اتسمت الجهود السابقة لإعادة الإعمار ما بعد النزاع أو الكوارث الطبيعية في اليمن بضعف التنسيق، وارتفاع توقعات المانحين الدوليين، ومحدودية قدرات الحكومة اليمنية على استيعاب المساعدات وتنفيذ المشاريع، مما أدى إلى عدم تحقق تغيير ملموس على المدى الطويل.
في ضوء هذه الدروس المستخلصة من سياقات مشابهة لما بعد النزاع وكذلك من الماضي اليمني نفسه، يقترح موجز السياسات أدناه إيجاد بنية مؤسسية واضحة وقوية لإعادة إعمار مستقبلية في اليمن، تتمثل في هيئة عامة دائمة ومستقلة لإعادة الإعمار، تعمل على تمكين وتنسيق العمل بين مكاتب إعادة الاعمار المحلية التي ستؤسس على المستوى المحلي في المناطق المتأثرة بالصراع او الكوارث الطبيعية. ولا يأتي هذا المقترح نتيجة للدروس السابقة فقط، ولكن أيضا استجابة للحاجة الملحة لمثل هـذه الهيئة للبدء في التخطيط وتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بأفضل ما يمكن.
يجب أن يكون لهذه الهيئة المعنية بإعادة الإعمار صلاحيات واضحة لإدارة جميع المهام المطلوبة في عملية إعادة الإعمار في أعقاب النزاع الحالي، وأيضاً الأزمات المقبلة. وينبغي أن يضم مجلس إدارتها مجموعة من أصحاب المصلحة، وأن يرأسها نائب رئيس الوزراء لشؤون إعادة الإعمار لضمان حصولها على أعلى مستويات الدعم. كما ينبغي أن تتخذ نهجاً مؤسسياً مختلطاً شاملاً ومتعدد المستويات، وأن تمتلك خطة واضحة طويلة الأمد لبناء قدرات الدولة. عليها كذلك أن تنشئ وحدة رصد وتقييم خاصة بها لإثبات الالتزام بالشفافية. الأهم من ذلك أن عليها وضع إطار واضح للعمل عن كثب مع جميع أصحاب المصلحة.
يعود النزاع الحالي في اليمن إلى عقود من الاضطراب السياسي والاقتصادي. وأية جهود لإعادة الإعمار في المستقبل ستكون مهمة شاقة. فعلى سبيل المثال تظهر تقديرات البنك الدولي ان قرابة ربع شبكة الطرق قد هدمت إما جزئيا أو كليا في عشر مدن يمنية تم فيها المسح خلال العام 2016، إضافة إلى تراجع إنتاج الطاقة إلى النصف، وكذلك تدمير قرابة نصف شبكات المياه والصرف الصحي. ومع تفاقم حدة الصراع منذ ذلك العام، يتوقع أن مستوى الدمار يفوق تلك التقديرات بشكل كبير.
في أوائل عام 2017 أعلنت الأمم المتحدة أن اليمن يمثل أسوأ أزمة إنسانية في العالم؛ وبحلول نهاية العام، وحتى إبريل ٢٠١٨ كان حوالي 22.2 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، منهم 8.4 مليون إنسان معرضين لخطر المجاعة . وقد عانى الاقتصاد اليمني من انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ٤٧.١% بين 2015 و2017، في حين أفادت 40% من الأسر عن فقدان مصدر دخلها الأساسي . وقد تم تعليق معظم الخدمات العامة، مما أدى إلى خسارة 16 مليون شخص القدرة على الوصول إلى مياه صالحة للشرب وفقدان 16.4 مليون شخص القدرة على الحصول على رعاية صحية مناسبة.
وفي الواقع المعاش حاليا لا توجد دلائل على انتهاء النزاع قريباً. لكن يتوجب على أصحاب المصلحة المعنيين بتحقيق سلام دائم في اليمن سرعة البدء في إرساء الأساس لإطار إعادة الإعمار في أعقاب توقف الحرب كونها مهمة عاجلة. وقد أثبتت التجارب الدولية أن من الضرورة البدء مبكراً في التخطيط لإعادة الإعمار.
