشمل هذه الجهود القطاع بأكمله (موظفو وزارة الثروة السمكية، الصيادون، والعاملون في تجهيز الأسماك) وغيرهم من أصحاب المصلحة في القطاع الخاص. وبهدف تسهيل استدامة نقل المعرفة إلى المؤسسات والخبراء المحليين، يجب على الجهود الدولية التي تعمل في مجال تقييم الأرصدة السمكية والأبحاث البحرية، أن تشمل تدريب أصحاب المصلحة المحليين مثل العلماء والصيادين والعاملين في مجال تجهيز الأسماك وموظفي وزارة الثروة السمكية.
  • منح المجالس المحلية المزيد من الصلاحيات التنفيذية مؤقتًا، لتؤدي مهام وزارة الثروة السمكية التي يتعذر عليها ممارستها بسبب الحرب. ستسمح هذه الصلاحيات التنفيذية للمجالس المحلية بالتدخل لوقف ممارسات الصيد الضارة والمخالفة، وتحديث وتطوير أساليب الصيد، وإلزام الصيادين بحيازة تراخيص عمل، بالتعاون مع خفر السواحل واتحاد صيادي الأسماك. يجب على المجالس المحلية أن تتمتع بصلاحيات لفحص معدات الصيد، وضمان التزامها بأفضل الممارسات الدولية، وتوافقها مع المعايير واللوائح التنظيمية ومنع استخدام معدات صيد ضارة ومخالفة.
  • تنمية وزارة الثروة السمكية، وتحسين مواردها البشرية وقدراتها التنظيمية. توظيف أشخاص مؤهلين ومتخصصين في وزارة الثروة السمكية وغيرها من الكيانات الحكومية التي تعمل في القطاع السمكي ضروري وملح من أجل ازدهار القطاع. لتحقيق هذا الهدف؛ يجب على وزارة الثروة السمكية أن تطور قدراتها لفرض مدونة سلوك تضمن أفضل الممارسات، وتحسن وضع مراكز استلام الأسماك ومصانع تجهيزها، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالقطاع. يجب على هذه القواعد التنظيمية أن تُطبق وفقاً لسياسات هادفة إلى دعم القطاع السمكي بشكل عام، وعلى وزارة الثروة السمكية أن تبذل جهدا كافيا لإيجاد سبل لمساعدة القطاع، مثل: دعم أسعار الوقود؛ وتأمين النقل؛ والخدمات اللوجستية؛ والإعفاء من الضرائب على الصادرات السمكية؛ وتسويق الإنتاج في المعارض الدولية. على سبيل المثال، من الضروري جداً أن تتعاون وزارة الثروة السمكية مع الجمعية اليمنية لمصدري الأسماك، لتدريب الموظفين الحكوميين في أقسام الوزارة المختلفة، خاصةً في مجال تحسين التواصل الرسمي مع الشركاء الدوليين، كالاتحاد الأوروبي، لتخفيف الحواجز التجارية أمام المصدرين اليمنيين.
  • تصميم وتنفيذ آليات الشراكة بين المنظمات الدولية والقطاعين العام والخاص، لتأهيل وتحسين البنية التحتيةستستثمر هذه الشراكات في تجديد المنشآت التي تملكها الدولة، مثل كواسر الأمواج والأرصفة البحرية، ومراكز الاستلام، ومرافق تخزين البارد، وبناء منشآت جديدة حسب الحاجة.
  • تصميم وتنفيذ آليات الشراكة بين المنظمات الدولية والقطاعين العام والخاص والصيادين الحرفيين ومجتمعات الصيد، لزيادة الإنتاج وتحسين جودة المصيد. بالنظر إلى قلة استخدام معدات صيد متطورة – والاستثمارات المطلوبة على مستويات عالية لتطوير تقنيات الصيد لتلائم المعايير الدولية – يجب أن يكون إدخال التكنولوجيا إلى القطاع السمكي هدفاً متوسط إلى بعيد الأجل، حيث يجب أن تركز الجهود في الوقت الحالي على تحسين فعالية الصيد التقليدي. ومن الممكن تحسين الصيد التقليدي عبر الشراكة بين الصيادين والقطاع الخاص لتأمين (تأجير) قوارب مجهزة بشكل أفضل للصيادين، تسمح لهم بقضاء وقت أطول في عرض البحر، والحفاظ على جودة الأسماك حتى وصولها إلى مراكز الاستلام. ويجب أن تركز هذه الشراكة ــ التي تشمل أصحاب مصلحة آخرين ــ على تحسين جودة وسعة قوارب ومعدات وطرق الصيد، وتوفير التدريب للصيادين على أساليب وممارسات الصيد المستدامة. وبهدف تطوير مستدام للقطاع السمكي، لا بد من نشر الوعي بين الصيادين الحرفيين حول تقنيات الصيد المستدامة والحاجة لحماية الموائل البحرية ودورة تكاثر الأسماك.
  • على وكالات الإغاثة الدولية، وتحديداً برنامج الأغذية العالمي، استكشاف طرق لدعم قطاع الأسماك في اليمن لتحسين الأمن الغذائي في البلاد. هناك عدة سبل لتحقيق هذا الهدف مثل دعم القطاع بشكل عام لزيادة الإنتاج، وتشمل الأسماك التي يتم اصطيادها محلياً ضمن المساعدات الغذائية التي يتم إيصالها إلى المستفيدين (مثلاً في علب غير قابلة للتلف).

الهوامش:

[1] “الاستراتيجية الوطنية لمصايد الأسماك (2012-2025)”، وزارة الثروة السمكية، 2012.

[2] المرجع نفسه.

[3] مقابلة مع مسؤول في وزارة الثروة السمكية.

[4] على الرغم من أن هناك نساء يعملن في هذا القطاع – وبحسب بعض الأدلة القولية بأن عددهن تزايد خلال النزاع الحالي – فإن الذكور يهيمنون على الصناعة والمهنة بشكل كبير.

[5] الفرح، عمار محمد، “تأثير الحرب في اليمن على الصيد الحرفي في البحر الأحمر”، مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد، 2018، http://eprints.lse.ac.uk/91022/، تم الاطلاع عليه في 13 فبراير / شباط 2020.

[6] “الاستراتيجية الوطنية لمصايد الأسماك (2012-2025)”، وزارة الثروة السمكية، 2012: “المزرعة الوحيدة التي تعمل في قطاع الاستزراع السمكي هي مزرعة “المسلم” التجارية التي تقع شمال الحديدة على ساحل البحر الأحمر. تضم المزرعة 50 هکتارا من أحواض الروبيان ويبلغ إنتاجها السنوي 400 طن (بشكل رئيسي الجمبري الهندي الأبيض والجمبري النمر العملاق).”

[7] مقابلة مع مسؤول في وزارة الثروة السمكية.

[8] الفرح، عمار محمد، مصدر سابق.

[9] المصدر نفسه.

[10] مقابلة مع مسؤول في وزارة الثروة السمكية.

[11] “الاستراتيجية الوطنية لمصايد الأسماك (2012-2025 مصدر سابق.

[12] الفرح، عمار محمد، مصدر سابق.

مارس 31, 2020

يلخص موجز السياسات هذا النقاشات المتعلقة برأس المال البشري في اليمن التي دارت في إطار ورشة عمل عقدتها مبادرة “إعادة تصور اقتصاد اليمن” في العاصمة الأردنية عمان، يومي 24 و25 أغسطس 2019. أجمع المشاركون في ورشة العمل على أن تراكم رأس المال البشري في اليمن قد تراجع بشكل مؤكد منذ بداية الصراع الحالي، ولكن البيانات الدقيقة لتقييم مدى وطبيعة هذا التراجع ضئيلة للغاية، ومن شأن ذلك أن يعقد التعامل مع هذه المشكلة.

في نفس الوقت يرى المشاركون أن العديد من العقبات التي تعرقل تحسين رأس المال البشري في اليمن هي نفسها تلك العقبات التي كانت قائمة قبل اندلاع النزاع الحالي. وبناء على ذلك، يوصي موجز السياسات هذا بما يلي:

تنفيذ مسح كامل على نطاق البلد؛ زيادة التمويل لمشاريع التنمية المتعلقة بالمساعدات الإنسانية الطارئة؛ تحقيق إصلاحات في قطاع التعليم؛ واستهداف القطاعات ذات العوائد المرتفعة. كما أجمع المشاركون على أهمية ألا ينتظر صانعو السياسات حتى ينتهي الصراع لتنفيذ هذه التوصيات، إذ أن الاستثمار في رأس المال البشري في اليمن الآن، وتحديداً في المناطق البعيدة عن جبهات القتال، يمكن أن يعجل سرعة الانتعاش الاقتصادي بعد انتهاء الصراع ويضع أسس التنمية المستدامة لاقتصاد ما بعد الحرب.

المقدمة

كجزء من مبادرة “إعادة تصور اقتصاد اليمن”، اجتمع عدد من الخبراء في مجالات التعليم والرعاية الصحية، والجهات الفاعلة في القطاع الخاص وموظفي الخدمة المدنية، إضافة إلى ممثلين عن رواد التنمية، في العاصمة الأردنية عمان، يومي 24 و25 أغسطس 2019، في ورشة عمل حول رأس المال البشري في اليمن.

يقدم موجز السياسات هذا بعض المؤشرات حول رأس المال البشري في اليمن قبل وأثناء الصراع الحالي، ويسلط الضوء على بعض العوائق التي تحول دون جمع البيانات اللازمة. كما يقدم توصيات لتعزيز رأس المال البشري في اليمن على الصعيد الكلي.

قيّم المشاركون تأثير النزاع الحالي على مكونات رأس المال البشري في اليمن – وهي أصلاً متدنية منذ ما قبل اندلاع الصراع كما يتضح من مؤشرات الصحة والتعليم والتوظيف المثيرة للقلق – وتبين أن هذه المكونات تندرج في صميم ما وصفته الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم.

أشار المشاركون في ورشة العمل إلى أن الصراع الحالي قد أدى على الأرجح إلى التراجع في تراكم رأس المال البشري في اليمن، ولكن نسبة كبيرة من هذا التراجع قد يعود إلى المشكلات الموجودة منذ ما قبل النزاع الجاري، فبدلاً من الاستثمار في رأس المال البشري، تبنت الحكومة وعلى مدى عقود، رؤية اقتصادية ضيقة تعتمد على واردات النفط في اليمن.

تناول النقاش القيود الهيكلية المتجذرة تاريخياً والتي أعاقت تنمية رأس المال البشري في اليمن وناقش المشاركون أفضل الطرق لتغيير هذا النهج الذي أعاق تطور القوى العاملة في اليمن على المدى القصير والمتوسط ​​والطويل. كما حاول المشاركون تحديد الفرص التي تشجع على التغيير بالرغم من الصراع المستمر، حيث يكون الهدف المثالي (والذي ليس من السهل تحقيقه) هو تحديد التدابير التي لا تؤمن الإغاثة الفورية وحسب ولكن تضمن رعاية عملية التنمية البشرية بعد انتهاء الصراع أيضا.

ارتفعت إمكانية استثمارات القطاع الخاص في رأس المال البشري في اليمن مقابل ضعف حكم الدولة منذ اندلاع النزاع الحالي. وما زالت الدولة تلعب الدور الرئيسي المتعلق بالرقابة وتشكيل السياسات، ولكن القطاع الخاص أصبح في وضع أقوى وأكثر مرونة ليساعد في تنفيذ سياسات معينة وُضعت لتعزيز تنمية رأس المال البشري في اليمن. وبناء عليه شدد المشاركون على الحاجة إلى المزيد من التنسيق بين القطاعين العام والخاص فيما يتعلق بنظام التعليم وتوفير المعرفة والمهارات التي من شأنها أن تهيئ اليمنيين بشكل أفضل لأسواق العمل المحلية والأجنبية، وأضافوا أنه بإمكان المانحين تقديم الدعم المالي والتقني من خلال التركيز أكثر على المساعدات الإنمائية، بدلاً من التركيز بشكل رئيسي على المساعدات الإنسانية الطارئة.

إن الاستثمار في رأس المال البشري في اليمن الآن – وتحديداً في المناطق التي تخلو من القتال وتلك غير الواقعة على الخطوط الأمامية – بدلاً من الانتظار حتى ينتهي هذا الصراع الشامل، من شأنه أن يُسرع التعافي الاقتصادي بعد النزاع.

كما أكد المشاركون على أهمية استهداف القطاعات التي لديها فرص للنمو لاستخدام الموارد البشرية في اليمن بطريقة أكثر فعالية، فمثلاً الاستثمار في شريحة الشباب الذين يتزايد عددهم بسرعة بالطريقة الصحيحة يمكن أن يثمر نتائج اجتماعية واقتصادية مثمرة. خلال النقاش، تم تحديد الأعمال الزراعية والخدمات والتعدين كقطاعات يمكن أن تستفيد من طفرة الموارد البشرية هذه.

تعريف رأس المال البشري

يصف البنك الدولي رأس المال البشري بأنه “يتألف من المعارف والمهارات والقدرات الصحية التي تتراكم لدى الأشخاص على مدار حياتهم بما يمكِّنهم من استغلال إمكاناتهم كأفراد منتجين في المجتمع.”[1] الرسم البياني التالي (الرسم 1. رأس المال البشري) يوضح المصادر المختلفة لرأس المال البشري ويظهر كيف أن الاستثمار فيه له فوائد فردية ومجتمعية.

يُنظر إلى النهوض برأس المال البشري الفردي، وبشكلٍ كبيرٍ، كعنصر رئيسي في الإنتاجية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.[2] يمكن للقطاعين (العام والخاص) لعب دور على صعيد الاستفادة من تراكم رأس المال البشري.[3]

 

الرسم 1. رأس المال البشري

  

المصدر: لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، مؤتمر الإحصائيين الأوروبيين، 2016

 

رأس المال البشري في اليمن قبل الصراع

أُعيق تراكم رأس المال البشري في اليمن بسبب العنف الدوري وعدم الاستقرار، وضعف الاستثمار من قبل القطاع الحكومي، بالإضافة إلى عوامل أخرى، وتشير مؤشرات الصحة والتغذية إلى أن رأس المال البشري في اليمن كان بالفعل ضعيفًا جداً قبل اندلاع وتفاقم الصراع الحالي.على سبيل المثال كان هناك عام 2009، 31.5٪ من المجموع الكلي للسكان – حوالي 7 ملايين شخص حينها – يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

في المسح الشامل للأمن الغذائي الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي (WFP) عام 2009، دعت المنظمة إلى “تدخلات عاجلة وجريئة وفورية لتجنب تدهور الوضع”. وبحلول عام 2011، كان 44.5٪ من المجموع الكلي للسكان – قرابة 11 مليون شخص – يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ما أدى إلى تدهور الوضع وارتفاع نسبة الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بنحو 60٪ مقارنة بعام 2009.[4] ووفقا لمؤشر الجوع العالمي (GHI)، فقد كان تصنيف اليمن “مثير للقلق”، وهو على هذه الحال منذ عام 1992، وذلك يعود لمستوى الجوع الذي يعاني منه نسبة كبيرة من السكان.

لقد تفاقم الواقع المقلق الذي عكسته مؤشرات التعليم والتوظيف الناتجة عن مسح القوى العاملة في اليمن (2013-2014) لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والجهاز المركزي للإحصاء (CSO).[5] وفقا لهذا المسح فإنه خلال مرحلة ما قبل الصراع الحالي، كانت غالبية القوى العاملة اليمنية من الذكور، إذ كان هناك 4.86 مليون في عداد القوى العاملة، معظمهم غير متعلمين وموظفين في القطاع غير الرسمي .[6] وكان هناك 23% من هذه القوى العاملة حاصلين على تعليم ثانوي، و8% فقط حاصلين على تعليم ما بعد المرحلة الثانوية.[7] كما أشار المشاركون في ورشة العمل أن نوعية التدريس والتعليم في اليمن لم تهيئ الطلاب بما فيه الكفاية للانخراط في سوق العمل وأوقفت نمو رأس المال البشري في البلاد، وأن هناك اعتمادا على تقنية التعلم عبر الحفظ (التعليم البنكي) بدلاً من تبني تقنية تعتمد على التفكير النقدي، وأن المناهج لا توفر تدريباً مهنيا كافيا ولا تحضر الطلاب بشكلٍ يلائم متطلبات سوق العمل. كما أدى النمو السكاني المتسارع في اليمن في ظل بيئة يعد الاستثمار الأجنبي المباشر فيها محدودا، والنمو الاقتصادي ضعيفا، إلى شحة فرص العمل أمام الشباب، وبالتالي ارتفعت معدلات البطالة والفقر.

من المنطقي أن يساعد السكان الشباب الذين يتزايد عددهم بسرعة، كما يحدث في اليمن، في تحفيز النمو الاقتصادي إذا كانت الظروف ملائمة وإذا توفر للباحثين عن العمل خيارات على صعيد المسارات المهنية التي تعزز التقدم القائم على الجدارة. ولكن في اليمن، يجد الشباب أنفسهم في سوق عمل ضعيف يعاني من نقص الفرص الاقتصادية والتنوع ومن المحسوبية والفساد. وقد فاقم هذا النقص في فرص العمل الذي يعاني منه الجيل الأصغر سناً من حالة الاستياء وعدم الاستقرار وانعدام الأمن، وبالتالي أدى إلى ازدياد المشاكل الاجتماعية والاقتصادية مثل زواج الأطفال وتجنيد الشباب في الجماعات المسلحة، وأصبحت هذه المشاكل ملحوظة أكثر خلال الصراع القائم.

الصراع الحالي وتراجع رأس المال البشري في اليمن

لقد خلفت الحرب في اليمن مساراً للدمار تمتد آثاره إلى ما هو أبعد من خطوط المواجهة وسيعاني منه المواطنون لسنوات بعد انتهاء الصراع، وأصبح من المستحيل في الوقت الراهن تحديد حجم الانعكاسات على رأس المال البشري، الذي لا يحظى بالتطوير في البلد. كما ترسم مؤشرات الصحة والتعليم والتوظيف صورة قاتمة عن الوضع، إذ من المحتمل أن يكون واقع رأس المال البشري قد أعيد سنوات للوراء إن لم يكن عقودا؛ وبالتالي من المهم محاولة مواجهة هذا الواقع عاجلاً وليس آجلاً.

هناك ما يقدر بنحو 24 مليون يمني – 80% من السكان – يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.[8] وبناء عليه، يمكن القول أن التدهور الاقتصادي في اليمن أثر على السكان بشكلٍ شامل أكثر من العنف المباشر نفسه، وهو أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الإنسانية المهولة،[9] كما أن انخفاض قيمة الريال اليمني وبالتالي انخفاض القوة الشرائية أديا إلى ارتفاع مستويات البطالة وارتفاع نسبة الفقر. كان لهذه الأزمات تأثير تراكمي أدى إلى صعوبات في تأمين الطعام أو الحصول على الأدوية أو تلقي الرعاية الصحية عند الحاجة.

في ذات السياق، عادت بعض الأمراض التي تهدد الحياة مثل الكوليرا للظهور والانتشار في مناطق عدة من اليمن، ومن الواضح أنه ليس من السهل مواجهة تفشي هذا المرض وسط غياب الخدمات الأساسية مثل جمع القمامة وإدارة النفايات ومعالجة المياه وتأمينها للسكان والحصول على الوقود وتوفير الكهرباء.[10] هذا بالإضافة إلى إضعاف نظام الرعاية الصحية في اليمن: قرابة نصف مرافق الرعاية الصحية العامة توقفت عن العمل خلال النزاع، ومعظم المنشآت التي لا تزال تعمل تعاني من نقص في الطاقم الطبي والمستلزمات الطبية وبالتالي تعمل بشكل جزئي فقط.[11]

فيما يخص نظام التعليم في اليمن، قالت اليونيسف في 25 سبتمبر / أيلول 2019، أنه لم يعد من الممكن استخدام مدرسة واحدة من كل خمس مدارس في اليمن كانت تعمل قبل مارس 2015 . ووفقًا لنفس البيان، يوجد حاليًا مليونا طفل يمني خارج المدرسة – حوالي نصف مليون منهم تسربوا من الدراسة بعد فترة وجيزة من مارس / آذار 2015.[12] ومع ارتفاع معدلات التسرب المدرسي، ارتفعت نسبة زواج الأطفال وتجنيد الأطفال.

تساعد هذه المؤشرات المقلقة في فهم انعكاسات النزاع على رأس المال البشري في اليمن، وإن كانت الإحصاءات المتوفرة لا تروي القصة الكاملة، ولا سيما خلال الحرب، حتى حين تكون الإحصاءات دقيقة، فإن جمع البيانات على نطاق واسع والتحقق منها حاليا يعتبر أمرا مستحيلا تقريبًا، فآخر إحصاء وطني للسكان والمساكن والمنشآت أجراه الجهاز المركزي للإحصاء، وهو هيئة حكومية يمنية، كان عام 2004. ومنذ ذلك الحين، فإن البيانات التي جمعتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات غير الحكومية المحلية كانت معظمها محدودة على صعيد النطاق الجغرافي ومن حيث حجم العينة. وبالتالي، الافتراض بشكل عام هو أن الوضع الإنساني والتنموي في اليمن أكثر قتامة مما يتم الإعلان عنه.

ونظراً إلى حدة الأزمة الإنسانية في اليمن، فإن تركيز وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة على توفير الإغاثة الطارئة أمر مفهوم. ولكن، على المجتمع الدولي توفير المزيد من المساعدات الإنمائية، بدلا عن التركيز بشكل ضيق للغاية على تأمين المساعدات الإنسانية الطارئة، فاليمن لا يجب أن يكون “شعب من المتسولين” عبر انتظار سلال الغذاء الدولية.

تمثل هذه السلال ملايين الدولارات من المساعدات التي “تؤكل” حرفيًا، وتخلق إرباكا في السوق المحلية وتؤثر على القطاع الخاص القائم من دون إفادة المجتمع بشكلٍ دائم، ومن الأهمية بمكان إجراء دراسات دقيقة حول أين يجب أن تؤمن المساعدة الإنمائية على المستوى المحلي من أجل توفير حلول مستدامة يستطيع اليمن أن يستفيد منها بعد النزاع الحالي.

التوصيات

على المدى القصير:

الاستفادة من النافذة الديموغرافية القادمة في اليمن

بهدف تغيير النهج غير المستدام على صعيد الاستجابة للأزمة في اليمن، يترتب على الحكومة صياغة رؤية واستراتيجية لرأس المال البشري وتطوير سياسات وطنية وقطاعية للسنوات العشر المقبلة، وخاصة في القطاعات الاقتصادية الحيوية التي من شأنها أن تعجل نمو رأس المال البشري. ويجب على هذه الرؤية أن تغتنم فرصة ثمينة تتعلق برأس المال البشري في اليمن تتمثل النافذة الديموغرافية القادمة والمنسية. وفقًا لتقديرات خبراء التنمية، من المتوقع أن تدخل اليمن النافذة الديموغرافية حوالي عام 2030، نتيجة للتحولات التي سيشهدها الهيكل العمري للسكان، حيث ستكون نسبة السكان الذين هم في سن العمل – في حالة اليمن، من المفترض أن يكون هذا السن بين 16 عامًا و59 عامًا – وهي شريحة كبيرة مقارنة بالسكان الذين هم خارج سن العمل.

بناءً على تحليلنا،[13] سيستمر عدد السكان الذين هم في سن العمل بالارتفاع بشكلٍ بطيء وثابت وسيشكلون حوالي نصف السكان بحلول عام 2050. تنامي عدد السكان الذين هم في سن العمل يعد إما بعائد ديمغرافي أو بعصر آخر من الاضطرابات في اليمن، إذا لم تحصل هذه الفئة على تعليم ذي جودة، ولم يجد أفرادها فرص عمل جيدة وفرصا عادلة لتحقيق ازدهار اقتصادي.

عام 2015، قدّر عدد الذكور الذين هم في سن العمل ب 7.5 مليون، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2050، ليتجاوز 15 مليونا. ستستمر حتماً مشاكل التطرف الديني والتعصب والحروب الأهلية ومعضلة القات – وهذه بعض الأمثلة فقط للمشاكل التي هي من صنع الرجل والموجودة منذ فترة طويلة – ، إلا إذا كانت هناك تدابير سياسية فعالة وتدخلات من طرف الحكومة لمنع تفاقم تأثيرها.

تمكين الجهاز المركزي للإحصاء (CSO) من إجراء المسوحات الميدانية

إذا قامت الأطراف المتحاربة الرئيسية بإعطاء الجهاز المركزي للإحصاء مساحة أكبر للتحرك من دون أي تدخل سياسي، سيكون الجهاز في وضع أقوى بكثير لتقييم تأثير النزاع بشكل أفضل. ومن الممكن بعد ذلك مشاركة هذه المعلومات مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة لتعميق فهمهم، وللمساعدة في صنع السياسات والقرارات المتعلقة باليمن. هذه المعلومات قد تساعد أيضاً في وضع برامج أكثر فعالية للمساعدات الإنسانية والتنموية وتنفيذها على الأرض، وتستطيع أن ترشد الجهود المبذولة لحماية رأس المال البشري في اليمن والاستثمار فيه بالرغم من استمرار النزاع.

على الأطراف المتحاربة أن تضع الشروط والأحكام لإطار عمل متفق عليه بشكل متبادل ويمكّن الجهاز المركزي للإحصاء من إجراء مسح ميداني شامل يمتد إلى أكبر مساحة ممكنة من اليمن. ينبغي على هذا المسح الميداني أن يحدد عددًا من المؤشرات السكانية التي من الممكن أن تساعد في تعميق مستوى الفهم لتأثير الصراع الحالي على رأس المال البشري. وعلى المسح أيضاً أن يهدف إلى تقييم: (أ) المؤشرات السكانية المحلية التي تفسر لاحقًا حركة السكان والتهجير أثناء النزاع؛ (ب) مؤشرات الصحة والتعليم وتحديد عدد المرافق الصحية والتعليمية التي لا تزال تعمل، وتقييم مدى قدرة وصول السكان إليها؛ (ج) مؤشرات التوظيف للقطاعين العام والخاص.

على الأطراف المتحاربة الرئيسية أن تتفق على النطاق والمنهجية والميزانية التشغيلية لتمكين الجهاز المركزي للإحصاء من إجراء المسح الميداني، وتطوير إطار عمل متفق عليه بشكل متبادل ويستطيع الجهاز المركزي للإحصاء تنفيذه، سيحتاج على الأرجح إلى التوافق على ما يلي:

  • تحديد المناطق التي يمكن أن يعمل فيها الجهاز المركزي للإحصاء، والمناطق التي لا يمكنه العمل فيها؛
  • تحديد حجم العينة على أساس الميزانية المخصصة للمسح الميداني (في حال عدم توفير موازنة لتنفيذ مسح شامل)؛
  • تحديد العينة داخل كل محافظة بما يتناسب مع عدد السكان المقدر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأرقام الناتجة عن تعداد العام 2004 قد لا تكون دقيقة فيما يخص بعض المحافظات؛[14]
  • التأكد من ذكر الاختلافات بين المناطق الحضرية والريفية، فغالبية سكان اليمن يقيمون في المناطق الريفية، ولكن هناك مؤشرات توحي بتحولٍ مستمر، ويبدو أن هذا يعود إلى عدد من العوامل المرتبطة بالصراع كالتهجير والبحث عن فرص العمل، حيث ساهم كلاهما في نمو سكاني سريع في محافظة مأرب على سبيل المثال.

على المانحين الدوليين الاستثمار أكثر في التنمية

يركز المانحون الدوليون الآن على تمويل المشاريع التي تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في اليمن. ولكن يمكن القيام بالمزيد، وعلى المانحين الدوليين التشاور مع الجهات الفاعلة في القطاعين العام والخاص بهدف تقييم جدوى إدخال عدد متزايد من مشاريع التنمية على المستوى المحلي.

يمكن فهم القلق المتزايد للمانحين الدوليين، بالنسبة لضرورة مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة للتخفيف من الآثار السلبية للأزمة الإنسانية في اليمن، ولكن على المانحين الدوليين أن يعملوا لدمج جهود الإغاثة الإنسانية الطارئة مع المساعدات الإنمائية، فهذا سيساهم في تمكين الجهات المحلية الفاعلة ويؤدي إلى الاستمرار في الاستفادة من هذه الجهود حتى بعد الصراع الحالي. وما يجب أيضاً النظر فيه هو الدمج بين الإغاثة الإنسانية والاستثمار في رأس المال البشري عن طريق توفير وجبات مدرسية في عموم البلاد.

على الجهات الدولية المانحة أيضًا أن تجري تقييماً شاملاً لتحديد المناطق التي يجب استهدافها وأنواع الدعم التقني والمالي الذي يجب تقديمه لها. كما أن على هذا التقييم أن يتجاوز المواضيع المعتادة أو الضيقة التي تندرج معاناة اليمنيين تحتها ويطور إطار عمل مبتكر وبعيد النظر على مستوى التنمية البشرية ويتجاوز النزاع المستمر. ويجب على التقييم أن يركز أكثر على التنمية البشرية على المدى الطويل من خلال تدابير السياسات العامة التي تشجع المعرفة والابتكار وريادة الأعمال، وتضمن توفير الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية.

على الجهات الدولية المانحة أيضًا أن تنسق جهودها مع المؤسسات المحلية مثل الجهاز المركزي للإحصاء (إذا منحته الأطراف المتحاربة حرية أكثر للتحرك وفقًا للتوصيات المذكورة أعلاه) ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، والجهات الفاعلة في القطاعين الخاص والعام. فمثلاً، بدلاً من عمليات التوصيل لمياه الشرب النظيفة إلى المناطق التي تعاني حاليًا من مشكلة الحصول على هذه السلعة الأساسية، يمكن للمانحين الدوليين أن يخططوا للعمل مع الجهات المحلية الفاعلة في القطاع الخاص (كشركات البناء) لبناء منشأة لمعالجة المياه وتعبئتها، فمشروع كهذا سيساعد على توظيف أفراد من السكان المحليين في أعمال البناء، وعلى تدريب آخرين، أيضاً من السكان المحليين، على العمل في المنشأة عند الانتهاء من بنائها. وطبعاً يمكن أن يستمر توفير المساعدة الطارئة أثناء بناء المنشأة.

على المدى المتوسط وطويل الأجل:

الإصلاحات التعليمية

على مستوى أبعد من النزاع الحالي، يتوجب على السلطات الحاكمة الوطنية والمحلية – وتحديداً وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني – القيام بإصلاحات تعليمية بالتنسيق مع الجهات الفاعلة في القطاع الخاص.  إحدى الوسائل التي تساعد في تحقيق هذه الإصلاحات هي الشراكات الرسمية بين المؤسسات التعليمية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص والتي تشمل تمثيل منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ذات العلاقة.

يجب أن تستند أي استراتيجية لإصلاح التعليم في اليمن إلى مبدأ تحسين الصلة بين النظام التعليمي وسوق العمل في البلاد. ومن الضروري أيضاً أخذ النوع الاجتماعي بعين الاعتبار للتأكد من حصول المرأة على التعليم بقدر يسمح لها بمشاركة أفضل في القوى العاملة ضمن القطاعين العام والخاص.

ويجب على محاولات الإصلاح التعليمي أخذ المهارات المطلوبة للقطاعات المختلفة بعين الاعتبار. وعليها أيضاً أخذ الجهات الفاعلة المعنية في القطاعين العام والخاص ومهام كل منها بعين الاعتبار (كتوفير التدريب التقني)، حيث أن جعل التعليم والتدريب المهني في المدارس والثانويات والكليات والجامعات موجهًا نحو سوق العمل سيهيئ المواطنين اليمنيين بشكلٍ أفضل للانخراط في قطاعات معينة من أسواق العمل المحلية والأجنبية.

الاستثمار في القطاعات ذات العوائد المرتفعة

هناك عدد من القطاعات الممكن استهدافها لتحسين رأس المال البشري وتطوير التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي والاستفادة من إمكانات الصناعات المنتجة وخلق فرص عمل جديدة، (انظر موجز السياسات من سلسلة “إعادة تصور اقتصاد اليمن” بعنوان “خلق فرص عمل جديدة” ، نشر في أكتوبر / تشرين الأول 2018.)،[15] فالأولوية يجب أن تكون لقطاعي صيد الأسماك والزراعة، باعتبار أن أكثرية السكان الذين هم في سن العمل يقيمون في المناطق الريفية ومعظمهم يعملون في هذين القطاعين، ويجب إيلاء المزيد من الاهتمام لقطاعات الخدمات والتعدين والمعادن، فكل هذه القطاعات لديها إمكانات عظيمة غير مستغلة نسبيًا.

ولتحقيق نتائج أفضل، يجب العمل على تشجيع توظيف اليمنيين في قطاع الخدمات في الدول المجاورة، مثل توظيفهم في مراكز الاتصالات (call centers). فعلى الأرجح سيكون الاقتصاد اليمني غير قادر على استيعاب جميع القوى العاملة اليمنية. وبالتالي تصدير القوى العاملة اليمنية – وتدريب الأفراد على العمل في قطاعات معينة في الخارج – يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية رأس المال البشري الشاملة للمستقبل.

الحواشي:

[1] البنك الدولي، https://www.worldbank.org/en/publication/human-capital/brief/about-hcp، اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019.

[2] مجموعة البنك الدولي، “مشروع رأس المال البشري” (واشنطن: البنك الدولي، 2018)، https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/30498/33252.pdf?sequence=5&isAllowed=y، اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019.

[3] بييترو كاليس، “كيف يمكن للتعمق المالي أن يساهم في تنمية رأس المال البشري”، تنمية القطاع الخاص، مدونات البنك الدولي، 30 أبريل 2019، https://blogs.worldbank.org/psd/how-financial-deepening-can-contribute-human-capital-development، اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019.

[4] برنامج الأغذية العالمي (WFP). “مسح شامل للأمن الغذائي 2012: حالة الأمن الغذائي والتغذية في اليمن”. 2012 http://documents.wfp.org/stellent/groups/public/documents/ena/wfp247832.pdf?_ga=1.262912651.687705134.1486911247

[5] منظمة العمل الدولية (ILO)، “مسح القوى العاملة في اليمن 2013-2014،” (بيروت: منظمة العمل الدولية، 2015)، 7، https://www.ilo.org/wcmsp5/groups/public/—arabstates/—ro-beirut/documents/publication/wcms_419016.pdf. اطلع عليه بتاريخ 12 أكتوبر / تشرين أول 2019; البنك الدولي، “جمهورية اليمن: إطلاق العنان لإمكانات النمو الاقتصاد”، تقرير رقم 102151-YE (واشنطن: البنك الدولي، 2016)، xi؛ https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/23660/Yemen00Republi00for0economic0growth.pdf. خلق فرص عمل جديدة في اليمن، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 17 أكتوبر / تشرين أول 2018، https://www.devchampions.org/ar/publications/policy-brief/Generating-new-employment-opportunities.  اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين أول 2019

[6] منظمة العمل الدولية، سوق العمل اليمني، 7.

[7] المصدر السابق.

[8] “حول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن”،  https://www.unocha.org/yemen/about-ocha-yemen. اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين أول 2019.

[9] خلق فرص عمل جديدة في اليمن، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 17 أكتوبر / تشرين أول 2018، https://www.devchampions.org/ar/publications/policy-brief/Generating-new-employment-opportunities. اطلع عليه بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين ثاني 2019.

[10] “وضع الكوليرا في اليمن”، منظمة الصحة العالمية (WHO)، نوفمبر/ تشرين ثاني 2018، applications.emro.who.int/docs/EMROPub_2018_EN_20770.pdf?ua=1. اطلع عليه بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين ثاني 2019

[11] منظمة الصحة العالمية تعزز الوصول للرعاية الصحية الأساسية عبر حزمة الحد الأدنى من الخدمات، 17 ديسمبر / كانون أول 2018. http://www.emro.who.int/ar/2018-arabic/who-enhances-access-to-basic-healthcare-through-minimum-service-package.html. اطلع عليه بتاريخ 15 نوفمبر / تشرين ثاني 2019.

[12] مع بدء العام الدراسي في اليمن، مليوني طفل خارج المدراس و3,7 مليون طفل آخر معرضون لخطر التسرب، يونيسف، 25 سبتمبر / أيلول 2019، https://www.unicef.org/ar/%D9%85%D8%B9-%D8%A8%D8%AF%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%8C-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A-%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D9%88%D9%8E-37-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6%D9%88%D9%86/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9.  اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر / تشرين أول 2019.

[13] يستند هذا التحليل إلى التقديرات والتوقعات السكانية الرسمية للأمم المتحدة (الأمم المتحدة، إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية (DESA)، شعبة السكان، “التوقعات السكانية في العالم” http://esa.un.org/unpd/wpp/DVD/.

[14] على سبيل المثال، تشير معلومات الإحصاء الرسمي للسكان في المهرة من مسح عام 2004 إلى أنها أقل بكثير من العدد الفعلي للسكان.

[15] خلق فرص عمل جديدة، مشروع إعادة تصور اقتصاد اليمن.

يناير 16, 2020

ملخص تنفيذي

لم يكن تفاقم سوء هيكلة المالية العامة في اليمن وليد النزاع الجاري، فقد عانت اليمن، حتى قبل النزاع الجاري، من الاعتماد بصورة مفرطة على صادرات الطاقة، وتعد أحد الدول الادنى معدلات جباية للضرائب في العالم، كما تعاني الموازنة العامة وميزان المدفوعات من عجز مزمن. لجأت الحكومة اليمنية إلى سد العجز التشغيلي المترسخ عن طريق استخدام أدوات الدين المحلية لسحب الاستثمارات من القطاع الخاص، الاقتراض من البنك المركزي، أو الاقتراض من الخارج. في المقابل هيمنت النفقات الجارية (أو الثابتة) على هيكل الإنفاق الحكومي مقارنة بالموازنة الاستثمارية والرأسمالية، بما يعكس الإسهام الضعيف للدولة في عملية التنمية خلال العقود الماضية.

أدى احتدام النزاع عام 2015 إلى تجميد صادرات الطاقة والمنح الخارجية، مع هبوط حاد في الموارد الضريبية في ظل الانهيار الشامل للاقتصاد والدولة. ونتيجة لذلك ارتفع الدين العام، فيما تجزأت مؤسسات الدولة بين أطراف الصراع المختلفة وتعثرت عملية جباية الموارد العامة، وكذلك الأمر بالنسبة للسياسات المالية والنقدية.

اجتمع عدد من أبرز الخبراء الاجتماعيين والاقتصاديين اليمنيين في العاصمة الأردنية عمان خلال الفترة 27-29 أبريل / نيسان 2019، في إطار منتدى رواد التنمية الخامس الذي يعد جزءا من مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن. وقد أثمرت نقاشات المشاركين المعمقة حول التحديات بشأن إعادة هيكلة المالية العامة في اليمن عن عدد من التوصيات للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. تتضمن هذه التوصيات ما يلي:

  • إعادة تصدير منتجات الطاقة على نطاق أوسع بأقرب وقت ممكن.
  • اتخاذ خطوات جادة نحو تنويع مصادر الموارد العامة بعيداً عن صادرات الطاقة.
  • تحسين فعالية وكفاءة النظام الضريبي والجمركي اليمني. توجد عدد من الوسائل لتحقيق ذلك منها:
    • فتح قنوات حوار مع القادة المحليين في سبيل إنشاء علاقة جديدة بين الحكومة المركزية والمحافظات.
    • توفير التدريب والموارد لتحسين قدرات جباية الضرائب المحلية.
    • تطبيق آليات شفافية ومساءلة جديدة وفعالة.
  • تطوير آليات لتحسين الشفافية والمساءلة في سياق النفقات الحكومية.
  • إصلاح الخدمات العامة.
  • السعي نحو إعادة توحيد مؤسسات الدولة.

 

خلفية عن الهيكلة المالية العامة في اليمن

قبل النزاع

الموارد العامة للدولة

عانت اليمن لعقود من بنية مالية ركيكة في ظل الاعتماد المفرط على صادرات الطاقة، ففي سبتمبر / أيلول 2014، قبل أن تنتزع جماعة الحوثيين المسلحة بدعم من الرئيس السابق علي عبد الله صالح، السيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء، كانت عائدات قطاع النفط تشكل 25% من الناتج المحلي الإجمالي و65% من الموازنة العامة.[1] صحيحٌ أن الحكومة حاولت في مرحلة ما قبل الصراع الجاري أن تقوم بتنويع الاقتصاد من خلال تبني برامج إصلاحية هدفت إلى دعم القطاعات غير النفطية والاستثمارات الأجنبية، إلا أن هذه المحاولات لم تستطيع زحزحة هيكلية المالية العامة من الاعتماد على النفط سوى بنسب زهيدة.[2]

تعد اليمن واحدة من أقل الدول جباية للضرائب في العالم، فقد كانت الإيرادات الضريبية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 9% قبل الحرب، مقارنة بالمعدل العالمي الذي يقدر بـ17.7% في الدول النامية ذات الاقتصادات القريبة من حجم الاقتصاد اليمني.[3] سعت الدولة على مر السنوات لتبني إصلاحات تهدف إلى زيادة الإيرادات الضريبية كنسبة من مجموع الإيرادات العامة، ولكن هذه النسبة ظلت دون ال30% في الفترة 2010-2015 وفقاً لمؤشرات المالية العامة.[4]

في المقابل، شكلت المنح والمعونات الخارجية ما نسبته 14.4% من إجمالي الموارد العامة للموازنة في الفترة 2012-2014.[5]

 الإنفاق الحكومي

ساهم القطاع الحكومي في اليمن بما نسبته 45% من الناتج المحلي الإجمالي قبل النزاع القائم، فيما هيمنت النفقات الجارية (أو المتكررة) على الإنفاق الحكومي.[6] وتضم النفقات الجارية رواتب القطاع الحكومي، ونفقات السلع والخدمات والصيانة، أعباء الدين العام، ودعم الوقود الذي شكل ما نسبته 23% من الموازنة العامة في الفترة 2010-2014،[7] وخلال تلك الفترة مثلت النفقات الجارية أكثر من 85% من النفقات الحكومية بينما لم تتجاوز النفقات الاستثمارية والرأسمالية كنسبة من اجمالي الانفاق العام الحكومي 13%.[8]

لا شك أن هذه المعدلات غير المتوازنة التي تقدم الإنفاق الجاري على الإنفاق الاستثماري والرأسمالي هي مؤشر قوي على هشاشة الجهود الحكومية في دعم جوانب التنمية قبل النزاع.[9] ومن شبه المؤكد انه لن تتحقق تنمية اقتصادية مستدامة في سيناريوهات ما بعد النزاع ما لم تخصص نسب أعلى من الإنفاق الحكومي العام على الإنفاق الاستثماري والرأسمالي.