يتكون هذا الموجز والذي هو مبني على ورقة بحثية تفصيلية (ورقة بيضاء) على الأقسام التالية:
تسعى هذه الورقة إلى تحديد كيفية ضمان التدفق السليم للأموال ودقة توقيت وجودة تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار بعد الحرب. كما أن التقرير يؤكد على أهمية حوكمة ويمننه الهيئة – أي قيادة هذا الجهد من قبل اليمنيين والحرص على إشراك وتأييد جميع أصحاب المصلحة اليمنيين. من شأن هذا الإطار الشامل أن يبني قدرة الدولة اليمنية على تلبية الاحتياجات والحقوق الأساسية لمواطنيها، مما يضع البلاد على طريق الاستقرار الدائم.
خاضت اليمن تجارب عديدة لإعادة الإعمار، نظراً لتجارب طويلة مع الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة، ففي العقود الأخيرة، أصابت اليمن العديد من الكوارث الطبيعية، فقد أدى الزلزال الذي وقع في ذمار عام 1982 إلى مقتل قرابة 2500 إنسان وإصابة 1500 آخرين بجروح، وقدرت قيمة الخسائر التي سببها الزلزال بـ2 مليار دولار. بالرغم من أن المكتب التنفيذي لإعادة إعمار أضرار زلزال ذمار، الذي أنشئ بعد الزلزال، قام ببناء وحدات سكنية مقاومة للزلازل إلا أن معظمها لم تسكن إلى اليوم وذلك لعدم ملاءمتها الثقافية لمتطلبات المجتمعات المحلية. لم يكن دور المكتب التنفيذي فعالاً أيضا بسبب قدرته المحدودة على التنسيق والرقابة. كما تسببت فيضانات حضرموت والمهرة في عام 2008 بخسائر قدرت بنحو 1.6 مليار دولارا . وبالرغم من نجاح صندوق إعادة إعمار حضرموت والمهرة في إشراك أصحاب المصلحة المحليين، لكنه افتقر إلى آلية تنسيقية وإطار رقابي فعال. ولم يتمكن الصندوق من الاستفادة من مبلغ الـ210 مليون دولار الذي خصص له بشكل كامل، فقد تمكن من إنفاق 70% فقط من إجمالي التمويل المتاح له.
كذلك شهدت اليمن سنوات من الاضطرابات المستمرة. فقد أدى النزاع المتكرر في محافظة صعدة بين 2004 و2010 إلى مقتل المئات وإصابة آلاف آخرين، وتسبب في أضرار تقدر بحوالي 600 مليون دولار . وقد أنشئ صندوق لإعادة إعمار صعدة بموازنة قدرها 55 مليون دولار من الحكومة اليمنية، إلا أنه أهمل البنية التحتية العامة لصالح إعادة بناء الممتلكات الخاصة، كما واجه اتهامات واسعة النطاق بـ”التحيز في إعادة الإعمار”، حيث توجهت جهود إعادة الإعمار إلى مناطق دون أخرى بناء على الولاءات الشخصية وليس الحاجات المحلية.
وقد بلغت تكلفة سيطرة تنظيم القاعدة على محافظة أبين وما تلا ذلك من عمليات قتالية في الفترة 2011-2012 قرابة ـ580 مليون دولار . خصصت موازنة لصندوق إعادة إعمار أبين بمبلغ 46.5 مليون دولار، غير أن الصندوق لم يقدم شيئاً يذكر لاستيعاب هذا التمويل، وسرعان ما ساءت سمعته نتيجة سوء الإدارة والفساد والاختلاس. وقد قدر تقرير تقييم الصندوق أن 4.2 مليون دولار أنفقت بأشكال احتيالية و1.4 مليون دولار منحت كتعويضات لمستفيدين وهميين.
وبناء على طلب المانحين الدوليين، أنشئ المكتب التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين ودعم سياسات الإصلاحات عام 2012 لبناء قدرات الدولة بعد أحداث عام 2011 . ومع ذلك، لم يكن لدى المكتب الصلاحية السياسية اللازمة للتغلب على مقاومة الوزارات التي اعتبرت المكتب منافساً لها. عندما استولى المقاتلون الحوثيون على صنعاء أواخر 2014، تراجعت قدرة المكتب التنفيذي على العمل. وعلى الرغم من المحاولات اللاحقة لإحيائه، فإن تمويل المانحين للمكتب انتهى منتصف العام 2015؛ ومع تدهور الحالة الأمنية، تم سحب تمويل المكتب.
مع ذلك، فإن لدى اليمن أمثلة ناجحة لمبادرات مبتكرة لاستيعاب أموال المانحين وتقديم الخدمات العامة، وإن لم تكن في سياق ما بعد النزاع .
فمنذ منتصف التسعينات، عملت وكالات شبه مستقلة بالتوازي مع الحكومة المركزية لتقديم الخدمات العامة وبالذات في المناطق الريفية. فقدم مشروع الأشغال العامة، وصندوق الرعاية الاجتماعية، والصندوق الاجتماعي للتنمية، نموذجاً لتوفير خدمات تتسم بالكفاءة والفعالية والشفافية في اليمن. لدى كل من هذه المؤسسات سلطة قانونية مصممة بعناية توفر استقلالية كافية مع الاحتفاظ بعلاقة محددة جيداً مع الحكومة. وهي هيئات مستقلة ولها نظمها الخاصة الشفافة والفعالة، وتتخذ نهجاً لامركزياً تقوده المجتمعات المحلية، وقد اجتذبت بذلك مستوى أعلى من انخراط الجهات المانحة وتمويلها. إلا أنها صُمّمت لتكون بديلاً قصير الأجل فقط؛ حيث لا توجد استراتيجية واضحة لكيفية دمجها بشكل دائم في الهيكل الحكومي.
كما هو موضح أعلاه، لم تتمكن جهود إعادة الإعمار اليمنية من استيعاب المساعدات أو تنفيذ المشاريع بنجاح. ولا توفر المبادرات السابقة نموذجاً ناجحاً يمكن الاعتماد عليه لإعادة الإعمار في المستقبل، لا سيما وأن الدمار الحالي يفوق بكثير ما أحدثته الكوارث أو النزاعات السابقة. ومع ذلك، ثمة إمكانية للبناء على المخطط المؤسسي للمكتب التنفيذي، وبالمثل، الشروع في تدخلات إعادة الإعمار من خلال نماذج محلية لديها مزايا الفهم العميق للمجتمع، والانتشار الوطني، والقوى العاملة المهنية مثل الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.
يقترح موجز السياسات أن تكون الخطوة القادمة لإعادة الاعمار في اليمن هي إيجاد إطار مؤسسي استباقي للتعامل مع ما خلفه الصراع القائم أو مع أية كوارث قادمة، ويتطلب ذلك انشاء هيئة عامة دائمة ومستقلة لإعادة الإعمار، تعمل على تمكين وتنسيق العمل بين مكاتب إعادة الاعمار المحلية التي ستؤسس على المستوى المحلي في المناطق المتأثرة بالصراع او الكوارث الطبيعية.
وتتركز مهام هذه الهيئة حول إدارة جميع المهام المطلوبة في عملية إعادة الإعمار، مثل التخطيط الحالي والمستقبلي في مرحلة ما بعد النزاع أو إعادة الإعمار؛ تصميم السياسات؛ التمويل وجمع الأموال؛ والتنسيق مع جميع أصحاب المصلحة. كما ينبغي على هيئة إعادة الإعمار أن تحتفظ بالمهام الأساسية اللازمة لعملية شفافة: الرقابة والتقييم؛ الإبلاغ؛ والإشراف على المشاريع الوطنية الاستراتيجية.