كانت الحكومة أيضاً قبل النزاع القائم توظف ما يقارب 31% من القوى العاملة المحلية.[10] وفي الفترة 2010-2014، أنفقت الموازنة العامة ما نسبته 42% تقريباً من الإيرادات الحكومية لسداد رواتب ما يقارب 1.25 مليون موظف مدني وعسكري، اي بما يعادل 75 مليار ريال يمني، أو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.[11] وفي المقابل تم دفع نفقات الرعاية الاجتماعية المدعومة من الموازنة العامة بشكل ربع سنوي الى 1.5 مليون يمني من ذوي الدخل الأدنى وصلت قيمتها إلى 23 مليار ريال يمني.[12]

 عجز ميزانية مترسخ

كان عجز الموازنة العامة حاضراً بصورة مستمرة، وقد ارتفع من 266 مليار ريال يمني عام 2010 إلى 908 مليار ريال يمني عام 2015.[13] وقدر معدل نمو الدين العام بنسبة 13.5% في الفترة 2010-2014، ومن ثم قفز حجم الدين العام بشكل كبير من 4.74 تريليون ريال يمني (ما يعادل 22 مليار دولار) عام 2014 إلى 5.56 تريليون ريال يمني (ما يعادل 25 مليار دولار) عام 2015.[14]

لجأت الحكومة إلى ادوات الدين المحلية لسد الفجوة التمويلية في الموازنة التشغيلية المتصاعدة، مثل السندات وأذون الخزانة الحكومية، والاقتراض من البنك المركزي اليمني، والقروض الخارجية. وبالنظر إلى معدلات العوائد العالية نسبياً لصكوك الدين المحلية،[15] فقد جذبت سياسات التوسع الحكومية في الاقتراض معظم استثمارات البنوك التجارية، والتي كان يمكن أن تذهب إلى تنمية القطاع الخاص.

أثر النزاع على هيكلية المالية العامة

قامت الحكومة اليمنية في أغسطس / آب 2014، تحت ضغط من صندوق النقد الدولي خلال التفاوض على قرض بقيمة 560 مليون ريال، بإصدار مرسوم بإلغاء برنامج دعم الوقود الحكومي. ومع أن هذا البرنامج كان أحد أكبر وجوه الإنفاق التي تتحملها الحكومة، إلا أن هذا القرار كان ثمرة تخطيط سيء، حيث فشلت الحكومة في الموازنة بين الاحتياجات المالية والآثار الاجتماعية: قفزت أسعار الوقود بصورة مباشرة ولم يرَ الشعب أي شيء من الخطط المقترحة لإعادة توزيع واستثمار مدخرات العوائد الموعودة. وقد أججت هذه الإجراءات، نتيجة لذلك، غضب الشارع إلى درجة كبيرة ومهدت الطريق لجماعة الحوثيين المسلحة لأن تطلق حملة انتقاد حاد للحكومة كجزء من أجندتها الشعبوية، تلاها قيام الجماعة بالاستيلاء المسلح على العاصمة في الشهر التالي. وقد انخفضت العوائد الحكومية منذ ذلك الحين بصورة مستمرة، ففي عام 2014، هبطت صادرات الطاقة في اليمن بنسبة 77% لتصل إلى 1.35 مليار دولار مقارنة بـ 5.76 مليار دولار هو معدل الصادرات في الفترة 2004-2013 ولم يشهد هذا القطاع أي تحسن منذ ذلك الوقت.[16]

احتدم النزاع عام 2015، وتم تجميد صادرات الطاقة بصورة كاملة في أبريل / نيسان 2015، وهو ما كان يمثل النسبة الأكبر من واردات اليمن والموارد العامة للدولة في السنوات السابقة، حيث شكلت صادرات الطاقة أكثر من 90% من الصادرات الكلية لليمن في الفترة 2011-2013، وكانت تسهم بما نسبته 40% من إجمالي الموارد العامة دون حساب الإيرادات المحصلة من المنح.[17] [18]

تم أيضاً تجميد المنح والمساعدات الخارجية التي كانت قناة دعم هامة ما بعد 2011، وسرعت الحرب أيضاً عجلة الانهيار العام الذي شمل الاقتصاد والدولة، وقاد ذلك الى تدهور في ايرادات الضرائب. قدرت نسبة الموارد العامة للدولة (أي إجمالي الموارد العامة الحكومية/الناتج المحلي الإجمالي) بـ 24% قبل اندلاع النزاع، وانخفضت هذه النسبة إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2018.[19]

أدى انهيار الموارد العامة في موازنة الدولة إلى انخفاض في الإنفاق العام الحكومي وصل إلى 36% بين 2014 و2016.[20] واشتمل ذلك، في عام 2015، على تجميد برامج الضمان الاجتماعي التي كان يستفيد منها 1.5 مليون من الأسر أكثر فقرا في البلاد. ساهم التجميد الكامل للنفقات المخصصة لمشاريع التنمية وتقليص تكاليف النفقات التشغيلية للخدمات العامة مثل التعليم والصحة والماء في استفحال الأزمة الإنسانية، وأدت أزمة السيولة المتعاظمة إلى تجميد رواتب مئات الآلاف من العاملين في القطاع الحكومي في أغسطس / آب 2016.

يقدر البنك الدولي أيضاً أن نسبة الدين العام قد قفزت إلى 75% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2017،[21] وقدر العجز الحكومي لعام 2018 لاحقاً بـ 600 مليار ريال يمني، حيث تم تمويله بصورة شبه كاملة عبر الاقتراض من البنك المركزي،[22] وتم صرف 60% من هذا التمويل لسداد رواتب القطاع العام، و17% نفقات تشغيلية، و14% منافع اجتماعية، وما تبقى تم استخدامه في تمويل أصول أعباء الدين العام المحلي.[23]

وفيما يتعلق بمؤشرات الاقتصاد الكلي، فقد هبط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي اليمني من 3.3% عام 2010 إلى -30.3% عام 2015، واستقر المعدل عند -10.9% عام 2017،[24] وتقدر الخسائر التراكمية التي تكبدها الناتج المحلي الإجمالي بـ 47% خلال السنوات الثلاث التي تلت اندلاع الحرب.[25]

مالية عامة متصدعة وواقع اقتصادي مجزأ محلياً

في سبتمبر / أيلول 2016، نقلت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بصفة رسمية البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، وهو ما خلق فعلياً سلطتين خاضعتين للاستقطاب والضغط بين طرفي الصراع في صنعاء وعدن.[26] وذلك يعني أنه لم يعد هناك جهة موحدة تقوم بجمع الموارد الحكومية، أو ادارة السياسات المالية والنقدية. أدت تجزئة المؤسسات المالية الرسمية في اليمن إلى صعود وازدهار السوق السوداء الذي سحب مبالغ مالية هائلة من الاقتصاد الرسمي.

في ظل ذلك تباينت الظروف الاقتصادية تبايناً شاسعاً بين المحافظات اليمنية المختلفة، وبرزت أيضاً مستويات مختلفة من توفر الخدمات نتيجة للنزاع، فعلى سبيل المثال، تحصل المحافظات المنتجة للنفط كمأرب وحضرموت وشبوة على 20% أو أكثر من عائدات بيع تلك الموارد، فيما تفتقر العديد من المحافظات الأخرى والمؤسسات العامة تحت سيطرة الحوثيين إلى التمويل لتغطية أبسط التكاليف التشغيلية. كما أن السلطات الحوثية تقوم بتحويل بعض موارد الدولة المتاحة لتمويل عملياتها الحربية.

عجز ميزان المدفوعات

عانى ميزان المدفوعات اليمنية لعقود طويلة من عجز في الحساب الجاري، فقد كانت صادرات النفط قبل النزاع تشكل ما يقارب 83% من اجمالي صادرات السلع، أما عائدات النفط فقد مثلت 65% من تدفق النقد الأجنبي إلى اليمن حينها،[27] وفي نفس الوقت استوردت اليمن قبل النزاع ما يقارب 90% من الغذاء من الخارج، إضافة إلى احتياجاتها من الوقود وغير ذلك من المنتجات التجارية.

شهد النزاع منذ بداياته عوامل جديدة مختلفة كان منها ما أثقل كاهل ميزان المدفوعات في اليمن، ومنها ما دعمها.

كان توقف صادرات الطاقة عام 2015 يعني خسارة عائدات النفط، وقد اضطر البنك المركزي نتيجة ذلك إلى استهلاك احتياطاته من العملة الأجنبية لدعم واردات السلع الأساسية، وهو ما أدى إلى تراجع تلك الاحتياطات من 5.23 مليار دولار أمريكي بداية 2014 إلى أقل من مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2016.[28] ويُضاف إلى ذلك أن 27 جهة دولية مانحة تعهدت بتقديم المساعدات إلى اليمن بين سبتمبر / أيلول 2012 و مارس / آذار 2015، حيث تجاوز حجم التعهدات المفترض ضخها 10 مليار دولار، ولكن لم يتم توريد سوى 44% من هذه التعهدات في نهاية المطاف. وفاقم فقدان عائدات النفط العجز في ميزان المدفوعات، مع وصول العجز في الحساب الجاري إلى 9% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018.[29]

كما أن السياسات التوسعية التي عمل بها البنك المركزي في اليمن بطبع أوراق نقدية جديدة لسداد القروض الحكومية قد ساعدت على تسريع عجلة تدهور قيمة الريال اليمني بين 2016 و2018،[30] وهو ما أدى بدوره إلى زيادة مضطردة في معدلات التضخم[31] وارتفاع معدلات الفقر،[32] إلا أن هذه العوامل قد أدت إلى تخفيض طلب المستهلك مع انخفاض قيمة واردات السلع بنسبة 46% بين 2014 و2017، أي من 12.3 مليار دولار أمريكي إلى 6.6 مليار دولار أمريكي.[33]

تم ضخ ما قيمته 2 مليار دولار أمريكي في حساب البنك المركزي بعدن بموجب الاتفاقية التي وقعتها اليمن والسعودية يوم 15 مارس / آذار 2018، إضافة إلى معونات سعودية بقيمة 200 مليون دولار أمريكي ومنح نفط. وقد أدى هذا الدعم إلى استقرار ملموس في قيمة الريال اليمني بتحسن قيمة صرف الريال اليمني ووصولها إلى 500 ريال يمني للدولار نهاية 2018 بدلا عن 800 ريال يمني للدولار الواحد في أكتوبر / تشرين الأول من نفس العام.[34]

وكانت الحوالات المالية التي يرسلها اليمنيون العاملون في الخارج خلال النزاع، التي قدرت بـ 3.4 مليار دولار عام 2017 بعد وصولها إلى قيمة قياسية قدرت بـ3.7 مليار دولار في العام السابق،[35] المصدر الأهم لتدفق النقد الأجنبي إلى البلاد خلال النزاع، ويُضاف إلى ذلك تعهد الجهات المانحة بدعم خطة اليمن الإنسانية التي قدرتها الأمم المتحدة بـ2.6 مليار دولار أمريكي لعام 2019. ساهم هذان العاملان بتخفيض عجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات.

التوصيات

إن إعادة هيكلة الموازنة العامة للدولة مشروع طويل الأمد، لا يمكن تنفيذه مع استمرار النزاع، ولكن يبقى هناك بعض التدابير القصيرة الأمد التي يمكن البدء بها، بحيث يتم إتباعها لاحقاً بخطوات متوسطة وطويلة المدى وحسب ما تسمح به الظروف. وفي هذا السياق، قدم رواد التنمية التوصيات التالية في سبيل إعادة هيكلة منظومة المالية العامة في اليمن إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والجهات الدولية الداعمة:

  • إعادة تصدير منتجات الطاقة على نطاق أوسع بأقرب وقت ممكن. إن الحكومة اليمنية في حاجة ملحة إلى العوائد لتغطية العجز الكبير في موازنتها العامة، ويبقى مخزون اليمن من النفط والغاز هو الخيار الأكثر واقعية لخلق عوائد كافية على المدى القصير لإرساء أسس استقرار الهيكلية المالية الحكومية وتوفير الخدمات العامة على نطاق أوسع وإنعاش مخزون البلاد من العملة الأجنبية. ويجب، بناء على ذلك، تطوير استراتيجية فعالة لتشجيع شركات النفط على العودة إلى العمل في اليمن. ستحقق عملية تقليص عجز الموازنة العامة من خلال عوائد النفط الكثير من الفوائد منها: 1) سيسمح ذلك للحكومة بالتوقف عن الاقتراض من البنك المركزي (مثل طباعة أوراق نقدية جديدة) وستتجنب التأثيرات الفادحة المترتبة على ذلك؛ 2) سيسمح ذلك للحكومة بالاعتماد بصورة أقل على ادوات الدين المحلية وهو ما سيؤدي إلى تخفيض معدلات الفائدة عليها، ولعل ذلك يشجع بدوره المؤسسات المالية على الاستثمار في شركات القطاع الخاص وفي مجال التنمية.

في ذات الوقت، لا يجب المبالغة عند تقدير قيمة عائدات النفط والغاز فيما بعد الحرب، حتى مع وجود حاجة ملحة لاستئناف تصدير الطاقة في اليمن، في ظل التغيرات الكبيرة التي شهدتها ساحة الطاقة العالمية والانخفاض المستمر منذ العام 2002 في معدلات إنتاج النفط في يمن ما قبل الحرب. إن زيادة إنتاج الغاز والنفط في اليمن هي عملية طويلة الأمد تتطلب استثمارات كبيرة في أنشطة استكشافية ولا يتوقع إنجازها على المدى القصير.

  • اتخاذ خطوات نحو تنويع مصادر الموارد العامة للدولة بعيداً عن صادرات الطاقة. إن حالة اختلال التوازن الهيكلية في المنظومة المالية العامة، هي في جزء كبير منها، نتيجة الاعتماد المفرط على عوائد النفط. وتبقى الوسائل الرئيسة لتحقيق ذلك هي تعزيز تنمية القطاع الخاص (يُرجى الاطلاع على ورقة أولويات لتعافي القطاع الخاص في اليمن: إصلاح بيئة الأعمال والاستثمار)، وإجراء إصلاحات واسعة للنظام الضريبي والجمركي الذي تعتمده الحكومة، وتطوير سياسات قطاعية تحسن جاذبية القطاعات غير النفطية في اليمن، وتجذب الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى اقتصاد البلاد المتعطش لرأس المال في سبيل دعم عملية تحول واسعة لوجه اقتصاد البلاد.
  • تحسين فعالية وكفاءة النظام الضريبي والجمركي اليمني. لقد واجهت عدة عوائق، ولفترة طويلة، قدرة الدولة على جمع المستحقات من الأفراد والشركات، بفعل الفساد والتهرب الضريبي والبيروقراطية الهزيلة والخصومات بين مستويات الحكومة المختلفة. وبالنظر إلى التحديات المختلفة، فهناك عدد واسع من الحلول الممكنة التي يمكن العمل عليها بالتوازي:
    • فتح قنوات حوار مع القادة المحليين في سبيل إنشاء علاقة جديدة بين الحكومة المركزية والمحافظات. شعرت السلطات المحلية في العديد من المناطق اليمنية لفترة طويلة أن الحكومة المركزية تقوم بجباية العوائد من مناطقها دون أن يعود عليها ذلك بالنفع الكبير. وقد خلق ذلك حالة من التلكؤ بين المحافظات من إعادة عوائد الضرائب إلى الحكومة المركزية، وبناء على ذلك، يجب على الحكومة المركزية أن تسعى لفتح حوار مع السلطات المحلية للعمل على حل هذه القضايا. تستطيع الحكومة المركزية تقديم عدد من الأمور تحفيزاً للأقاليم على جمع وإعادة الضرائب منها السماح لها بإبقاء حصة معينة في المحافظة (مثل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مأرب، وحضرموت، وشبوة بما يتعلق بعوائد النفط والغاز). وتستطيع الحكومة أيضاً تركيز بعض السلطات القانونية في المحافظات بما يعطي هذه المحافظات مزيداً من الاستقلال. ويتسق ذلك أيضاً مع المبدأ العام الذي نوقش في مؤتمر الحوار الوطني العام الذي أقيم خلال الفترة مارس 2013- يناير 2014.
    • توفير التدريب والموارد لتحسين قدرات جباية الضرائب المحلية. يعد الافتقار إلى فرق العمل المدنية الماهرة وأيضاً الأنظمة المحوسبة التي تساعد على تيسير العمل أحد أهم العوائق لعملية جمع الضرائب والجمارك. يجب على الحكومة اليمنية أن تسعى للحصول على مساعدة دولية تُعين على توفير وتمويل التدريب والمعدات اللازمة لتحديث نظام تحصيل الضرائب في البلاد.
    • تطبيق آليات شفافية ومساءلة جديدة وفعالة. لقد أصبح الفساد في الخدمات العامة اليمنية أمراً مفروغاً منه في نظر الكثير من اليمنيين. ولكن يمكن لتحديث وحوسبة نظام تحصيل الضرائب، أن يكون خطوة كبيرة على طريق زيادة الشفافية ومساءلة فرق العمل، كما أن الرفع من سوية تدريب العاملين له أن يساعد على إحداث نقلة ثقافية بعيداً عن قبول ممارسات الفساد.
  • تطوير آليات تحسين الشفافية والمساءلة في سياق النفقات الحكومية. أصبح سوط الفساد أحد أهم المعوقات التي تحول دون التوظيف الكفء للأموال العامة في اليمن، ولهذا يجب تطوير وتنفيذ آليات جديدة من خلال مؤسسات الدولة الموجودة، مثل وزارة التخطيط والتعاون الدولي، ووزارة المالية، والجهاز التنفيذي للإشراف على كيفية توزيع أموال الحكومة على المستويات المحلية والمركزية في سبيل ضمان الشفافية والتحكم والمساءلة. كما يتوجب أيضاً دعم الأطر العملية القائمة في سياق التعاون والتنسيق، مثل الجهاز التنفيذي، لدعم الشفافية بين مستويات الحكومة المختلفة، والجهات المانحة ومنظمات المجتمع الدولي في اليمن. وستساعد خطوات من هذا النوع على تشجيع الجهات الدولية المانحة على تزويد المساعدات المالية وتحديداً توجيه الدعم الدولي بصورة مباشرة إلى أمور استثمار رؤوس الأموال في الميزانية بما يعزز التنمية الاجتماعية الاقتصادية طويلة الأمد.
  • إصلاح الخدمات العامة. ان دفع رواتب القطاع الحكومي المتضخمة هو ما لا يمكن تحمله من الناحية المالية ويهدد التعافي الاقتصادي والاستقرار المستقبلي في اليمن في ظل عقود من الفساد ومنح الوظائف على أساس المحاباة. ولهذا فإنه من الضروري إجراء تقييم لنمو كشوفات الرواتب التي حدثت في ظل النزاع، وتقليل الفساد الإداري من خلال استخدام تقنية التسجيل بالبصمة لجميع موظفي القطاع الحكومي، وتطوير استراتيجية لنزع السلاح من المقاتلين وإعادة دمجهم في المجتمع دون أن يشكلوا عبئا إضافيا على القطاع الحكومي. وتشتمل الإصلاحات طويلة الأمد الرامية إلى إرساء أسس قطاع حكومي كفء ومستدام مالياً على تدقيق الخدمات الحكومية، وتقليل الرواتب عبر تقليص أعداد المسجلين في كشوف المرتبات تدريجياً، وتطوير إجراءات تعيين شفافة. (لمزيد من التفاصيل، انظر “تضخم يفوق القدرات المالية: الحاجة إلى إصلاح نفقات رواتب القطاع العام“).
  • السعي نحو إعادة توحيد مؤسسات الدولة. يشمل ذلك البنك المركزي اليمني ووزارة المالية. صحيح أن القيام بعملية إعادة توحيد كاملة هو أمر غير واقعي خلال فترة الصراع، إلا أنه يجب العمل على التنسيق غير المباشر بخصوص القضايا الحساسة. ويبقى ذلك أمراً ضرورياً لضمان الاستقرار الاقتصاد الكلي الذي يتوقف على عدد من القضايا منها التدفق المستمر للحوالات المالية وأموال المعونات إلى البلاد.

بعيداً عن العمل على إعادة توحيد مؤسسات الدولة الحيوية، تستلزم التبعات العميقة التي خلفتها عقود من النزاعات والإدارة السيئة، تقييماً مؤسساتياً للبنى القائمة بما يقود في النهاية إلى إصلاحات بنيوية عميقة على المستوى الوطني تتصدرها قيادة سياسية قوية. لن يكون للمبادرات التي ستتصدى لتحديات مرحلة ما بعد الحرب في اليمن أن تحقق النجاح ما لم يتم إدماجها مع المؤسسات القائمة حالياً في اليمن، ووضعها ضمن إطار رؤية إصلاحات أشمل تتمتع ببعد النظر. إن التحول الاقتصادي والإصلاحات الحقيقية يجسدان نقلة جذرية وعملية سياسية وطنية على أوسع نطاق.

هوامش

[1] “Yemen – Development Policy Grant for the Private Sector Growth and Social Development Protection Policy Grant,” The World Bank, December 14, 2010, http://www.worldbank.org/en/news/loans-credits/2010/12/14/yemen-development-policy-grant-for-the-private-sector-growth-and-social-protection-development-policy-grant. Accessed July 20, 2019.

[2] “Republic of Yemen : 2014 Article IV Consultation and Request For a Three Year Arrangement,” International Monetary Fund, September 24, 2014, https://www.imf.org/en/Publications/CR/Issues/2016/12/31/Republic-of-Yemen-2014-Article-IV-Consultation-and-Request-for-a-Three-Year-Arrangement-41901. Accessed July 20, 2019.

[3] “Yemen Socio-Economic Update – Issue 12,” Ministry of Planning and International Cooperation, March 2016, https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/yseu12_english_v4_final.pdf. Accessed July 20, 2019.

[4] بحسب بيانات مجموعة من تقارير البنك المركزي السنوية للأعوام 2010-2015.

[5] Yemen Socio-Economic Update – Issue 12, March 2016.

[6] “Yemen Socio-Economic Update – Issue 30” Ministry of Planning and International Cooperation, December 31, 2017, https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-socio-economic-update-issue-30-december-2017-enar.. Accessed July 20, 2019.

[7] المصدر السابق.

[8] المصدر السابق.

[9] Feridoun Sarraf, “Integration of Recurrent and Capital “Development” Budgets: Issues, Problems, Country Experiences, and the Way Forward”, The World Bank, July 2005,www1.worldbank.org/publicsector/pe/StrengthenedApproach/CapitalRecurrentIntegration.pdf. Accessed July 19, 2019.

[10] Yemen Socio-Economic Update – Issue 30, December 2017.

[11] “Yemen Economic Monitoring Brief – Fall 2018,” The World Bank, October 22, 2018, https://www.worldbank.org/en/country/yemen/publication/yemen-economic-monitoring-brief-fall-2018. Accessed July 20, 2019.

[12] Yemen Socio-Economic Update – Issue 12, March 2016.

[13] بحسب بيانات مجموعة من تقارير البنك المركزي السنوية للأعوام 2010-2015.

[14] “Yemen Socio-Economic Update – Issue 15,” Ministry of Planning and International Cooperation, June 2016, https://reliefweb.int/report/yemen/yemen-socio-economic-update-issue-15-june-2016-enar. Accessed July 20, 2019.

[15] توفر سندات الخزانة عوائد عالية بمعدل فائدة اسمي يبلغ حوالي 16%. وقد دفع هذا المعدل المرتفع البنوك التجارية للاستحواذ على حوالي 80% من القيمة الإجمالية لسندات الخزينة خلال 2010-2014. انظر: Yemen Socio-Economic Update- Issue 15, June 2016.

[16] International Trade Centre (ITC), Market Analysis and Research. “Trade Map.”

وهي قاعدة بيانات إلكترونية تحتوي على إحصائيات تجارية شهرية وفصلية وسنوية من المستوى الأكثر عمومية وحتى مستوى خط التعرفة، وهي معنية بتنمية الأعمال التجارية الدولية وتغطي قيم الاستيراد والتصدير، والأحجام، ومعدلات النمو، وأسهم السوق. كما توفر مؤشرات حول أداء الصادرات والطلب الدولي والأسواق البديلة والأسواق التنافسية، بالإضافة إلى دليل لشركات الاستيراد والتصدير. تغطي 220 دولة ومنطقة و5300 منتج من النظام المنسق. تصنف المنتجات الهيدروكربونية تحت رمز النظام المنسق 27. وبموجب هذه المجموعة فإن أهم الصادرات الهيدروكربونية اليمنية إلى العالم هما نفط البترول الخام (ورمزه 2709) وغاز البترول (رمزه 2711). http://www.trademap.org/Index.aspx.

[17] Central Bank of Yemen (CBY). 2012 Annual Report, 29. http://www.centralbank.gov.ye/App_Upload/Ann_rep2012_en.pdf.

[18] Central Bank of Yemen (CBY). 2013 Annual Report, 27, 106, and 107. http://www.centralbank.gov.ye/App_Upload/Ann_rep%202013_EN%20.pdf.

[19] Yemen Economic Monitoring Brief – Fall 2018 – The World Bank.

[20] Yemen Socio-Economic Update, Issue 30 – December 2017.

[21] Yemen Economic Monitoring Brief – Fall 2018 – The World Bank.

[22] “Starvation, Diplomacy and Ruthless Friends: The Yemen Annual Review 2018”, Sana’a Center for Strategic Studies, January 22, 2019, https://www.sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/6808#ED-macro. Accessed July 19, 2019.

[23] المصدر السابق.

[24] Yemen Socio-Economic Update – Issue 30, December 2017.

[25] المصدر السابق.

[26] Mansour Rageh, Amal Nasser and Farea Al-Muslimi, “Yemen Without a Functioning Central Bank: The Loss of Basic Economic Stabilization and Accelerating Famine”, Sana’a Center for Strategic Studies, November 2, 2016, https://www.sanaacenter.org/publications/main-publications/55. Accessed July 19, 2019.

[27] “Yemen Socio-Economic Update – Issue 14,”, Ministry of Planning and International Cooperation, May 2016, https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/yseu14_english_final_1.pdf. Accessed July 20, 2019.

[28] “Yemen Socio-Economic Update – Food Security Cluster,” Ministry of Planning and International Cooperation, October 2015, http://fscluster.org/sites/default/files/documents/yseu8_english2.pdf. Accessed July 20, 2019.

[29] “Starvation, Diplomacy and Ruthless Friends: The Yemen Annual Review 2018”, Sana’a Center for Strategic Studies, January 22, 2019, https://www.sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/6808#ED-macro. Accessed July 19, 2019.

[30] Ibid.

[31] Yemen’s inflation rate rose from roughly 11 percent in 2010 to more than 40 percent in 2018 according to the World Bank’s estimation. Yemen Economic Monitoring Brief – Fall 2018, The World Bank.

[32] ارتفع معدل الفقر في اليمن من 49% في عام 2014 إلى حوالي 79% في عام 2017؛ وخلال نفس الفترة انخفض متوسط دخل الفرد السنوي من 1,247 دولار عام 2014 إلى 485 دولار، بتغيير تراكمي بلغ 61 في المائة. انظر: Yemen Socio-Economic Update – Issue 30, December 2017.

[33] Yemen Economic Monitoring Brief – Fall 2018, The World Bank.

[34] “Starvation, Diplomacy and Ruthless Friends: The Yemen Annual Review 2018”, Sana’a Center for Strategic Studies, January 22, 2019, https://www.sanaacenter.org/publications/the-yemen-review/6808#ED-CC-TF. Accessed July 20, 2019.

[35] “Migration and Remittances Data,” The World Bank, November 16, 2017, https://www.worldbank.org/en/topic/migrationremittancesdiasporaissues/brief/migration-remittances-data. Accessed July 20, 2019.

أكتوبر 2, 2019

يتناول موجز السياسة هذا تضخم القطاع العام في اليمن. قبل الحرب، كانت رواتب القطاع العام مصدراً للضغوط المالية المستمرة، وذلك بسبب عقود من الفساد والمحسوبية في التعيينات والعديد من العوامل الأخرى. أسفرت الجهود السابقة لتقليص حجم الكادر البشري في القطاع العام، ولا سيما تلك التي يدعمها البنك الدولي، عن نتائج ملموسة قليلة، كما يبين هذا الموجز. خلال النزاع، أضافت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين المسلحة آلاف الأسماء إلى قائمة رواتب القطاع العام – لا سيما في الجهاز العسكري والأمني ​​– بالتوازي مع انكماش الاقتصاد. وسط عجز كبير ومستمر في الميزانية، كانت فاتورة رواتب القطاع العام متضخمة، لكن عملية دفعها لا يتمتع بالاستمرارية والانضباط. وفي حال استمرار هذا الوضع، فإنه يهدد بتقويض أي انتعاش اقتصادي أو استقرار مستقبلي متوقع في اليمن.

يقدم موجز السياسات هذا توصيات لتخفيض فاتورة رواتب القطاع العام في اليمن، مراعياً الدروس المستفادة من الإخفاقات السابقة. توجه هذه التوصيات إلى حكومة ما بعد الصراع وذلك نظراً للتحديات المتعددة أمام إصلاح القطاع العام، حتى في بلد مستقر. يوصي هذا الموجز بأن تقوم حكومة ما بعد الصراع بإجراء تقييم لتقدير الزيادة التي حدثت في رواتب القطاع العام بسبب الصراع، والحد من الفساد الإداري من خلال نظام البصمة الإلكترونية لتحديد هوية جميع العاملين في القطاع العام، ووضع استراتيجية لتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم في المجتمع دون استيعابهم في القطاع العام، كما يوصي بإصلاحات متوسطة إلى طويلة الأجل لخلق قطاع عام فعال ومستدام من الناحية المالية، بما في ذلك فحص حسابات الخدمات العامة وتخفيض حجم الرواتب عن طريق خفض عدد العاملين وتطوير إجراءات توظيف تتسم بالشفافية.

مقدمة

شكل التوظيف المتفاقم في القطاع العام في اليمن ضغطاً على ميزانية الدولة قبل النزاع، لتستهلك ما يمثل في المتوسط 32% ​​من الإنفاق الحكومي كمرتبات وأجور بين عامي 2001 و2014.[1] خلال النزاع، أضافت الأطراف المتحاربة أعداداً كبيرة من الموظفين الجدد إلى كشوف الرواتب العامة، وخاصة الأجهزة العسكرية والأمنية، تزامناً مع انكماش الاقتصاد اليمني.[2] يواجه اليمن أيضاً عجزاً كبيراً في الموازنة العامة، والذي قدّر بـ 660 مليار ريال يمني عام 2018، أي ما يعادل 1.24 مليار دولار أمريكي (بمتوسط ​​سعر صرف الدولار الأمريكي للريال اليمني لعام 2018).[3] بعد انتهاء الصراع، ستكون عملية إعادة الإعمار من أولويات الإنفاق العام والدعم الخارجي، ما يعني أن اليمن قد يواجه صعوبات في الحصول على تمويل ثابت لرواتب القطاع العام.

في ظل أزمة السيولة النقدية، توقف البنك المركزي اليمني عن دفع الرواتب في أغسطس/آب 2016، استؤنفت عملية دفع الرواتب لاحقا فقط في بعض المناطق والقطاعات، لكن لم تكن عملية الدفع كاملة ولم تتم بطريقة منتظمة لجميع موظفي القطاع العام.[4] في حين أن استئناف دفع الرواتب لموظفي الخدمة المدنية يمثل أولوية ملحة للمساعدة في تخفيف الأزمة الإنسانية في اليمن، فإن تضخم القطاع العام يمثل أزمة وشيكة يجب معالجتها إذا أراد اليمن تحقيق الاستقرار الاقتصادي في المستقبل. كما سيتعين على اليمن بعد الصراع العمل على إعادة دمج عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تستخدمهم الأطراف المتحاربة، ولن يكون دمجهم كل هؤلاء قابلاً للتطبيق من الناحية المالية في الهيئات العسكرية والأمنية التابعة للدولة، ومع ذلك، يجب تقديم خيارات أخرى لهؤلاء المقاتلين من أجل ضمان عدم تحولهم إلى معرقلين لعملية السلام.

خلفية

إن تضخم القطاع العام في اليمن هو النتيجة التراكمية لعدة عقود من سوء إدارة سياسات التوظيف في القطاع العام فضلاً عن أشكال متعددة من الفساد الإداري. في عام 1990، أدى توحيد شمال اليمن وجنوبه إلى دمج قطاعين حكوميين كانا متضخمين بسبب سياسات التوظيف الحكومية التي لم تأخذ في الاعتبار الاحتياجات الفعلية للمؤسسات العامة، فقد استخدم الرئيس السابق علي عبد الله صالح ونظامه التوظيف في القطاع العام كأسلوب مباشر للمحسوبية طوال 33 عاماً،، لا سيما داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، كما استمر في استخدام الوظيفة العامة كأداة سياسية في نهاية فترة رئاسته، حيث أصدر صالح عام 2011 قراراً بتوظيف 60 ألف خريج جامعي وحاصل على شهادة ما بعد الثانوية، ضمن محاولة لوقف موجة المعارضة المتزايدة.[5]

تضمنت القوى العاملة في القطاع العام في اليمن منذ فترة طويلة عدداً كبيراً من “الأسماء الوهمية” (أسماء أفراد إما لا يعملون أو أنهم غير موجودين أصلا، لكنهم مسجلين في كشوف الراتب) و”مزدوجي التوظيف” الذين يحصلون على رواتب متعددة من مصادر مختلفة من القطاع العام. في عهد صالح، حصل القادة العسكريون والأمنيون على الامتيازات المالية والعينية وفقاً لعدد الجنود أو العناصر الموجودين تحت قيادتهم، ما دفعهم إلى تضخيم أعداد الجنود الذين يترأسونهم.[6] للحصول بموجب ذلك على رواتب ومعدات إضافية يمكن بيعها في السوق السوداء أو استخدامها لمصلحة هؤلاء القادة بشكل عام، وبعد تنحي صالح عن رئاسة البلاد في فبراير/شباط 2012، كانت مختلف الجهات السياسية الفاعلة داخل الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي تعمل على تعزيز قواعد الدعم الخاصة بها أثناء مناورتها على المناصب، وكانت إحدى الطرق لتحقيق ذلك توظيف الموالين لهم في القطاع العام.[7]

بعد أن استولى الحوثيون (أنصار الله)، بدعم من القوات الموالية لصالح، على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 ووضعهم الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية، ثم فراره إلى عدن وإجباره مرة أخرى على مغادرتها ــ إلى السعودية عبر سلطنة عمان ــ بالهجوم العسكري عليها في مارس/آذار 2015، اتبعت سلطات الحوثي استراتيجية موجهة لتوظيف القطاع العام.[8] وقد شمل ذلك استبدال موظفي القطاع العام القدامى في الوزارات التي تتخذ من صنعاء مقراً لها (خاصة الدفاع والداخلية) ومؤسسات الدولة الأخرى بأنصار الحوثيين المختارين بعناية. كما قامت سلطات الحوثيين بتعيين مسؤولين مدنيين وعسكريين وأمنيين من أتباعها لم يكونوا ضمن كشوفات الرواتب الرسمية بل أتوا من خارج القطاع العام.



إعادة دمج المقاتلين بعد الصراع

كما هو الحال مع عدد من الجماعات المسلحة الناشطة في النزاع، هناك مقاتلون ينتمون إلى الحوثيين يتلقون رواتب غير مسجلة ضمن النفقات العامة. إضافة إلى ذلك، تمت ترقية عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين التابعين للجماعة في القطاع العسكري والأمني بشكل سريع، وبينما لا تنطبق عليهم شروط التعيين أو الترقيات، إلا أنهم أصبحوا جزءا من موظفي القطاع العام. في الوقت نفسه، تم دمج عشرات الآلاف من المقاتلين في الجهاز العسكري والأمني ​​للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتلقى الأفراد العسكريون رواتبهم الشهرية بشكل أكثر انتظاماً من موظفي القطاع العام المدنيين. بسبب إجراءات دفع رواتب مشكوك فيها والافتقار إلى الشفافية، يُعتقد على نطاق واسع أن القادة العسكريين يواصلون تضخيم عدد الرجال الخاضعين لقيادتهم من أجل تلقي مدفوعات رواتب هؤلاء “الجنود الوهميين”.[9] أحد العوامل الرئيسية المساهمة في تضخم وفساد القطاع العسكري لدى الحكومة اليمنية هو وجود اثنين من الرعاة الأثرياء، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. بينما تمول الرياض القوات العاملة تحت قيادة الحكومة اليمنية، تدفع أبو ظبي رواتب قوات الأمن المحلية التي ساعدت في تأسيسها والتي تعمل في عدن وأبين وشبوة وحضرموت. من المعروف أن أفراد قوات الحزام الأمني ​​المدعومة من الإمارات العربية المتحدة في عدن يتلقون راتبيْن، أحدهما من الإمارات والآخر من الحكومة اليمنية.[10]

في حالة التوصل إلى اتفاق سلام، يجب إعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية، حيث أنهم إذا تركوا مسلحين وبدون مرتبات، قد يصبحون مفسدين لعملية السلام. لن يكون من الممكن مالياً استمرار استيعاب جميع المقاتلين في القوات المسلحة وقوات الأمن الحكومية بعد انتهاء الصراع، وبالتالي، يجب توفير الدعم والحوافز الكافية عبر برنامج وطني لإعادة التأهيل وإعادة دمج المقاتلين ضمن قوى العمل المدنية. يحرك المقاتلين دوافع متعددة، بما في ذلك البطالة، والشعور بالضيق واليأس الاقتصادي، بالإضافة إلى المعتقدات الإيديولوجية، وعلى أنه لا ينبغي دمج المقاتلين بشكل جماعي في القطاع العام، يعتبر إدخالهم في القوى العاملة المدنية أمراً بالغ الأهمية لاستقرار اليمن والمنطقة ككل على المدى البعيد.

التقييمات الحالية لنفقات رواتب الموظفين الحكوميين في اليمن

تمثل رواتب القطاع العام 39.33% من النفقات المقدمة في الباب الأول من موازنة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لعام 2019، ولا يشمل ذلك نفقات الحكومة على الهيئات والصناديق الأخرى التي هي من خارج الباب الأول.[11]

الشكل (1): الإنفاق الحكومي على أجور القطاع العام من الباب الأول (ملايين الريالات اليمنية) *

التكلفة الإجمالية المدنيين الجيش والأمن الوحدة
977,085 546,873 430,212 ميزانية 2014
829,245** 271,064 558,181 نفقات 2018
1,223,525 694,896 528,629 ميزانية 2019

المصدر: وزارة المالية، الحكومة اليمنية

* تم تقريب جميع الأرقام إلى أقرب مليون.

** هذا الرقم أقل من المسجل للعام 2014 لأن الحكومة اليمنية دفعت فقط رواتب 51% من موظفي الخدمة المدنية خلال عام 2018.

لا تشمل النفقات المتوقعة للعام 2019 من هم في الوحدات العسكرية والأمنية في المناطق التي تسيطر عليها سلطات الحوثيين او التعيينات التي قامت بها أثناء النزاع. لقد عينت سلطات الحوثيين موظفين في وزارات صنعاء والمؤسسات التي يسيطرون عليها، بما في ذلك شركة النفط اليمنية (YPC) وشركة موانئ البحر الأحمر، كما أنشأ الحوثيون هيئات جديدة، مثل الهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية ومواجهة الكوارث التي تشرف على التنسيق بين مختلف المنظمات الإنسانية وبرامج المساعدات. يعمل عدد من الأفراد المعينين من قبل الحوثيين في مناصب غير رسمية أو في مؤسسات شبه حكومية، مثل تلك التي تعمل تحت مظلة اللجنة الثورية العليا والمشرفين المعينين من قبل الحوثيين (معروفون محلياً أيضاً باسم “المشرفين”). على الرغم من عدم توفر إحصاءات دقيقة حول العدد الحالي لموظفي القطاع العام في اليمن، فمن الواضح أن حجم كشوف المرتبات قد زاد منذ عام 2014، عندما وصل إلى 1,25 مليون شخص.