ولتحقيق هذه المهام، يتوجب على الهيئة أن:

ولإدارة العلاقة مع أصحاب المصلحة، يتوجب على الهيئة:
على عملية إعادة الإعمار في اليمن أن تتبع نموذجاً يستجيب للحقائق على أرض الواقع، ويبني قدرة الدولة، ويضمن الشفافية، وينسق بين الأطراف ذات العلاقة بكفاءة. يجب أن تعزز الثقة ليس فقط مع الجهات المانحة ولكن أيضاً بين السلطات السياسية اليمنية وعموم المواطنين. كما يجب أن تنسق بشكل جيد مع المانحين الدوليين مع الحفاظ على ملكية اليمنيين لإعادة الإعمار. ينبغي تركيز الجهود ليس فقط على المناطق المتضررة ولكن على السكان اليمنيين ككل، ويتمثل ذلك في توفير الخدمات الأساسية وخلق فرص عمل في جميع المناطق. فاحتمالية العودة إلى النزاع تكون أقل إذا كان السكان منشغلين بأعمال تعود عليهم بالمال والمنفعة. كما أن احتمال دعمهم للسلام أكبر إذا كانوا يشعرون بزيادة الرفاهية، ويرون تحسناً في تقديم الخدمات العامة، ويسمعون أخباراً عن مشاريع التنمية الناجحة. على هذا النحو، سيكون لنموذج مؤسسي لإعادة الإعمار يؤكد على الملكية الوطنية والشفافية والشمولية فرصة كبيرة لتوطيد السلام على المدى الطويل.
تم اجتماع أكثر من 20 مشاركا ومشاركة من أبرز القيادات التنموية والاقتصادية في اليمن لمناقشة أهم التحديات التي تواجه البلاد في منتدى قيادات التنمية الثاني الذي عقد مؤخراً ضمن مبادرة “إعادة تصور اقتصاد اليمن”. كانت الحاجة إلى زيادة تغطية وكفاءة التدخلات التي تقوم بها المنظمات الإنسانية الدولية ووكالات الأمم المتحدة للتصدي للأزمة الإنسانية في اليمن من أبرز المواضيع المطروحة في المنتدى.
حول هذه القضية اختار رواد المنتدى خلال المناقشات القضايا الرئيسية التالية كمحاور يجب العمل عليها:
وتوصلت قيادات التنمية الى جملة من التوصيات المختلفة للجهات الفاعلة الانسانية الدولية والحكومة اليمنية وسلطات الامر الواقع في مختلف مناطق الجمهورية وكذلك الدول الأعضاء في التحالف العربي والمجتمع الدولي، كما سيرد هنا لاحقا.
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير الاحتياجات الإنسانية لليمن لعام 2018 أن 22.2 مليون شخص – أي 80 في المائة من السكان –بحاجة إلى المساعدة الإنسانية أو الحماية في نهاية عام 2017، منهم 11.3 مليون في حاجة ماسة. وأن هناك 17.8 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، منهم 8.4 مليون شخص “معرضون لخطر المجاعة”.
وقد شملت الاستجابة الإنسانية في العام الماضي ثمان وكالات تابعة للأمم المتحدة و36 منظمة دولية غير حكومية و147 منظمة محلية غير حكومية. وكانت التحديات التي تواجه هذه الجهات الفاعلة في المجال الإنساني عميقة، وأهمها الحجم الكبير للأزمة واتساع الشريحة السكانية المتأثرة بها باستمرار، حيث يشهد اليمن حالياً أكبر حالة طوارئ إنسانية في العالم، ويشكل حجمها ونطاقها تحدياً هائلاً لقدرة الجهات الفاعلة الإنسانية على إيصال المعونات لجميع المحتاجين، على مستوى الاحتياجات والنطاق الجغرافي الذي تتواجد ضمنه المنظمات العاملة في الاستجابة الإنسانية وقدرتها على توسيع تغطيتها.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه الجهات الفاعلة في المجال الإنساني قيودا شديدة تعقد العمل في الظروف الحالية لليمن وتعيق الوصول إلى المحتاجين. وقد اعتبر الفاعلون الإنسانيون أن التحديات البارزة التي تواجههم تتمثل بالآتي:
لقد أثرت هذه العوامل بشكل كبير في قدرة الجهات الفاعلة في المجال الإنساني على إتمام العمليات الإنسانية وتقييم الاحتياجات ورصد النتائج وجمع البيانات الأخرى الضرورية لوضع برامج تدخل قائمة على الأدلة في الوقت المناسب. وكثيراً ما دفعت حساسية الأطراف المتحاربة حيال هذا النوع من جمع البيانات إلى منع الأنشطة المتعلقة بجمع البيانات الخاصة بالخدمات الإنسانية بالقوة، وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
وفي الوقت نفسه فإن الفرق الوطنية الإنسانية وفرق الشبكات الإنسانية تعمل بشكل جيد وترتبط مع بعضها بآليات تنسيق جيدة، وتؤدي دورا فاعلا لمساعدة الجهات الدولية الإنسانية وتسهيل عملها. وعلى الجانب الآخر فإن التنسيق مع القطاع الخاص اليمني وغيره من الفاعليين المحليين مازال محدودا. مما يؤدي إلى ظهور فجوة متأصلة بين العرض والطلب فيما يتعلق بتوفير المساعدات داخل البلد. وقد نتج عن هذا القصور محدودية نشاط الجهات الإنسانية الفاعلة في تخزين الأغدية والمساعدات في مواقع آمنة في جميع أنحاء البلاد.