عدم فاعلية الجهود السابقة لإصلاح القطاع العام

لم تحقق الجهود السابقة النتائج المرجوة في تنفيذ الإصلاحات ومعالجة الفساد الذي أدى إلى تضخم حجم رواتب القطاع العام في اليمن. في السنوات الأولى من الجمهورية الجديدة، استخدمت الحكومة اليمنية تخفيضات الرواتب في محاولة لخفض حجم الأجور، الذي زاد مع دمج قطاعين عامين بعد توحيد الشطرين عام 1990. بحلول عام 1996، كان متوسط ​​الأجور الحقيقية لموظفي القطاع العام قد خفض بنسبة 15% من مستويات عام 1990، وحصّل كبار المديرين 11% فقط من رواتب أقرانهم من القطاع الخاص.[12] هذه الأجور المنخفضة شجعت الغياب والإنتاجية المنخفضة، وكذلك الممارسات مثل الازدواج الوظيفي والعمالة الوهمية والفساد.

في عام 1998، اعتمدت الحكومة اليمنية “الإطار الاستراتيجي لتحديث الخدمة المدنية” لإعادة هيكلة القطاع العام وإنشاء نظام يتسم بالشفافية لإدارة شؤون الموظفين وتقليل عدد العمال الزائدين عن الحاجة، بالإضافة لأهداف أخرى. دعم البنك الدولي أجندة الإصلاح الحكومية بمجموعة من آليات التمويل، بما في ذلك مشروع رائد بقيمة 30 مليون دولار أمريكي تمت الموافقة عليه في أبريل/نيسان 2000 لوضع أنظمة جديدة لإدارة شؤون الموظفين والمالية، وإلغاء عمل 34 ألف موظف كعمالة فائضة، وإزالة جميع العاملين ذوي الازدواج الوظيفي والعمالة الوهمية من القطاع العام ضمن أهداف أخرى.

بعد عقد من الزمان، حدد مشروع تحديث الخدمة المدنية 17753 موظفاً زائداً عن الحاجة، معظمهم في إطار مشاريع وأعمال حكومية وهمية او معطلة. بالإضافة إلى ذلك، تمت إزالة 3792 حالة ازدواج وظيفي من كشوف المرتبات، منهم 3767 صرحوا عن أنفسهم طوعاً بينما تم تحديد 25 فقط من خلال قواعد البيانات التي طورها المشروع.[13] لم يتم التعرف على العمال الوهميين أي أن المشروع عمليا لم يحقق نتائجه بناء على الآليات المقترحة يومها، كما هدف المشروع إلى تنظيم الهياكل الإدارية في الوزارات، لكن لم يكن هنالك دليل على التنفيذ أو نتائج في هذا الصدد وفقاً لتقييم البنك الدولي. بشكل عام، فشل المشروع في تقليل عدد موظفي الخدمة المدنية أو حجم نفقات الرواتب والتي تضاعفت من 281 مليار ريال يمني في عام 2005 إلى 597 مليار ريال يمني في عام 2010.[14]

خلص التقييم الداخلي للبنك الدولي إلى أن المشروع كان مفرط الطموح في نطاقه وتطوره، كما قلل من تقديره للحساسية والطابع السياسي المتأصل للإصلاحات، فضلاً عن مصالح وارتباطات ومحسوبية القطاع العام في اليمن.[15] ومما أعاق محاولات الإصلاح تلك ضعف التنسيق بين الوزارات، وغياب التزام الحكومة بالإصلاح، وضعف التنسيق مع الجهة المانحة، ووجود وضع سياسي وأمني غير مستقر أثر على سلطة الحكومة وقدرتها على دفع الإصلاحات في بعض المناطق، نتيجة استمرار الفساد والمحسوبية، وضغوط من الدوائر الانتخابية الإقليمية والقبلية التي تعتمد على توظيف القطاع العام في ظل غياب المؤهلات التي تساعدهم على الانخراط في سوق العمل لدى القطاع الخاص، وأيضا لمقاومة إنشاء قاعدة بيانات مركزية للخدمة المدنية وأنظمة الإدارة في بعض المحافظات اللامركزية.

القانون رقم 43 لعام 2005 قدم مطلباً لإنشاء نظام بصمة إلكترونية لتحديد هوية موظفي الخدمة المدنية وتأسيس قاعدة بيانات مركزية للعاملين في وزارة الخدمة المدنية لمنع حدوث ازدواج وظيفي، ومع ذلك، تمت إعاقة هذه العملية بسبب قيود تتعلق بالأجهزة والبرمجيات، وفي وقت لاحق، نتيجة الأضرار التي لحقت البنية التحتية الإلكترونية خلال انتفاضة عام 2011.[16] كان لدى أجهزة الكمبيوتر والبرامج الخاصة بقاعدة البيانات القدرة على تسجيل 500 ألف موظف حكومي فقط، ولم تكن هناك ميزانية كافية مخصصة لتطوير نظام تحديد الهوية.[17] ونظراً لأن النظام الآلي لم يكن مرتبطاً ببرامج الدوام والحضور، فلا يمكن استخدامه لتحديد العمال الوهميين. بالإضافة إلى ذلك، لم يتم دمجه مع قواعد بيانات الرواتب.[18] في عام 2013، أعلنت الحكومة اليمنية أنها ستنفذ برنامجاً جديداً لإزالة العمال الوهميين وحالات الازدواج الوظيفي من القطاعين المدني والعسكري، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.[19] تضمنت الخطط استعادة قواعد البيانات، وكذلك رفع سعة التخزين لقاعدة البيانات بحيث يمكن تسجيل جميع موظفي الحكومة. حتى الآن، تبقى معلومات الإحصاء البشري الإلكتروني التي تم جمعها كبيانات أولية، وقواعد البيانات التي تم إنشاؤها لديها فقط القدرة على تحديد الأسماء المكررة.

توصيات

إن معالجة القطاع العام المتضخم هي مشروع مهم وصعب يتطلب إرادة سياسية مستدامة وتأييداً عاماً وقدرة وموارد مؤسساتية كافية، حتى في بلد مستقر. بالنسبة لبلد في حالة حرب، قد تواجه الإصلاحات تحديات لا يمكن التغلب عليها، وبالتالي تركز التوصيات التالية على سيناريو ما بعد الصراع. راعت هذه التوصيات الدروس المستفادة، وتدعو إلى اتباع نهج تدريجي مرحلي لكل خطوة.

أولويات المدى القريب في سيناريو ما بعد الصراع

  • تقييم حجم القطاع العام:
    • ينبغي إنشاء لجنة خدمة مدنية مستقلة، على النحو الموصى به في مؤتمر الحوار الوطني، لإدارة الخدمة المدنية. يجب أن يكون من بين مهامها الأولى البدء في تقييم عدد الأشخاص في كشوف الرواتب الخاصة بالخدمة المدنية، وأن تكون هذه الهيئة مسؤولة أيضاً عن وضع ممارسات توظيف عادلة في الخدمة المدنية، وتحديد ظروف العمل، وتطوير التوصيفات الوظيفية لجميع مناصب الخدمة المدنية.
    • ينبغي أيضاً أن يبدأ التقييم بعدد الأشخاص المدرجين في كشوف المرتبات الخاصة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، والتي شهدت أكبر نمو منذ بداية النزاع. يمكن القيام بذلك من قبل لجنة مستقلة، ويتطلب في البداية من وزارتي الدفاع والداخلية والمؤسسات العامة العسكرية الكشف عن سجلات جميع الموظفين.
    • يجب أن تعكس تقييمات حجم القطاع العام كل من تمت إضافته إلى كشوف نفقات الرواتب من قبل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وسلطات الحوثيين خلال الصراع كل في مناطق سيطرته، وكذلك حركة تبديل الموظفين منذ عام 2014.
  • الحد من الفساد الإداري: يجب على القادة السياسيين والمؤسسات الحكومية بذل الجهود لتقليل نفقات رواتب القطاع العام من خلال اتخاذ خطوات لإزالة حالات الازدواج الوظيفي والعمالة الوهمية من جدول الرواتب.
    • يجب تخصيص الاستثمارات لإنشاء البنية التحتية والقدرات التقنية اللازمة لتشغيل نظام تحديد الهوية الإلكترونية بالكامل، ولإجراء تسجيل البصمات لجميع موظفي القطاع العام، وربط هذه المعلومات الالكترونية بقاعدة بيانات الأرقام الشخصية الوطنية. هذا سيمكن الحكومة من تحديد وإزالة مزدوجي التوظيف، ومن خلال ربط قاعدة البيانات هذه بسجلات المؤسسات الحكومية وبرمجيات الدوام والحضور، يمكن للحكومة أيضاً تحديد العمال الوهميين وإزالتهم، ولنجاح كل هذا، يجب وضع لوائح لمنع و/أو معاقبة إساءة استخدام أو التلاعب بالبيانات.
    • يجب زيادة عدد الموظفين الذين يتم دفع رواتبهم عن طريق الحسابات المصرفية، مما يقلل من القدرة على الاحتيال.
  • تسريح المقاتلين السابقين وإعادة دمجهم: ينبغي على القادة السياسيين والمؤسسات الحكومية وضع استراتيجية لإعادة دمج المقاتلين في القطاع المدني بعد انتهاء الصراع كجزء من الاتفاق السياسي لإنهاء النزاع. يمكن أن تستند هذه الاستراتيجية إلى إعادة دمج المقاتلين في سياقات أخرى بعد انتهاء الصراع.
    • يجب إنشاء لجنة وطنية لإعادة تأهيل ودمج المقاتلين، بوجود ممثلين عن وزارات الخدمة المدنية والمالية والدفاع والداخلية والتعليم الفني والتدريب المهني لتنفيذ برنامج للتسريح وإعادة الدمج. يجب تكليف اللجنة بتسجيل المقاتلين، وإدارة دعم الفترة الانتقالية للمقاتلين المسرحين، وجمع الأسلحة منهم.
    • ينبغي تجنب محاولات إعادة دمج المقاتلين السابقين عبر توسيع القطاع العام. قد تتضمن خيارات دمج المقاتلين السابقين في قوة العمل تشغيلهم في جهود إعادة الإعمار والتأهيل بعد انتهاء الصراع، وتدريبهم مهنياً بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.

أولويات متوسطة إلى طويلة الأجل

  • بدء إصلاحات تدريجية ومتسلسلة لتحقيق استدامة وكفاءة مالية للقطاع عام.
    • يجب على حكومة ما بعد الصراع تحديد الخدمات العامة الأساسية بهدف التدقيق، ما يؤدي إلى تحديد مستويات التوظيف المناسبة وزيادة كفاءة تقديم الخدمات، وتقليص أعداد المسجلين في كشوف المرتبات تدريجياً عن طريق عدم توظيف بدائل عن المتقاعدين، وتطوير إجراءات توظيف شفافة، وبناء مدونات سلوك، كخطوات أولية نحو إنشاء عملية اختيار قائمة على الجدارة.
    • يجب الحد من الفساد من خلال: صياغة تشريعات تفرض عقوبات قانونية على ممارسات التوظيف غير القانونية ووضع آليات وإجراءات لتنفيذ هذه العقوبات، وتشكيل هيئة إشراف مستقلة لمراقبة ممارسات التوظيف وتعزيز المساءلة، ومراجعة سياسات المكافآت لضمان تعويض الموظفين الحكوميين بشكل عادل، ما يقلل من دوافع الموظفين لارتكاب عمليات احتيال كالازدواج الوظيفي، ويؤدي إلى تحفيز المرشحين المؤهلين للانضمام إلى القطاع العام.
    • يجب على حكومة ما بعد الصراع أيضاً وضع رقم وطني خاص لجميع المواطنين منذ الولادة، يتم تخصيصه إلكترونياً بواسطة السجل المدني واستخدامه في جميع المعاملات مع المؤسسات الحكومية، بما في ذلك توظيف القطاع العام. بالإضافة إلى تمهيد الطريق للحكومة الإلكترونية، فإن ذلك سيساهم في تقليل القدرة على الازدواج الوظيفي والعمل الوهمي.
  • تمكين القطاع الخاص لخلق بدائل أكبر عن التوظيف في القطاع العام.
  • زيادة وعي المواطن.
    • يجب على السلطات الحكومية والإعلام والمجتمع المدني التنسيق لتطوير حملات الاتصال لرفع الوعي العام بأن القطاع العام المتضخم يحول الأموال العامة عن التنمية اللازمة ويشكل مصدراً للفساد. يمكن أن تكون هذه خطوة أولى نحو بناء تأييد شعبي للإصلاحات.

الهوامش:

[1] عام 2014، كلفت رواتب القطاع العام الحكومة 1,14 تريليون ريال يمني، والتي كانت في ذلك الوقت تعادل 5,3 مليار دولار. راجع: منصور البشيري، “الإجراءات الاقتصادية لبناء الثقة – رواتب موظفي الخدمة المدنية”، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 18 مارس/آذار 2019، https://devchampions.org/ar/publications/policy-brief/civil-servant-salaries. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[2] قدر البنك الدولي في أبريل/نيسان 2019 أن إجمالي الناتج المحلي لليمن قد تقلص بنسبة 39% متراكمة منذ نهاية عام 2014. انظر: “اليمن: الآفاق الاقتصادية – أبريل 2019″، البنك الدولي، أبريل/نيسان 2019، http://pubdocs.worldbank.org/en/487261554133954384/yemen-MEU-April-2019-ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[3] “جوع، دبلوماسية، وأصدقاء لدودون: تقرير اليمن السنوي 2018″، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 22 يناير 2019، http://sanaacenter.org/ar/publications-all/the-yemen-review-ar/6976. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[4] “الإجراءات الاقتصادية لبناء الثقة – رواتب موظفي الخدمة المدنية”، إعادة تصور اقتصاد اليمن، 18 مارس/آذار 2019، https://devchampions.org/ar/publications/policy-brief/civil-servant-salaries. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[5] فارع المسلمي ومنصور راجح، “انهيار الاقتصاد والمجاعة الوشيكة في اليمن: خطوات جادة وعاجلة يجب اتخاذها لمواجهة الأسوأ”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أكتوبر/تشرين الأول 2015، http://sanaacenter.org/wp-content/uploads/2015/11/files_yemens_economic_collapse_and_impending_famine_ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[6] “بعيداً عن استمرار نهج العمل كالمعتاد: مكافحة الفساد في اليمن”، إعادة تصور الاقتصاد اليمني، نوفمبر/تشرين الثاني 2018،http://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No4_Ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[7] Peter Salisbury, “Corruption in Yemen: Maintaining the Status Quo?” in Rebuilding Yemen: Political, Economic, and Social Challengers, ed. Noel Brehony and Saud al-Sarhan (Berlin: Gerlach Press, 2015)

[8] “بعيداً عن استمرار نهج العمل كالمعتاد: مكافحة الفساد في اليمن”، إعادة تصور الاقتصاد اليمني، نوفمبر/تشرين الثاني 2018،http://sanaacenter.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No4_Ar.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[9] المرجع نفسه.

[10] على الرغم من أن أفراد قوات الحزام الأمني ​​المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة في عدن يعملون تحت السيطرة المباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أنهم مسجلون رسمياً لدى وزارة الداخلية في حكومة اليمن، وبالتالي يحصلون على راتب شهري من كل من الإمارات والحكومة.

[11] الفصل 1، ميزانية الحكومة اليمنية لعام 2019.

[12] “Implementation completion and results report on a credit in the amount of SDR 22.4 million to the Republic of Yemen for a civil service modernisation project,” The World Bank, December 2010, http://documents.worldbank.org/curated/en/206391468340752501/text/ICR16880P050701OFFICIAL0USE0ONLY191.txt. Accessed August 19, 2019.

[13] المرجع نفسه.

[14] المرجع نفسه.

[15] المرجع نفسه.

[16] “خطة العمل لتنفيذ برنامج إزالة العمال الوهميين وحالات الازدواج الوظيفي في نظام الخدمة المدنية، بما في ذلك الأجهزة العسكرية والأمنية”، الحكومة اليمنية، https://www.undp.org/content/dam/yemen/DemDov/Docs/UNDP-YEM-biometric_ar_Final.pdf. تم الوصول إليه في 19 أغسطس/آب 2019.

[17] المرجع نفسه.

[18] المرجع نفسه.

[19] المرجع نفسه.

سبتمبر 23, 2019

هناك تحديات كثيرة متجذرة في بيئة الأعمال والاستثمار تواجه القطاع الخاص في اليمن. تصاعدت هذه التحديات مع استمرار الصراع الراهن، إذ وصل الأمر إلى أن وجدت اليمن نفسها في ذيل القائمة لمؤشرات الأعمال العالمية، وكثيرا ما تحتل المركز الأخير.

نتيجة احتدام الصراع، قرر العديد من رجال الأعمال في أنحاء كثيرة من البلاد نقل رؤوس أموالهم إلى أماكن أخرى خارج اليمن، فيما اضطر الآخرون الذين قرروا البقاء إلى التضحية بنسب كبيرة من قوتهم العاملة، ومع ذلك فقد أظهر القطاع الخاص صلابة كبيرة، مقارنة بالقطاع الحكومي الذي شهد حالة انهيار شبه كاملة للمؤسسات الحكومية المختلفة، بل قام بدور كبير لتغطية العجز وسد الفجوات التي تركها غياب الخدمات الحكومية في العديد من المناطق، وهو ما يسر الوصول إلى السلع الأساسية وكان عاملاً أسهم في إعالة ملايين اليمنيين.

إن إنهاء النزاع القائم وإعادة توحيد المؤسسات الحكومية وآليات الحكم هي الوسيلة الأضمن لإرساء قواعد تعافي القطاع الخاص في اليمن والبلاد بصفة عامة، وهناك خطوات عملية وواقعية يمكن لأصحاب الشأن، على المستوى الوطني والدولي، العمل بها لدعم القطاع الخاص في اليمن مع استمرار النزاع، وستساعد هذه الخطوات على تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل خاصة أمام الشباب. كما أنها ستبدأ سلسلة من التطورات الإيجابية في اليمن مثل: التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، والاقتصادي والسياسي، وإعادة تفعيل الدورات المالية الرسمية، وغير ذلك.

اجتمع عدد من الخبراء الاجتماعيين والاقتصاديين في العاصمة الأردنية عمان في الفترة 27-29 نيسان/أبريل 2019 في إطار منتدى رواد التنمية الخامس الذي يعد محورا رئيسيا من محاور مبادرة إعادة تصور الاقتصاد اليمني، وقد أثمرت النقاشات المعمقة التي دارت بين المشاركين حول التحديات التي تواجه بيئة الأعمال والاستثمار في اليمن عن عدد من التوصيات للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وأصحاب الشأن الدوليين. تتضمن هذه التوصيات:

  • وضع معالجات عاجلة لتجاوز التحديات التي تواجه عملية تسيير طلبات خطابات الاعتماد التي تقدم بها التجار من أجل استيراد السلع الأساسية.
  • مراجعة وتنقيح قائمة البضائع التي يُحظر استيرادها.
  • إعداد خطة عمل سريعة لدعم الصادرات وإزالة العوائق البيروقراطية.
  • إعادة تفعيل ودعم الهيئات الحكومية التي من شأنها تيسير التجارة الدولية.
  • إعداد قائمة بمشاريع الاستثمارات ذات الأولوية التي يمكن أن تزيد من فعالية القطاعات الحيوية.
  • تبني مشاركة القطاع الخاص (PSP) كخطوة أولى نحو بناء شراكة فاعلة بين القطاع العام والخاص (PPPs).
  • قبول الاحتكام للقانون الدولي بشأن أي عقود موقعة في ظل ضعف النظام القانوني القائم في اليمن.
  • دعم الاستثمارات في مختلف مناطق اليمن.
  • إعطاء الأولوية للحفاظ على الاستثمارات القائمة حالياً.
  • تعزيز اللامركزية ودعم وسائل بديلة لإنتاج الطاقة.

خلفية

يواجه المستثمرون المحليون والأجانب في اليمن العديد من التحديات اليوم، على رأسها صعوبة إقامة الأعمال الخاصة. تتدهور بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار بشكل عام في اليمن، وتسير من سيء إلى أسوأ منذ مطلع هذا العقد، وقد شهدت تدهورا متسارعا منذ اندلاع الصراع القائم بشكل أكثر وضوحا وتأثيرا.

مراكز اليمن في مؤشرات الأعمال التجارية: سباق نحو القاع

يرسم موقع اليمن في تصنيفات الأعمال العالمية اليوم صورة كئيبة لبيئة الأعمال الهشة في اليمن، والتي نتجت بشكل أساسي عن عقود من مبادرات الإصلاح العقيمة، ففي تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019 الذي يصدره البنك الدولي، صُنفت اليمن كرابع أسوأ دولة في العالم لإقامة الأعمال فيها، من بين 190 دولة (كانت فنزويلا وأرتيريا في المركزين 188 و189 على التوالي، فيما حلت الصومال في المركز 190 والأخير). أي أن تصنيف اليمن قد تراجع بـ 22 مركزاً مقارنة بمركزه في ذات المؤشر عام 2015.[1] وقد صنف التقرير اليمن كواحدة من أسوأ خمسة بلدان للتجارة عبر الحدود، وتأمين الكهرباء، والحصول على الائتمان، والتعامل مع رخص البناء.

لا تختلف هذه الصورة القاتمة لبيئة الأعمال العامة ومناخ الاستثمار في اليمن في المؤشرات العالمية الأخرى. فقد كانت اليمن ثاني أسوأ دولة في مؤشر التنافسية العالمي عام 2018 من بين 140 دولة، وثالث أسوأ اقتصاد في مؤشر الازدهار الصادر عن معهد ليجاتم (Legatum Prosperity Index) من بين 149 اقتصاد.[2] وفي آخر نسخة متوافرة من مؤشر الحرية الاقتصادية للعام 2015، قبعت اليمن في المركز 133 من بين 178 اقتصاد، أي أن تصنيف اليمن كان في الفئات الدنيا التي تشمل بالمجمل الاقتصادات غير الحرة، وعلى مؤشر مدركات الفساد تم وضع اليمن كخامس أكثر دول العالم فساداً في 2017 من بين 180 دولة.[3]

إصلاحات فاشلة، هروب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والاعتماد على النفط

قبل النزاع الراهن، قامت اليمن باتخاذ خطوات كانت تهدف في ظاهرها إلى تطوير قطاع خاص تنافسي، من خلال إطلاق عدة برامج إصلاحية وخطط تنموية، فأطلقت الحكومة اليمنية عام 1995 برنامج الإصلاح الاقتصادي بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سبيل تعزيز دور القطاع الخاص داخل الاقتصاد اليمني، وقد أولى البرنامج الأولوية لتنمية جميع مجالات القطاع الخاص، إضافةً إلى مشاريع تنموية على مستوى المحافظات.

حاولت الحكومة تنفيذ عدد من الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية، فضلاً عن إصلاحات مالية وخصخصة بعض المؤسسات العامة بين عامي 2000 و2010 في سبيل تحفيز وتحسين بيئة الأعمال، فعلى سبيل المثال، أطلقت الحكومة منحة بولي لتنمية الإصلاح المؤسساتي، سعياً لتحفيز نشاط القطاع الخاص خارج دائرة الهيدروكربونات. اشتمل ذلك على عنصرين رئيسيين: (1) إصلاحات ضريبية لترشيد حوافز الاستثمارات الخاصة؛ و(2) إصلاح حقوق التسجيل والملكية، وفي عام 2008، سنت الحكومات بعض الإصلاحات في سبيل تيسير الوصول إلى الخدمات المالية والتسهيلات الائتمانية، واعتمدت، على هذا الأساس، قانون التمويل الأصغر المصرفي في العام التالي. بحلول عام 2010، كان سوق التمويل المصغر يقدم خدماته لما يزيد عن 51 ألف عميل.

رغم تلك الجهود فإن النتائج كانت مخيبة للآمال، حيث قال البنك الدولي في تقييمه لتلك الإصلاحات ومدى تحقيقها للنتائج المرجوة، أن هذه المبادرات الطموحة عجزت عن تحقيق أهدافها.[4] وأرجع ذلك إلى التدخل السياسي الفادح، والعوائق الحكومية البيروقراطية، وغياب التنسيق وتنفيذ الخطط على مستوى الوزرات الحكومية وعلى مستوى البنى الحكومية-الخاصة، ويُضاف إلى ذلك الآليات الضعيفة للحكم والمحاسبة، وغياب رؤية واضحة في التصدي للتحديات التي تواجه بيئة العمل في اليمن.

يدلل مدى استنزاف الاقتصاد اليمني للموارد على سوء مناخ الاستثمار في اليمن، الذي يعطل فائدة الأموال التي تتدفق من الخارج والمتمثلة بالمعونات الدولية، فبين عامي 1990 و2008، كان اليمن خامس أكبر مصدر لهروب رؤوس الأموال بطرق غير مشروعة من بين الدول الأقل نمواً، بهروب ما يعادل 12 مليار دولار من البلاد خلال تلك الفترة وفقاً لتقرير أصدرته تشاتام هاوس: “لكل دولار واحد يتم إنفاقه على المعونات لبلاد اليمن، هناك 2.7 دولار يخرج منها.”[5]

كما ظل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر باليمن في خانة السالب منذ 2011، وتقليديا لم تُعرف اليمن بأنها وجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد استغرق الأمر حتى عام 2006 لوصول تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى حجم قياسي بلغ 1.1 مليار دولار، ونجحت اليمن في استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العامين التاليين، ليصل حجم هذه الاستثمارات إلى 1.6 مليار دولار عام 2008، ولكنه هبط هبوطاً حاداً بعد ذلك.[6]

إن عجز الحكومة عن تنويع مواردها بعيداً عن الاعتماد على النفط وتوسيع رقعة القطاع الخاص غير النفطي، كان عاملاً آخراً مهماً أعاق حركة عجلة التنمية. فمع الارتفاع المستمر لأسعار النفط في العقد الأول من الألفية الجديدة، حتى عام 2008، شكلت صادرات النفط ما يقارب 85% من مجموع صادرات اليمن، واقتصرت مساهمة القطاع الخاص غير النفطي على الـ15% المتبقية.[7] وولدت عائدات النفط 65% من الموارد الحكومية الإجمالية في نفس الفترة.[8]

نوه البنك الدولي عام 2010 إلى أن تخفيض عجز ميزانية الدولة وتقليل الضغط على السوق المالي المحلي هما عنصران هامان في إرساء قواعد تنمية القطاع الخاص.[9] إلا أن استمرار الدولة في الاقتراض قد رفع معدلات الفائدة إلى ما يزيد عن 20%، وهو ما قيد أي إمكانية لنمو الاستثمار.[10]

ما بعد 2011: تضخم وتنامي التحديات الموجودة في القطاع الخاص

تدهورت بيئة الأعمال في اليمن بصورة متزايدة مع تفاقم الأزمة السياسية منذ عام 2011 التي تحولت لاحقاً إلى حرب أهلية وتدخل عسكري إقليمي في آذار/مارس 2015، ودخل القطاع الخاص حقبة جديدة تميزت بتحديات سياسية واقتصادية وأمنية متعاظمة، حيث هبط الناتج المحلي الإجمالي اليمني من 7.7% إلى -12.7% بين عامي 2010 و2011 فقط. كما كشف مسح أجراه البنك الدولي حول الأعمال اليمنية أن أكثر من 40% من مؤسسات الأعمال قد تخلصت مما يزيد عن 40% من قوتها العاملة، فيما انكمشت عوائدها إلى النصف.[11] وقد تأثرت جميع قطاعات الأعمال بلا استثناء بهذه التبعات، وتأثرت مؤسسات الأعمال الصغيرة بصورة أسوأ مقارنة بمؤسسات الأعمال متوسطة وكبيرة الحجم، ويمكن القول أن ذلك عكس نقاط الضعف البنيوية والموارد المالية الضحلة للأعمال الصغيرة، التي لم تكن كافية لها لتبني آليات تكيف تتجاوز هذه الصدمات.

خلال عام 2012، ضخت السعودية منحا مالية مباشرة، وشحنات وقود وصلت قيمتها إلى 3 مليار دولار في الاقتصاد اليمني، مما ساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.8% عام 2013، موفراً فرصة كبيرة للقطاع الخاص استرد بفضلها شيئاً من حيويته، حيث ساهم القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقدر بـ54%، وفي الاستثمارات الإجمالية بنسبة تقدر بـ65% عام 2013، كما شغّل 20% من مجموع الشريحة العاملة اليمنية خلال عامي 2013 و2014، (تقفز هذه النسبة إلى 70% إذا افترضنا أن جميع الموظفين غير الحكوميين يعملون في القطاع الخاص).[12] كما أن القطاع الخاص يساهم على نحو لافت في توفير الخدمات العامة، فقبل اندلاع النزاع كان القطاع الخاص يوفر 50% من خدمات الرعاية الصحية.[13]

وبرز تحدي الكهرباء كأحد التحديات الكبيرة التي تعيق أنشطة أعمال القطاع الخاص في ظل التقلبات السياسية التي بدأت عام 2011، إذ تعاني شركات القطاع الخاص من أزمة انقطاع الكهرباء، بمعدل يصل إلى 40 حالة انقطاع كهرباء شهرياً، ويؤدي ذلك إلى خسارة ما يزيد عن 16% من مبيعاتها السنوية وفقاً لتقرير أصدره بنك الاستثمار الأوروبي.[14] وفيما بدأت محطة مأرب الكهربائية، التي تغذي الشبكة الوطنية، بالانهيار في عام 2014، وانهارت بصورة كلية في عام 2015، اضطرت شركات القطاع الخاص إلى الاعتماد على خدمات كهربائية مكلفة توفرها مولدات خاصة تتأثر هي الأخرى بأزمات انقطاع الوقود الواسعة التي تعصف بالبلاد بصورة مستمرة، والتي تعطل المولدات وتقيد شبكات النقل والتوزيع. كانت إحدى الاستراتيجيات التي لجأ إليها القطاع الخاص للتكيف مع هذه المشكلة هي استيراد معدات طاقة شمسية ساعدت في تلبية الاحتياجات المنزلية العاجلة ودعمت عمليات المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

إن تبعات الصراع القائم، الذي بدأ عام 2014 وشهد تصعيداً كبيراً منذ العام 2015، كانت مدمرة بالفعل، فبعد مرور ما لا يزيد عن ستة أشهر فقط منذ بداية الأعمال العسكرية الواسعة بتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، أكدت بعض التقارير أن 26% من مؤسسات الأعمال قد أغلقت أبوابها وخسرت أكثر من 70% من قاعدة عملائها في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، كما أن 95% من المشاريع التي تم إغلاقها تكبدت أضرارا مادية جزئية أو كلية، أكدت قرابة 41% من المشاريع التجارية أنها استغنت عما يزيد عن نصف قوتها العاملة بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2015.[15] تكبدت الأعمال الخاصة الموجودة في محافظات مثل صعدة وتعز وعدن أضراراً مادية كبيرة بسبب النزاع. وفي عام 2017، قال البنك الدولي إن تكاليف إعادة الإعمار والتعافي في اليمن تقدر بـ88 مليار دولار، منها 25 مليار دولار ستذهب إلى إعادة بناء الأصول المادية.[16]

نشأت العديد من العوائق القاهرة بفعل النزاع تمثلت في غياب الاستقرار السياسي، وتردي الوضع الأمني، والحصار الاقتصادي، واختلال التوازن المالي والنقدي، وشيوع اقتصاديات الحرب والجهات التجارية غير الرسمية التي هيمنت على السوق. وطبقاً لوزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية، أسفر الانكماش الكبير في الناتج الاقتصادي – انكماش بنسبة 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015، و15.3% عام 2016، و14.4% عام 2017، أسفر عن هبوط تراكمي بلغ 40.5 من الناتج المحلي الإجمالي على امتداد هذه السنوات.

القطاع المصرفي بدوره، شهد أزمة سيولة أثرت بصورة عميقة أيضاً في نشاطات الشركات الخاصة وأعاقت استثماراتها، ففي عام 2018، عجز القطاع المصرفي عن الوصول إلى ما يقدر بـ65% من مجموع الأصول بسبب أزمة السيولة الحادة التي عمت البلاد منذ منتصف 2016، وشملت هذه الأصول استثمارات على شكل قروض تم ضخها في القطاع الخاص (شكلت القروض المتعثرة ما نسبته 52.5% من مجموع القروض في ديسمبر 2017)، وكان منها أيضاً ضمانات وحسابات حكومية تم تجميدها في البنك المركزي اليمني. لقد فقد كثير من العملاء والأعمال ثقتهم في القطاع المصرفي وقرروا سحب سيولتهم من النظام المصرفي الرسمي ووضعها في السوق غير المنتظمة، وزاد هذا السيناريو مخاطر غسيل الأموال وتكاليف إقامة الأعمال، إضافة إلى إعاقة التجارة، وتعقيد المعاملات المالية مع النظام المالي العالمي، لأن البنوك العالمية تمتنع عن التعامل مع النظام المصرفي اليمني.

كما أن تشظي البنك المركزي اليمني بين صنعاء وعدن قد زاد من صعوبة عقد الصفقات التجارية خصوصاً استيراد البضائع من الخارج.[17] لقد واجه القطاع المصرفي تحديات قاهرة في سياق التكيف مع آليات وتوجيهات متضاربة من فروع البنك المركزي المتعارضة. ويُضاف إلى ذلك عدم وجود سلطات مالية موحدة، وهو ما تسبب في فرض رسوم جمركية وضريبية مزدوجة.

وواجهت الأعمال ومعها المنظمات الإنسانية العاملة على الأرض في اليمن صعوبات حادة في إدارة شؤونها في ظل الحصار الاقتصادي، فقد أصبحت إمكانية الوصول شديدة الصعوبة وبتكاليف عالية، إذ يمكن أن تستغرق عمليات التفتيش أسابيع قبل وصول السفينة إلى الميناء، ويفرض وقوف السفن في منتصف البحر دون حراك تكاليف إضافية على التجار.[18] ولم يرحم الهبوط الحاد لقيمة الريال اليمني الأعمال التجارية أيضاً، فقد انخفضت قيمة الريال اليمني من 215 ريال نظير كل دولار أمريكي في بداية 2015 إلى 800 ريال بنهاية سبتمبر 2018، وتدخل البنك المركزي (عدن) لإنعاش الريال بعض الشيء في الربع الأخير من عام 2018، حيث وصلت قيمة الدولار الأمريكي إلى ما يقارب 525 ريال يمني مع بداية 2019.

صمود القطاع الخاص

أظهر القطاع الخاص مرونة كبيرة، وقدرة عالية على التكيف مع ظروف الحرب، بالرغم من التحديات العديدة التي رافقتها، مقارنة بالقطاع العام الذي شهد انهياراً كبيراً وواسعاً في مجال توفير الخدمات وأداء مؤسسات الدولة، حيث انكمشت نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2015-2016 بنسبة تقدر بـ 18% مقارنة بالانكماش الذي تكبده القطاع العام والذي قدر بنسبة 31% خلال نفس الفترة.[19] وزادت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 62.3% في 2014 إلى 70% في 2016.[20] فبرز القطاع الخاص كلاعب حيوي على الأرض، في ظل تشظي مؤسسات الدولة على جبهات الحرب مثل وزارة المالية والبنك المركزي، حيث ملأ القطاع الخاص الفجوة التي نشأت في توفير الخدمات الأساسية، كما كشف مسح تم إجراؤه في منتصف عام 2017 تناول قطاع الأعمال في اليمن لقياس مساهمته في الاستجابة الإنسانية، أن أربعة من أصل خمسة أعمال لها يد في جهود الإغاثة الإنسانية من طعام، ورعاية صحية، ومساعدات غذائية.[21]

إضافة إلى ما سبق، أثبت القطاع الخاص نفسه كشريك أساسي للمنظمات الإنسانية الدولية الناشطة على الأرض، حيث عمل على تسهيل حركة البضائع والمال من المتبرعين إلى المستفيدين، إضافة إلى تقديم يد العون للجهات الإنسانية فيما يتعلق بأمور التخزين وغير ذلك من اللوجستيات. يمثل القطاع الخاص اليوم أيضاً مصدر دخل هام لملايين اليمنيين بالرغم من محدودية عمله، في وقت لا يستلم فيه مئات الآلاف من موظفي القطاع العام رواتبهم بشكل منتظم منذ 2016.

المضي قدماً

تبين المؤشرات العالمية السيئة للغاية فيما بتعلق باليمن، أن البلد يواجه صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية، وأيضاً في إعادة رأس المال الوطني والشركات الأجنبية التي هربت من البلاد بحثاً عن بيئة أعمال أكثر أمناً. لا بد من التعامل مع الجهود الرامية إلى وضع تدابير لتحسين بيئة الأعمال الوطنية على أنها أولوية محورية في سبيل جذب الاستثمارات من جديد إلى اليمن وبدء عملية تعافي القطاع الخاص.

التوصيات

حدّد منتدى رواد التنمية الأولويات العامة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وأصحاب الشأن الدوليين، بــ: تسهيل التجارة -استيراداً وتصديراً- والحفاظ على مستويات الاستثمار الحالية في البلاد بهدف زيادة الاستثمارات من خلال تحسين بيئة الأعمال، وفي هذا السياق، يوصي رواد التنمية بالآتي:

  • وضع المعالجات العاجلة للتحديات التي تواجه عملية تسيير طلبات خطابات الاعتماد التي تقدم بها التجار من أجل استيراد السلع الأساسية. بالرغم من أن البنك المركزي اليمني في عدن واللجنة الاقتصادية المرتبطة به قد وضعا آلية عملية لتوفير التمويلٍ لعمليات استيراد السلع الأساسية، ينوه رواد التنمية بأن هذه العملية قد أصبحت مشلولة بصورة شبه كاملة بسبب الصراع بين البنك المركزي اليمني في عدن (المعترف به دولياً) والبنك المركزي اليمني في صنعاء (الذي تتحكم به جماعة الحوثيين وهو غير معترف به دولياً). جوهر الخلاف هو أن البنك المركزي اليمني في عدن يشترط الدفع لخطابات الاعتماد نقداً ولا يقبل الشيكات، إلا أن قيادة البنك المركزي اليمني في صنعاء، حيث يوجد معظم المستثمرين الكبار ومقرات البنوك، تعارض هذه السياسة على أساس ادعاءات بأنها تستنزف سيولة العملة الصعبة من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وقد اتخذت جماعة الحوثيين خطوات لإلزام التجار والمصارف بعدم الامتثال لسياسة البنك المركزي اليمني في عدن. يشدد رواد التنمية على أن حل هذا النزاع والبدء من جديد في إصدار خطابات الاعتماد هي خطوة محورية في سبيل تجنيب البلاد أزمة نقص حادة في السلع الأساسية.
  • مراجعة وتنقيح قائمة البضائع التي يُحظر استيرادها. يشير رواد التنمية إلى أن قائمة المواد التي يحظر التحالف الذي تقوده السعودية استيرادها طويلة للغاية، وهي أيضاً صارمة وعقابية، فحظر هذه البضائع يمنع المستهلكين في اليمن من شراء العديد من المواد الغذائية والمنزلية التي يحتاجونها في حياتهم اليومية، كما أن ذلك يمنع المصانع من الحصول على المواد الخام التي تحتاجها لصناعة منتجاتها. وعلى ذلك، يجب مراجعة قائمة البضائع المحظورة، مع الحرص على السماح باستيراد منتجات أكثر، وتحديداً تلك التي يندر أو ينعدم استخدامها في المجال العسكري.
  • إعداد خطة عمل سريعة لدعم الصادرات وإزالة العوائق البيروقراطية. على سبيل المثال، تم إغلاق الكثير من الشركات العاملة في قطاع صيد الأسماك، فيما تعاني شركات أخرى من قيود شديدة تفرضها بيروقراطية الحكومة وعجزها عن دعمها، وتتنوع العوائق البيروقراطية من الرسوم المتعددة التي تتقاطع فيما بينها في مستويات حكومية متعددة، إلى التنظيمات المتعبة والمتضاربة، ولم تبذل الحكومة اليمنية أي جهد يذكر لتسويق المنتجات اليمنية في الخارج، وقد أهمل مسؤولو الدولة الكبار اتفاقيات تجارية دولية، تم إعدادها على أمل تمهيد الطريق للدول الأوروبية لاستيراد البضائع اليمنية، دون توقيعها وهي موجودة على مكاتبهم منذ أشهر.
  • إعادة تفعيل ودعم الهيئات الحكومية التي من شأنها تيسير التجارة الدولية. تتضمّن هذه الهيئات المجلس الاقتصادي الأعلى والمجلس الأعلى لتنمية التصدير.
  • إعداد قائمة بمشاريع الاستثمارات ذات الأولوية التي يمكن أن تزيد من فعالية القطاعات الحيوية. بحيث أن تشمل هذه القائمة استثمارات في البنية التحتية الخاصة بالموانئ وخطوط الملاحة البحرية، لتسريع عجلة الاستيراد والتصدير عن طريق الشحن عبر البحار، ومن الممكن تسويق هذه القائمة لمانحين وممولين إقليميين ودوليين مهتمين.
  • تبني مشاركة القطاع الخاص، كخطوة أولى نحو بناء شراكة فاعلة بين القطاعين العام والخاص. بالنظر إلى النطاق الضخم للاحتياجات التي ستفرضها الاستثمارات في البنية التحتية والعائدات الحكومية المتردية، فمن غير الوارد أن تستطيع هذه العائدات تمويل تلك الاستثمارات، ولذلك ستكون هناك حاجة لضخ كميات كبيرة من التمويل من قبل القطاع الخاص، إلى جانب ما يقدمه المانحون، لتلبية احتياجات هذه الاستثمارات، ولكن الحكومة اليمنية تفتقر إلى الخبرة في تنفيذ صفقات من هذا النوع في الوقت الذي قد يتوجس لاعبو القطاع الخاص من التعامل مع الحكومة بالنظر إلى وضعها الحالي، ومطالباتها بتنازلات عالية، من أجل إبرام اتفاقيات كاملة الأركان بين القطاعين العام والخاص. ولهذا يُنصح بالعمل بمقاربة تدريجية بتوظيف القطاع الخاص (PSP) لتعزيز خبرة الحكومة وبناء ثقة القطاع الخاص.
  • قبول الاحتكام إلى القانون الدولي بشأن أي عقود موقعة في ظل ضعف النظام القانوني القائم في اليمن. سيكون ذلك على الأرجح شرطاً يطلبه أي ممول دولي يتفاوض حول إقامة استثمارات في اليمن. ولهذا فالأفضل هو القبول بهذا كشرط ضروري إلى حين توطيد مستوى ثقة مقبول في قدرة النظام القضائي اليمني على الفصل في أي خلافات متعلقة بصفقات تجارة دولية كبيرة، على أساس العدل والإنصاف.
  • دعم الاستثمارات في مختلف مناطق اليمن. يجب أن تشتمل هذه العملية على إجراء دراسات ومسوح لتقييم الميزات التنافسية التي تتمتع بها المناطق والأقاليم اليمنية المختلفة، ويجب أن تضمن منح صلاحيات أكبر للسلطات المحلية، فيما يتعلق بالترويج وجذب الاستثمارات الدولية وإدارة الاستثمارات المحلية.
  • إعطاء الأولوية للحفاظ على الاستثمارات القائمة حالياً. يمكن تحقيق ذلك عبر منح حوافز ضريبية وإعفاءات لفترات زمنية محددة، وأيضاً توفير موارد كافية لبرامج دعم الأعمال التجارية، للحفاظ على استمرارية المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
  • تعزيز اللامركزية ودعم وسائل بديلة لإنتاج الطاقة. أحد القطاعات التي تتمتّع بهامش نموٍّ كبير في هذا السياق هي الزراعة. فيتوجب على الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي دعم مشاريع لاستخدام وحدات الطاقة الشمسية لضخ الماء في المناطق التي تتوافر فيها المياه، بالتوازي مع دعم استخدام وسائل ري حديثة.