ويعاني اليمن من نقص ملحوظ في الاستجابة الإنسانية من المجتمع الدولي. ولم ينتج عن النداءات الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة سوى استلام 55% من الأموال المطلوبة لعام 2015 (1.6 مليار دولار) ثم استلام 63% في لعام 2016 (1.63 مليار دولار) و73% لعام 2017 (2.3 مليار دولار)، و70٪ لهذا العام (2.1 مليار دولار) أي أن التحسن في هذا المجال محدودا وبطيئا.
وأطلق المشاركون من رواد التنمية توصيات متعددة لتجاوز هذه الصعوبات والمعوقات.
أدت الحرب الأهلية والتدخل العسكري الإقليمي خلال السنوات الثلاث الماضية في اليمن الى لأزمة الإنسانية الحالية، فقد أعلنت الأمم المتحدة اليمن كأكبر حالة طوارئ إنسانية في العالم منذ كانون الثاني / يناير 2017. وفي نهاية العام الماضي، قام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بإطلاق نشرة موجزة حول أبرز الاحتياجات الإنسانية لعام 2018، وقد أفادت النشرة بأن حوالي 22.2 مليون يمني بحاجة إلى شكل من أشكال الحماية أو المساعدة الإنسانية، منهم 11.3 مليون في حاجة ماسّة. شمل ذلك 17.8 مليون يمني كانوا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، منهم 8.4 مليون يعانون من انعدام أمن غذائي شديد ومن خطر المجاعة. هناك نحو 16 مليون شخص يفتقرون إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي؛ كان 16.4 مليون شخص يعانون من صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية أو من عدم توفرها، حيث تعتبر نصف مستشفيات وعيادات البلد خارج الخدمة تقريباً. وبدوره أدى نقص المياه النظيفة ومحدودية الرعاية الصحية إلى زيادة عدد الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا في اليمن إلى أكثر من مليون شخص. وحتى كانون الأول / ديسمبر 2017، تعرضت أكثر من 1,800 مدرسة للضرر أو الدمار، مما أدى إلى ترك حوالي مليوني طفل خارج المدارس، الأمر الذي ضاعفه انقطاع رواتب ثلاثة أرباع معلمي المدارس الحكومية منذ أكثر من سنة.
إن الأزمة الإنسانية في اليمن هائلة ومعقدة، وهي تشمل مجموعة واسعة من العوامل المترابطة والمتداخلة. ومع ذلك يبدو واضحاً أنه رغم التوسع الكبير لعمليات الجهات الفاعلة الدولية في المجال الإنساني لمعالجة هذه الأزمة منذ عام 2015، إلا أن القطاع الخاص اليمني هو الذي أنقذ الوضع من تدهور أسوأ بما لا يقاس. فقد منع أصحاب الأعمال اليمنيين – عبر تسهيل كل شيء من الواردات إلى النقل والإمداد والتحويل النقدي – انزلاق البلاد إلى المجاعة الجماعية. وقد قدمت شركات القطاع الخاص على نحو مماثل إجراءات إغاثية عوضت عن انهيار الدولة، والذي عجله تبخر الإيرادات الحكومية وتعليق معظم نفقات التشغيل في القطاع العام، مثل رواتب معظم موظفي الخدمة المدنية في اليمن والبالغ عددهم 1.2 مليون شخص.
يعتمد اليمن عادة على الواردات لتلبية ما يصل إلى 90 بالمئة من احتياجات سكانه الغذائية. وفقاً لمجموعة اللوجستيات التابعة للأمم المتحدة، بين يناير / كانون الثاني ومارس / آذار 2017 شكل الاستيراد التجاري 96.5 بالمئة من أكثر من 1.3 مليون طن متري من الأغذية التي دخلت البلاد؛ في حين شكلت الجهات الفاعلة الإنسانية نسبة 3.5 بالمئة المتبقية. وفيما يتعلق بالوقود خلال نفس الفترة، استحوذ المستوردون التجاريون على ما يقرب من 526,000 طن متري وصل إلى اليمن. وكما يذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في عام 2014: “تماماً كما لا يمكن للمساعدات الإنسانية تعويض غياب المؤسسات العامة، لا يمكنها أيضاً أن تحل محل الواردات التجارية وعمل الأسواق المحلية لتلبية الغالبية العظمى من احتياجات اليمنيين للبقاء على قيد الحياة”.
ومن علامات تآكل الخدمات الحكومية، من بين أمور أخرى، انخفاض إنتاج الكهرباء في القطاع العام إلى ما يقرب الصفر في معظم أنحاء البلد. واستجابة لذلك، سھلت الأعمال التجارية عملية انتقال سريعة وواسعة نحو الطاقة الشمسية بالنسبة للكثير من الأسر في العديد من المناطق، مع توفير الوصول إلى المولدات والمعدات وقطع الغيار الصناعية والخبرات للإبقاء على مختلف شبكات المياه ومرافق الرعاية الصحية في المدن اليمنية الرئيسية، وخاصة صنعاء والحديدة وتعز. كما ظلت العديد من المرافق الطبية الخاصة مفتوحة – غالباً لتقديم خدماتها للأشخاص غير القادرين على الدفع – في المناطق التي شهدت إغلاق العيادات العامة، هذا بينما سهلت الشركات اليمنية تدفق الإمدادات الطبية إلى الصيدليات والمرافق العامة والخاصة والإنسانية في جميع أنحاء البلاد.
في استبيان أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في آب / أغسطس 2017 ضم 53 ممثل لمؤسسات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في اليمن، في جميع القطاعات الصناعية، أفيد أن أربع من بين كل خمس من هذه المنظمات تساعد الأشخاص المتضررين من النزاع. كما ذكرت هذه المؤسسات أن أهم أشكال المساعدة التي تقدمها تشمل الخدمات المالية والغذائية والصحية.
كذلك أفاد الاستبيان الذي أجراه كاتب هذا الموجز مع أصحاب الأعمال اليمنيين في تشرين الثاني / نوفمبر 2017 أن جميع المشاركين يعتبرون أنفسهم مساهمين في محاولة التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية[1]. تراوحت هذه المحاولات بين التوزيعات النقدية، وإعداد سلال الأغذية وتوزيعها، وصولاً إلى توريد المستلزمات الطبية للمصابين بالكوليرا. وعلى الرغم من محدودية الطلب في السوق على سلعهم، إلا أن جميع أصحاب الأعمال قالوا أنهم احتفظوا بأغلبية القوى العاملة – ولو من خلال استراتيجيات تكيف سلبية، كخفض الرواتب والاستحقاقات وأيضاً تقليل ساعات العمل – وذلك كجزء من إجمالي جهودهم للتخفيف من حدة الأزمة.
يعتقد غالبية أصحاب الأعمال أن مشاركتهم في أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات هي نوع من مساهمتهم في العمل الإنساني؛ وقد أفاد أحدهم بأنه يملك مؤسسة خيرية، في حين يقوم الآخرون بتوزيع الدعم من خلال شركاتهم. وفيما يتعلق بهؤلاء الأخيرين، قامت الشركات لأغراض توزيع المعونة بتطوير وحماية قواعد بيانات للمستفيدين باستخدام شبكات غير رسمية من أسر وأصدقاء وجيران. وبشكل عام يقدم الدعم موظفو الشركات من ذوي الخبرة في مجال الإغاثة الإنسانية. كما ذكر أصحاب الأعمال أن أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات سابقة على الصراع الحالي، ومع ذلك، ومنذ بدء الصراع الحالي، انخفض مستوى أنشطة المسؤولية الاجتماعية نسبيا عن تلك التي كانوا قد اعتادوا على الانخراط فيها.