الهوامش

[1] “Doing Business 2019”, World Bank Group, https://www.worldbank.org/content/dam/doingBusiness/media/Annual-Reports/English/DB2019-report_web-version.pdf. Accessed July 19, 2019.

[2] “Global Competitiveness Report 2018”, The World Economic Forum , http://reports.weforum.org/global-competitiveness-report-2018/country-economy-profiles/#economy=YEM, accessed July 19, 2019. The Legatum Prosperity Index 2018, Legatum Institute https://www.prosperity.com/rankings. Accessed July 19, 2019.

[3] “Corruption Perceptions Index 2017”, Transparency International, https://www.transparency.org/news/feature/corruption_perceptions_index_2017#table. Accessed July 19, 2019.

[4] Amal Nasser, ed. Spencer Osberg, “Beyond the Business as Usual Approach: Private Sector Engagement in Post-Conflict Yemen”, Rethinking Yemen’s Economy, August 29, 2018, https://devchampions.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No3_En.pdf. Accessed July 19, 2019.

[5] Ginny Hill, Peter Salisbury, Léonie Northedge and Jane Kinninmont, “Yemen Corruption, Capital Flight and Global Drivers of Conflict”, Chatham House, September 2013, https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/public/Research/Middle%20East/0913r_yemen.pdf. Accessed July 19, 2019.

[6] “UNCTADStat, General Profile: Yemen,” United Nations, United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Development Statistics and Information Branch (DSIB), 2017, https://unctadstat.unctad.org/CountryProfile/GeneralProfile/en-GB/887/index.html. Accessed July 19, 2019.

[7] “Yemen – Development Policy Grant for the Private Sector Growth and Social Protection Development Policy Grant”, December 14, 2010, http://www.worldbank.org/en/news/loans-credits/2010/12/14/yemen-development-policy-grant-for-the-private-sector-growth-and-social-protection-development-policy-grant. Accessed July 19, 2019.

[8] المصدر نفسه.

[9] المصدر نفسه.

[10] المصدر نفسه.

[11] “The plight of Yemeni private enterprises since the 2011 crisis: A rapid assessment (English),” The World Bank, September 1, 2012, http://documents.worldbank.org/curated/en/819671468169454863/The-plight-of-Yemeni-private-enterprises-since-the-2011-crisis-a-rapid-assessment. Accessed July 19, 2019.

[12] “The plight of Yemeni private enterprises since the 2011 crisis: A rapid assessment (English),” The World Bank, September 1, 2012, http://documents.worldbank.org/curated/en/819671468169454863/The-plight-of-Yemeni-private-enterprises-since-the-2011-crisis-a-rapid-assessment. Accessed July 19, 2019.

[13] المصدر نفسه.

[14] Pedro de Lima, Debora Revoltella, Jorge Luis Rodriguez Meza, Helena Schweiger, “What’s holding back the private sector in MENA? lessons from the enterprise survey (English),”. Washington, D.C.: World Bank Group, 2016, http://documents.worldbank.org/curated/en/170531469775655994/Whats-holding-back-the-private-sector-in-MENA-lessons-from-the-enterprise-survey. Accessed July 19, 2019.

[15] Yemen’s Private Sector – In Search of a Lifeline”, Yemen Socio-Economic Update Issue 11, Ministry of Planning & International Cooperation, February 2016, https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/yseu11_english_final.pdf. Accessed July 19, 2019.

[16] Private Sector: Vital Role in Times of War”, Yemen Socio-Economic Update Issue 35, Ministry of Planning & International Cooperation, July 31, 2018, https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/YSEU35_English_Final.pdf. Accessed July 19, 2019.

[17] M. Rageh, A. Nasser and F. Al-Muslimi, “Yemen Without a Functioning Central Bank: The Loss of Basic Economic Stabilization and Accelerating Famine”, Sana’a Center for Strategic Studies, November 2, 2016, http://sanaacenter.org/publications/main-publications/55. Accessed July 19, 2019.

[18] “Private sector engagement in complex emergencies: case studies from,” ODI, February 9, 2017, https://www.odi.org/publications/10720-private-sector-engagement-complex-emergencies-case-studies-yemen-and-southern-somalia. Accessed July 19, 2019.

[19] Private Sector: Vital Role in Times of War”, Yemen Socio-Economic Update Issue 35, Ministry of Planning & International Cooperation, July 31, 2018, https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/YSEU35_English_Final.pdf. Accessed July 19, 2019.

[20] المصدر نفسه.

[21] Amal Nasser, ed. Spencer Osberg, “Beyond the Business as Usual Approach: Private Sector Engagement in Post-Conflict Yemen”, Rethinking Yemen’s Economy, August 29, 2018, https://devchampions.org/files/Rethinking_Yemens_Economy_No3_En.pdf. Accessed July 19, 2019.

سبتمبر 9, 2019

يقدم موجز السياسات هذا توصيات لزيادة فاعلية الحكومة في اليمن عقب الصراع، ويستعرض الموجز ثلاث نماذج للحكومات الانتقالية التي سبق تطبيقها في اليمن وتونس ولبنان بعد فترات من عدم الاستقرار، لاستخلاص الدروس المستفادة والتحديات والمخاطر والفرص في تشكيل حكومات انتقالية في سياق ما بعد الصراع.

الخياران الأكثر وضوحاً لتشكيل حكومة مباشرة عقب الصراع بهدف قيادة مرحلة انتقالية في اليمن هما حكومة توافقية مع توزيع المقاعد الوزارية بين المكونات السياسية الرئيسية، أو حكومة تكنوقراط لتصريف أعمال وتُعين من قبل رئيس وزراء مُجمع عليه، وتشير دراسات الحالة في اليمن ولبنان إلى أنه يمكن لاتفاقيات تقاسم السلطة أن تؤدي إلى سلام واستقرار نسبيين على المدى القصير، إلا أنه إذا لم يتم تصميمها بشكل صحيح ومتابعتها من خلال إصلاحات إضافية، فقد تؤدي إلى فشل العملية الانتقالية (كما في اليمن بعد عام 2011)، أو قد تؤدي إلى نشوء شبكات محسوبيات راسخة، وجمود سياسي على المدى الطويل (كحال لبنان)، وتوضح دراسة الحالة التونسية قدرة حكومة التكنوقراط المؤقتة على الحكم بكفاءة نسبية مع إتاحة المجال للمفاوضات السياسية.

ويوصي كتاب هذه الورقة بأهمية التوافق حول مهام الحكومة الانتقالية قبل تشكيلها، وتمكين القطاع الخاص من دعم التنمية وإعادة الإعمار، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي عقب الصراع في اليمن؛ وتمكين السلطات المحلية من خلال نقل سلطات أوسع إليها.

مقدمة

تقتصر عملية السلام الحالية التي ترعاها الأمم المتحدة على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين المسلحة، ولديها أجندة ضيقة لإنهاء النزاع الحالي، وفي الفترة الانتقالية التي من المتوقع أن تعقب اتفاق السلام، يتوجب إجراء حوار سياسي أشمل بين اليمنيين بأجندة أوسع. وتركز هذه الورقة على الحكومة الانتقالية في اليمن فور التوصل إلى اتفاق سلام، حيث وسيكون لهذه الحكومة الانتقالية دوراً هاماً في استقرار اليمن وتحقيق مكتسبات السلام لليمنيين.

وللمساهمة في تقديم مقترحات حول كيفية تشكيل هذه الحكومة، يقدم موجز السياسة هذا ثلاثة أنماط مختلفة للحكم الانتقالي تم تطبيقها مسبقاً في اليمن وتونس ولبنان بعد فترات من عدم الاستقرار، لاستخلاص الدروس المستفادة والتحديات والمخاطر والفرص في تشكيل حكومات انتقالية في سياق ما بعد الصراع في اليمن.

لبنان

يوزع نموذج الحكم في لبنان المناصب التنفيذية، والمقاعد الوزارية في الحكومة، ومقاعد البرلمان بين الطوائف الدينية الثمانية عشر المعترف بها رسمياً في البلاد، وكان الميثاق الوطني لعام 1943 عبارة عن اتفاق غير مكتوب قام بوضع الأسس لنظام المحاصصة الطائفية، و قد تم الاتفاق على أن يكون الرئيس مسيحياً مارونياً، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان مسلماً شيعياً باعتماد نسبة تمثيل المسيحيين إلى المسلمين بما يعادل 6 إلى 5، وعلى أساس تعداد سكان البلاد عام 1932، وتم تكريسها في جميع جوانب السلطة، بما في ذلك في البرلمان ومجلس الوزراء، وقد ساعد هذا الترتيب في تقاسم السلطة على زرع بذور عدم الرضى عقب تطبيقه.[1]

وفي الفترة السابقة للحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990، بدأت تزداد التحديات للدور المهيمن الممنوح للمجتمع المسيحي الماروني في البلاد، وساهمت العديد من العوامل المحلية والخارجية في اندلاع العنف الطائفي عام 1975، بما في ذلك المظالم الاقتصادية، ومسالة سيادة الدولة في أعقاب وصول مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، والخلاف على هوية لبنان، والتوترات الإقليمية، غير أن الحرب الأهلية في لبنان على العموم كانت على الأقل محاولة من جانب الجماعات اليسارية والإسلامية في البلاد لمراجعة ترتيب المحاصصة داخل النظام الطائفي.

وقد وفر اتفاق الطائف لعام 1989، والذي اتفق عليه النواب والقادة السياسيون والميليشيات المتحاربة، الأساس لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة الحياة السياسية الطبيعية إلى لبنان، ويمكن اعتبار هذا الاتفاق بمثابة تحديث للميثاق الوطني، حيث تم نقل صلاحيات الرئاسة إلى مجلس الوزراء، وتم تعزيز مكتب رئيس الوزراء باعتباره السلطة التنفيذية الرئيسية وصانع القرار، وتم إنشاء نسبة 1: 1 من المسيحيين إلى المسلمين في جميع مؤسسات الحكومة، وبالإضافة إلى ذلك، حدد الاتفاق إلغاء النظام الطائفي كأولوية وطنية، رغم أن هذا لم يتم تطبيقه بالكامل.[2]

في حين نجح اتفاق الطائف بإعادة توزيع السلطة بين الطوائف اللبنانية بشكل أكثر إنصافاً، إلا أنه فشل في معالجة أوجه القصور الأساسية داخل نظام الحكم، حيث لا يزال توزيع المناصب الحكومية مبني على أسس طائفية حتى يومنا هذا، مما أدى إلى تركيز السلطة الحقيقية بين حفنة من زعماء المِلَل أو “الزيم”، وغالباً ما يتم التعامل مع الوزارات الفردية على أنها إقطاعيات يستخدمها الزعماء لتعزيز شبكات المحسوبيات داخل مِلَلِهم، في حين لا يمكن اتخاذ القرارات الحكومية الرئيسية دون رضى جميع زعماء الطوائف الرئيسية في لبنان، مما يعيق فعالية الحكم، وقد عانت لبنان مؤخراً من حالات تأخير طويل في تعيين رئيس جديد والاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، مع تأثير التأخر في سن التشريعات والإجراءات الحكومية الضرورية على الأولويات الوطنية.[3] كما أن استمرار المعادلة الطائفية يساعد في رفع الهوية الدينية فوق كل شيء في السياسة والحياة إجمالاً، والنتيجة بقاء احتمالات العنف والتعبئة الطائفية تلوح في الأفق.[4]

اليمن

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 بعد ثورة الربيع العربي في اليمن، وقّع علي عبد الله صالح الرئيس اليمني الذي حكم اليمن أكثر من 33 عاما مبادرة لنقل السلطة توسطت فيها دول مجلس التعاون الخليجي، والتي سعت لاحتواء مستويات العنف التي تركت اليمن على شفير حرب أهلية. وحددت مبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية الشروط والأحكام الخاصة بنقل السلطة وخارطة طريق انتقالية مدتها سنتان كانت تهدف إلى الوصول لانتخابات برلمانية ورئاسية في شباط/ فبراير عام 2014.[5]

بعد توقيع المبادرة الخليجية، تم تشكيل حكومة انتقالية شرعت في العمل بشكل مباشر، وتم تقسيم مقاعد الحكومة الانتقالية بالتساوي بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم آنذاك، الذي كان يرأسه صالح، وأحزاب اللقاء المشترك – وهو تحالف قديم يتألف من أحزاب المعارضة الرئيسية في اليمن وقتها، وأكبرها التجمع اليمني للإصلاح، والمعروف شعبياً باسم الإصلاح.[6] كما منحت مبادرة مجلس التعاون الخليجي صالح وعائلته الحصانة من المقاضاة مقابل تسليمه الرئاسة إلى نائبه، عبد ربه منصور هادي في شباط/ فبراير 2012. وشمل مؤتمر الحوار الوطني اللاعبين السياسيين اليمنيين من أجل حل المظالم في البلاد والذي انعقد ابتداءً من 18 آذار/ مارس 2013 حتى 25 كانون الثاني/ يناير 2014.[7]

أثبتت الحكومة الائتلافية الجديدة التي تولت السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2011 أنها غير فعالة بالكامل وغير قادرة على دفع اليمن إلى الأمام، وكان بطء وتيرة صنع القرار والتنفيذ عاملاً محورياً ساهم في عرقلة عملية الانتقال المقررة، وفي تموز/ يوليو 2012، أعلنت الحكومة أخيراً عن برنامجها الانتقالي لتحقيق الاستقرار والتنمية، لكن إنشاء الجهاز التنفيذي – والذي كان يهدف إلى دعم إصلاحات السياسات وتسريع استيعاب المساعدات المتعلقة بالبرنامج الانتقالي – استغرق حتى نهاية عام 2013.[8] ما أن بدأ الجهاز التنفيذي في العمل حتى دخلت قوات الحوثيين – بمساعدة وحدات الجيش اليمني الموالية لصالح – صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014 إثر موجة من الغضب الشعبي على رفع الدعم عن مادة الوقود وتدهور الخدمات الأساسية واستمرار الفساد.[9] وساعد غياب الحكم الرشيد والمخرجات الملموسة على مضي عملية الانتقال نحو الفشل، ومن غير المرجح أن يتسامح اليمنيون مع مثل هذه التأخيرات في أي عملية انتقالية قادمة.

وقد تم شل الحكومة الانتقالية بالمشاحنات الداخلية، وركز أعضاء مجلس الوزراء على استرضاء مؤيديهم وإلقاء اللوم لفشلهم الجماعي على شركائهم في الائتلاف.[10] كما قامت الأحزاب السياسية بتوزيع وظائف القطاع العام على مؤيديها لتعزيز مراكزهم في الحكومة.[11] وتم توظيف ما يقرب من 60,000 موظف حكومي مع نمو متسارع لشبكات المحسوبية، مما أدى إلى استنزاف الإيرادات الحكومية.[12] وقد تم تعزيز ذلك بانعدام الشفافية والمساءلة.

خلال فترة الانتقال السياسي، كان تركيز المجتمع الدولي إلى حد كبير على المسار السياسي، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني، بدلاً من الضغط على الحكومة لإحراز تحسن ملموس في حياة الناس اليومية، وأدى افتقار كل من الحكومة والمجتمع الدولي إلى الاهتمام بتوفير الخدمات العامة الأساسية إلى موجة كبيرة من الاستياء.

تونس

كانت تونس أول بلد شهد موجة الثورات العربية عام 2011 وأول من حاول الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطي.[13] حيث أجرت تونس أول انتخابات حرة في تاريخ البلاد في تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام، حيث تم ترشيح أعضاء في الجمعية التأسيسية المكلفة بإعادة كتابة دستور البلاد، وفاز حزب النهضة الإسلامي الذي تم تشريعه حديثاً.[14] ومع ذلك، بدأت التوترات تتصاعد بين الإسلاميين الحاكمين والمعارضة اليسارية العلمانية، وخاصة بعد اغتيال اثنين من الشخصيات السياسية العلمانية البارزة في عام 2013.[15]

مع ازدياد العنف واحتجاجات المعارضة والجمعية التأسيسية المتعطلة في تونس، تدخّل المجتمع المدني لتهدئة التوترات المتصاعدة، وتم تشكيل اللجنة الرباعية للحوار الوطني التونسي في صيف عام 2013 بهدف تسهيل المفاوضات بين الحزب الحاكم والمعارضة.[16]

وكشرط مسبق للمفاوضات، قدمت اللجنة الرباعية خارطة طريق يتوجب على جميع الأطراف الموافقة عليها قبل بدء الحوار الوطني، حيث اشترطت خارطة الطريق استقالة الحكومة القائمة واستبدالها بحكومة تكنوقراط مستقلة، وتحديد مواعيد نهائية محددة لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وشروط التفاوض والموافقة على دستور جديد.[17]

في ديسمبر/ كانون الأول، قبلت الأحزاب الحاكمة والمعارضة تعيين المهندس مهدي جمعة وزير الطاقة لقيادة حكومة التكنوقراط،[18] والتي ستستمر بعد تشكيلها في كانون الثاني/ يناير 2014 بالإشراف على أول انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية في البلاد في تشرين الأول/ أكتوبر 2014.[19] وترأس مهدي جمعة مجلس الوزراء الذي يتألف من 21 وزيراً وسبعة وزراء معتمدون. وكان أعضاء مجلس الوزراء، بمن فيهم أولئك الذين تولوا مناصب وزارية حساسة (مثل وزراء الخارجية والدفاع والداخلية والعدل)، جميعهم من المستقلين الذين لا ينتمون إلى أي حزب سياسي، ثم تم حل حكومة التكنوقراط في شباط/ فبراير 2015 بعد إجراء الانتخابات وموافقة البرلمان التونسي على تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة.

لقد أعطت تسمية حكومة تكنوقراط مستقلة مدتها سنة واحدة أصحاب المصالح المختلفين مساحة لمواصلة مفاوضاتهم السياسية والوصول إلى نقطة إجماع للمضي قدماً.[20] وقامت حكومة جمعة غير المسيسة لتصريف الأعمال بإدارة تونس بأسلوب كفء ومتماسك لم يمكّن البلد من العمل وتوفير البيئة اللازمة لانتقال آمن ومخطط فحسب، بل تمثل اللجنة الرباعية ومساهمة حكومة التكنوقراط في مسيرة تونس نحو الحكم الديمقراطي نموذجاً لكيفية دمج منظمات المجتمع المدني والتكنوقراط كحَكَمين محايدين لسد الفجوة بين القوى السياسية المتصادمة في أوقات الاضطرابات السياسية.[21]

تحديات تشكيل الحكومة عقب الصراع

كما توضح دراسات الحالة الواردة أعلاه، هناك عدد من التحديات التي قد تواجه تشكيل الحكومات الانتقالية عقب الصراع أو مرحلة عدم الاستقرار، وأحد هذه التحديات الرئيسية يتمثل في إبقاء الجهات الفاعلة السياسية والعسكرية منخرطة في عملية بناء السلام، لضمان عدم عرقلتهم لهذه العملية. ومن الممكن تحقيق هذه المشاركة من خلال منح اللاعبين السياسيين والعسكريين الحقيقيين إمكانية تحديد من يُعين في الحكومة الانتقالية الجديدة، أو عن طريق تكليفهم باختيار مرشح توافقي لتشكيل حكومة تكنوقراط مؤقتة مع تواصل المفاوضات السياسية.

التحدي الآخر هو الوصول إلى إجماع حول مهام الحكومة الانتقالية وتحديد الإطار الزمني لها وإجراءات نقل السلطة إلى الحكومة المقبلة بعد انتهاء الفترة الانتقالية.

كما يجب التطرق إلى دور الحكومة الانتقالية عقب الصراع في العملية السياسية والمصالحة الوطنية، حيث يتوجب التوافق على ما إذا كان هناك أي دور سياسي للحكومة الانتقالية، أو أن ينحصر دورها على تسيير الأعمال وتقديم الخدمات العامة للمواطنين، بدون ان يكون لديها أي دور سياسي في تحديد مستقبل اليمن، فيما تنحصر السلطة السياسية في هيكل سياسي آخر كالهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات الحوار، أو مجلس رئاسي جديد، أو مزيج من مجلس الشورى والبرلمان بعد التوافق على إصلاحهما.

خيارات الحكم عقب الصراع في اليمن

هناك خيارات عديدة لحكم اليمن بمجرد التوصل إلى تسوية سياسية، ففي نهاية المطاف، سيكون تشكيل الحكومة الانتقالية معتمِداً جزئياً على عملية السلام التي ستنهي الحرب ونتائج التسوية السياسية. وبالنظر إلى الديناميكيات الحالية للنزاع، فإن الخيارين الأكثر وضوحاً هما تقسيم الحقائب الوزارية بين المكونات السياسية الرئيسية، أو حكومة تكنوقراط يعينها رئيس وزراء توافقي.

إن تقسيم مقاعد مجلس الوزراء بين الأطراف الرئيسية للنزاع قد يقلل من خطر إفساد أحدها لعملية السلام، إلا أن هذا النموذج يمكنه أيضاً منح أعضاء مجلس الوزراء سلطة مفرطة على مؤسسات الدولة ومواردها، مما من شأنه أن يخلق سياقاً مشابهاً للسياق الذي تولت فيه الحكومة الانتقالية السابقة مهامها، والذي أدى إلى تنافس داخل الوزارات على السلطة وقيام الأحزاب بإساءة استخدام المؤسسات الخاضعة لسيطرتها لتعزيز شبكات المحسوبيات لديها.

وتشير دراسات الحالة المقدمة أعلاه إلى أن اتفاقات تقاسم السلطة بين القوى السياسية المتنافسة أدت إلى فشل الانتقال السياسي في اليمن بعد عام 2011، وإلى جمود سياسي وتوطيد لشبكات المحسوبية في لبنان، وفي الوقت نفسه بمثال تونس، يمكن لحكومة التكنوقراط أن تعمل بكفاءة أكبر مع توفير مساحة لحل المنافسة السياسية، كما أن من شأن الوزارات العاملة والخدمات العامة أن تساعد في تأمين رضى الجماهير بالعملية الانتقالية.

وفي حالة اليمن عقب الصراع، يمكن لحكومة التكنوقراط التي يشكلها رئيس وزراء توافقي أن تتجنب الصراع الوزاري المناطقي المشحون سياسياً، حيث يسعى فيه وزراء الأحزاب المعارضة إلى التقدم السياسي على منافسيهم، كما أنه سيقلل من استخدام الوزراء لمراكزهم لدفع شبكات المحسوبية للأحزاب، وبدلاً من ذلك، يمكن أن تركز حكومة التكنوقراط على الحكم وتقديم الخدمات الأساسية بدلاً من التنازع السياسي، وسيساعد هذا الخيار في حماية موارد الدولة من سطوة الجماعات السياسية، إضافة إلى أنه سيكون لديها فرصة أكبر لتأمين رضى الجنوب، الأمر الذي سيكون تحدياً للحكومة التوافقية، وفي حين أنه سيكون لحكومة التكنوقراط الفرصة الأمثل للعمل دون هيمنة سياسية مفرطة، إلا أنها ستعتمد على دعم متواصل عابر للأحزاب والذي ربما لا تحصل عليه، لذلك سيكون استمرار الاهتمام الدولي والضغط على جميع الأطراف خلال العملية الانتقالية أمراً بالغ الأهمية.

توصيات

فيما يبدو أن حكومة التكنوقراط توفر أكبر فرصة للاستقرار والكفاءة في اليمن عقب الصراع، تقدم التوصيات التالية بهدف زيادة فعالية الحكومة إلى الحد الأقصى بغض النظر عن النموذج المُختار، حيث تركز هذه التوصيات على: سلطة الحكومة الانتقالية عقب الصراع؛ تطوير القطاع الخاص؛ وتمكين الحكم المحلي.

1) بناء إجماع حول مستوى واضح لحجم تفويض الهيكل السياسي الحاكم عقب الصراع

يجب الاتفاق على تفويض واضح للحكومة الانتقالية خلال فترة المفاوضات، وقبل تشكيل الحكومة، ويجب على جميع الأطراف الالتزام بعدم التدخل في عمل الهيكل السياسي الحاكم.

  • يجب أن تعمل الحكومة الانتقالية بالتوازي مع استمرار المفاوضات السياسية الأوسع نطاقاً والشاملة للأطراف المحلية الفاعلة الأخرى، بما في ذلك الفصائل الجنوبية، والمؤتمر الشعبي العام، والقيادات الناشئة على مستوى المحافظات، وجهات أخرى، ويجب أن تتضمن المفاوضات السياسية أجندة عمل أوسع لمستقبل اليمن.
  • يجب الاتفاق على فترة محددة لولاية الحكومة الانتقالية، مع أطر زمنية واضحة لنقل السلطة.
  • بغض النظر عن النموذج الذي يتم اختياره، يجب معالجة القضايا العسكرية والأمنية من قبل لجنة أمنية عسكرية مشتركة، حيث تمت مناقشة ذلك سابقاً في محادثات السلام الأممية في الكويت، ويسمح ذلك للحكومة الانتقالية بالتركيز على القضايا الأقل حساسية وعلى إدارة الشؤون اليومية للبلاد.
  • يجب على الحكومة إعطاء الأولوية لتقديم الخدمات الأساسية، وميزانية جديدة، وخلق فرص العمل، والعمل على استعادة البنك المركزي اليمني ككيان موحد له القدرة على تأمين استقرار العملة الوطنية وتنظيم القطاع المالي في البلاد.
  • يجب أن يكون رئيس الوزراء المختار لقيادة الحكومة الانتقالية قادراً على بناء توافق في القرارات الحكومية بما فيها تعيينات الحكومة، وله علاقات قوية وإيجابية مع جميع أصحاب المصلحة.
  • يجب تشكيل كيان مستقل لمراقبة وتقييم أداء الحكومة الانتقالية بانتظام، كما يجب أن يراقب هذا الكيان مؤشرات الأداء للحكومة وللوزراء بشكل فردي، ويجب نشر نتائج هذه التقييمات على الملاً من أجل ضمان الشفافية والمساءلة.

2) تمكين القطاع الخاص لدعم التنمية وإعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي عقب الصراع

يجب أن تركز الحكومة الانتقالية على تطوير القطاع الخاص بهدف خلق فرص العمل، وإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة التدفقات المالية إلى الاقتصاد الرسمي وتعزيز الاستقرار بهدف تحسين فرص السلام المستدام.

  • يجب أن تقوم الحكومة ببناء قدرات الأعمال المحلية لخلق فرص العمل وتنفيذ البرامج، وضمان امتلاك الشركات المحلية للأدوات والمهارات اللازمة للاستفادة من التدخل الدولي.
  • يجب على الحكومة ضمان وصول القطاع الخاص إلى التمويل والتركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة ورجال الأعمال، ويجب على الحكومة والجهات المانحة الدولية مساعدة الجهات الفاعلة في القطاع الخاص على تطوير آليات مالية مشتركة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة والبيئة الحاضنة الأعمال.
  • يجب أن تركز السياسات الحكومية على مؤسسات التمويل الأصغر ذات الخبرة في اليمن لتعزيز شمولية المؤسسات المالية على نطاق أوسع في جميع أنحاء اليمن، كما يجب تمكين بنوك وشركات التمويل الأصغر من أجل تقديم الخدمات المالية للأفراد وخدمات إدارة النقد للشركات الصغيرة، علاوة على ذلك، ينبغي تعزيز التطبيقات المصرفية عبر الهاتف المحمول في اليمن بهدف توسيع نطاق وصول المقترضين من ذوي الدخل المنخفض.
  • يجب على الحكومة إصلاح بيئة الأعمال من خلال:
    • إنشاء نظام ضريبي يشجع نمو المشاريع الصغيرة، ويقدم حوافز ضريبية للمؤسسات المتوسطة والكبيرة المربحة لاستثمار رأس المال، مع زيادة الضرائب على الأرباح المودَعة؛
    • تمكين مؤسسات مكافحة الفساد؛
    • تشجيع الاستثمارات من خلال تخفيف بعض الإجراءات الناظمة التي تقيد الاستثمارات الأجنبية وتثبط نشوء مشاريع جديدة.
  • يجب على الحكومة إعطاء الأولوية لـ “المكاسب السريعة”، كالإصلاحات الاقتصادية التي يمكن أن تحقق نتائج فورية، وقد يشمل ذلك الإصلاحات لبناء قدرة المحاكم التجارية للتعامل مع المنازعات التجارية.

لمزيد من التفاصيل حول كيفية قدرة القطاع الخاص على لعب دور إيجابي في جهود تحقيق الاستقرار على المدى القصير والطويل، انظر الكتاب الأبيض لرواد التنمية: “مشاركة القطاع الخاص في اليمن بعد انتهاء النزاع”.[22]

3) تمكين السلطة المحلية من خلال نقل سلطة أكبر إلى هيئات الحكم المحلي

يجب على الحكومة الانتقالية تسهيل نقل المسؤولية إلى السلطات المحلية، ويجب على الحكومة وضع آليات لتقييم ومساءلة السلطات المحلية عن أدائها وتأمين الخدمات.

  • يجب على الحكومة الانتقالية إجراء تقييم شامل لتحديد المجموعات والأفراد النافذين على مستوى المحافظات والمديريات وتقييم القاعدة الشعبية الداعمة لهم محلياً وقدرتهم على تقديم الخدمات العامة، كما يجب أن يدفع هذا التقييم نحو اللامركزية، وأن تقوم الحكومة أيضاً بالاستفادة من عمق معرفة السلطة المحلية بالسياقات والديناميكيات المحلية في هذه العملية.
  • يجب على حكومة تصريف الأعمال إصدار تعليمات ناظمة مؤقتة لنقل الصلاحيات الرسمية إلى مستوى المحافظات والمديريات، وأن تتضمن هذه التعليمات المؤقتة ما يلي:
    • تخويل المجالس المحلية للوصول إلى الموارد المستدامة وتطويرها على المستوى المحلي وإنفاق الإيرادات منها على احتياجاتهم؛
    • تخصيص حصة من الموارد المركزية لكل محافظة على أساس معايير تمويل شفافة؛
    • ضمان تمتع المجالس المحلية بسلطات إدارية كافية للإشراف على تقديم الخدمات والحكم الفعال وردع شبكات المحسوبية على الصعيد المحلي؛
    • إعطاء الأولوية للرقابة والمساءلة المستقلة.

لمزيد من التفاصيل حول أهمية الحكم المحلي في اليمن في أعقاب تصاعد النزاع في آذار/ مارس 2015 وتراجع الحكومة المركزية، انظر الكتاب الأبيض لرواد التنمية: “الحكم المحلي في اليمن وسط النزاعات وعدم الاستقرار”.[23]


الهوامش

[1] قبل الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، كان الرئيس يحكم بسلطة تنفيذية مطلقة وله وحده سلطة تعيين وإقالة رئيس الوزراء وتشكيل مجلس وزاري دون أي آليات رقابة. بالإضافة إلى تولي المسيحيين المارونيين المناصب العسكرية العليا، وحاكم المصرف المركزي وأعلى مناصب قضائية ورئيس المخابرات. انظر: Hassan Krayem, “The Lebanese Civil War and the Taif Agreement,” American University of Beirut, http://ddc.aub.edu.lb/projects/pspa/conflict-resolution.html. Last access 22 March 2019.

[2] “وثيقة الوفاق الوطني – اتفاقية الطائف”، والموقعة في 22 تشرين/ الأول أكتوبر 1989، مكتب رئاسة الجمهورية اللبنانية، https://www.presidency.gov.lb/Arabic/LebaneseSystem/Documents/TaiifAgreementn.pdf، تم آخر وصول22 مارس / آذار 2019.

[3] “Michel Aoun Elected President of Lebanon,” Al Jazeera, October 31, 2016, https://www.aljazeera.com/news/2016/10/michel-aoun-elected-president-lebanon-161031105331767.html, last access 22 March 2019; Benjamin Redd, “Lebanon Marks 75th Birthday as it Waits for 75th Cabinet,” Daily Star, November 22, 2018, http://www.dailystar.com.lb/News/Lebanon-News/2018/Nov-22/469825-lebanon-marks-75th-birthday-as-it-waits-for-75th-cabinet.ashx, last access 22 March 2019

[4] Krayam, “Civil War.”

[5] المرجع نفسه.

[6] “Policy Brief — Breaking the Cycle of Failed Negotiations in Yemen,” Project on Middle East Democracy (POMED), https://pomed.org/pomed-policy-brief-breaking-the-cycle-of-failed-negotiations-in-yemen/

[7] تشكل مؤتمر الحوار الوطني من 565 مندوباً عن العديد من الأحزاب السياسية الرئيسية في اليمن والمكونات الاجتماعية المتنوعة ومنحهم الفرصة لإبداء رأيهم في إعادة صياغة البلاد من خلال المشاورات التي تهدف إلى معالجة عدد من القضايا الهامة التي لم تحل بعد، بما فيها: قوانين الزواج والهوية الدينية للدولة والإصلاح السياسي؛ بالإضافة إلى العدالة الانتقالية، والأهم من ذلك ربما، هيكلية الدولة وشكل الحكم بالفيدرالية كخيار رائد في هذا الصدد. انظر: “Yemen National Dialogue Conference Participants,” The National, March 18, 2013, https://www.thenational.ae/world/mena/yemen-national-dialogue-conference-participants-1.292425. last access 22 March 2019. كما حاول المؤتمر بشكل خاص معالجة المظالم الهامة لدى الحوثيين – قبل وبعد الحروب الستة التي خاضوها بين عامي 2004 و2010 ضد صالح والقوات الحكومية اليمنية التي كان يسيطر عليها في ذلك الوقت – ومظالم الجنوبيين، والتي تنبع من تجربة وحدةغير مستقرة، ونوقشت هذه القضايا والمظالم، ضمن أمور أخرى، في إطار تسع مجموعات عمل منفصلة، وعلى النحو التالي: القضية الجنوبية؛ قضية صعدة؛ القضايا الوطنية والعدالة الانتقالية؛ بناء الدولة؛ الحكم الرشيد؛ الجيش والأمن؛ استقلالية الهيئات الخاصة، الحقوق والحريات؛ ومجموعة العمل للتنمية.

[8] “Transitional Program for Stabilization and Development (TSPD),” Republic of Yemen Ministry of Planning and International Cooperation, September 2012, http://www.ye.undp.org/content/yemen/en/home/library/democratic_governance/transitional-program-for-stabilization-and-development–tpsd–20.html, last access 22 March 2019.

[9] Mohammad Ghobari, “Houthis tighten grip on Yemen capital after swift capture, power-sharing deal,” Reuters, September 22, 2014, https://www.reuters.com/article/us-yemen-security-idUSKCN0HH2BQ20140922, last access 22 March 2019.

[10] Peter Salisbury, “Corruption in Yemen: Maintaining the Status Quo?” in Rebuilding Yemen: Political, Economic, and Social Challengers, ed. Noel Brehony and Saud al-Sarhan (Berlin: Gerlach Press, 2015), 72-73.

[11] المرجع نفسه.

[12] المرجع نفسه.

[13] أدى قيام محمد البوعزيزي بحرق نفسه احتجاجاً على الظروف الاقتصادية القاسية للبلاد، والمظاهرات الشعبية اللاحقة إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي في يناير/ كانون الثاني 2011.

[14] “Ennahda wins Tunisia’s election,” Al Jazeera, October 28, 2011, https://www.aljazeera.com/news/africa/2011/10/2011102721287933474.html

[15] Carlotta Gall, “Second Opposition Leader Assassinated in Tunisia,” New York Times, July 26, 2013, https://www.nytimes.com/2013/07/26/world/middleeast/second-opposition-leader-killed-in-tunisia.html. Last access 22 March 2019.

[16] كانت اللجنة الرباعية مؤلفة من أربع منظمات من المجتمع المدني التونسي: الاتحاد العمالي التونسي ذي النفوذ التاريخي والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والحرف اليدوية؛ نقابة المحامين التونسية؛ والرابطة التونسية لحقوق الإنسان. انظر: Issandr El Amrani, “Tunisia’s National Dialogue Quartet Set a Powerful Example,” International Crisis Group, October 10, 2015, https://www.crisisgroup.org/middle-east-north-africa/north-africa/tunisia/tunisia-s-national-dialogue-quartet-set-powerful-example. Accessed March 22, 2019.

[17] Sarah Chayes, “How a Leftist Labor Union Helped Force Tunisia’s Political Settlement,” Carnegie Endowment for International Peace, March 27, 2014, http://carnegieendowment.org/2014/03/27/how-leftist-labor-union-helped-force-tunisia-s-political-settlement. Accessed March 22, 2019.

[18] “Tunisia Industry Minister Mehdi Jomaa to be new PM,” BBC News, December 14, 2013, https://www.bbc.com/news/world-africa-25385984. Accessed March 22, 2019.

[19] Tarek Amara, “Tunisia’s Islamist Cede Power to Caretaker Government,” Reuters, January 29, 2014, https://www.reuters.com/article/us-tunisia-government/tunisias-islamists-cede-power-to-caretaker-government-idUSBREA0S1KI20140129. Accessed March 22, 2019. كما ساعد الحوار الوطني الذي بدأته الرباعية في تسهيل الاتفاق على دستور تونسي جديد، والذي تم إقراره في الجمعية التأسيسية في يناير/ كانون الثاني 2014. ونظراً لجهودها في إنشاء “عملية سياسية سلمية بديلة في وقت كانت فيه البلاد على شفا الحرب الأهلية “ولبناء الديمقراطية التعددية في تونس، حصلت اللجنة الرباعية على جائزة نوبل للسلام في عام 2015؛ انظر: “The Nobel Peace Prize for 2015,” Noble Prize, October 10, 2015 https://www.nobelprize.org/prizes/peace/2015/press-release/. last access 22 March 2019.

[20] وافقت القوى الحاكمة والمعارضة باستثناء حزب واحد على خارطة الطريق وبدء حوار وطني في أكتوبر/ تشرين الأول 2013. حيث لعبت اللجنة الرباعية دوراً نشطاً للغاية كوسيط وراعٍ للمحادثات ونجحت في إعطاء المساحة اللازمة لتتمكن المفاوضات من نزع فتيل التوترات السياسية في البلاد.

[21] يعزى نجاح اللجنة الرباعية إلى حد كبير إلى المصداقية التي تتمتع بها في نظر معظم التونسيين. حيث كانت المنظمات، ولا سيما النقابات العمالية كالاتحاد العمالي والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، مؤثرة حتى في ظل الحكم الاستبدادي في تونس، ولعبت مشاركتها في ثورة 2011 دوراً حاسماً في سقوط حكومة بن علي.

[22] أمل ناصر، “مشاركة القطاع الخاص في اليمن بعد انتهاء النزاع”، إعادة التفكير في الاقتصاد اليمني، أغسطس/ آب 2018، https://devchampions.org/uploads/publications/files/Rethinking_Yemens_Economy_No3_Ar.pdf، تم آخر وصول 22 مارس / آذار 2019.

[23] وضاح العولقي وماجد المذحجي “الحكم المحلي في اليمن في ظل النزاع والاضطراب”، إعادة التفكير في الاقتصاد اليمني، يوليو/ تموز 2018، https://devchampions.org/uploads/publications/files/Rethinking_Yemens_Economy_No2_Ar.pdf، تم آخر وصول في 25 مارس / آذار 2019.

أغسطس 5, 2019

عن ماذا تبحث