من جهة أخرى، لعبت الشركات الخاصة دوراً أساسياً في توزيع المساعدات الإنسانية الدولية في اليمن، بما في ذلك التحويلات النقدية والسلع المادية. فعلى سبيل المثال، سجل أحد مصارف التمويل الأصغر في اليمن عام 2017 نحو 1.5 مليون تحويل نقدي بلغت قيمتها الإجمالية نحو 29.5 مليار ريال يمني، وذلك لمستفيدين من المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء اليمن.[2] في مثال آخر، من عام 2015، كانت لدى الوكالات الإنسانية 63 شاحنة تحمل إمدادات الإغاثة، بما في ذلك السلال الغذائية والأدوية تقطعت بها السبل في صنعاء بسبب العمليات القتالية. وقد تدخلت شبكات الأعمال في القطاع الخاص، مما سهل المفاوضات بين الأطراف المتحاربة على الأرض، وأدى في النهاية إلى إطلاق سراح الشاحنات ووصول المساعدات إلى أربع مناطق محاصرة في تعز وأربع أخرى في عدن[3].
كما أشارت مقابلات أجراها الكاتب مع أصحاب أعمال يمنيين وعدد من موظفي الوكالات الإنسانية الدولية إلى أن الجهات الفاعلة في المجال الإنساني تعتمد على القطاع الخاص لتوفير خدمات سلسلة الإمداد، مثل النقل والتخزين وخدمات التخليص الجمركي وإعادة الشحن[4]. وبين أبريل / نيسان وسبتمبر / أيلول 2017، اعتمدت معظم الجهات الفاعلة الإنسانية العاملة في جهود الاستجابة للكوليرا على الشركات اليمنية للحصول على المستلزمات الطبية اللازمة[5]. يرجع ذلك إلى تفاقم الأزمة وعدم قدرة الجهات الفاعلة الإنسانية على شراء الإمدادات اللازمة بسرعة من خارج اليمن.
هذا وأفاد أصحاب الأعمال الذين شملهم استبيان هذه الورقة أنهم يزودون وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية بمختلف السلع والخدمات مثل السيارات والمولدات وقطع الغيار والصيانة وسلال الأغذية والبطانيات وخدمات التوزيع. وفي إحدى الحالات، ذكر صاحب شركة أنه ساعد في إنشاء واستمر في تنسيق علاقة عمل بين منظمة دولية ومنظمة محلية. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك قيام صاحب شركة تأمين طبي أخرى باستخدام شبكته المحلية لمساعدة ماري ستوبس إنترناشونال على دعم 1,000 مريض في صنعاء يعانون من أمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم ومشاكل الكلى المزمنة – وذلك من خلال المنظمة المحلية “همنا اليمن”. ومن خلال المنظومة التي طورتها، تقوم “همنا اليمن” بتحديد المستفيدين من الفئات الضعيفة من السكان، وبناء على نصيحة شركة التأمين الطبي، توجههم إلى الصيدليات لتلقي الأدوية التي توفرها ماري ستوبس إنترناشونال. وحتى كتابة هذه السطور، كانت الأطراف الثلاثة تخطط لإطلاق مرحلة جديدة من المشروع لاستهداف المزيد من المرضى الفقراء.
فيما يتعلق بعمليات شراء الخدمات، ذكر عموم أصحاب الأعمال الذين شملهم الاستبيان أنهم فازوا بعقودهم مع الجهات الإنسانية الدولية الفاعلة من خلال عمليات المناقصة؛ إلا أن أحدهم ذكر أنه قدم السلع للمنظمات غير الحكومية الدولية من خلال “شبكته الشخصية”.
حدد أصحاب الأعمال الذين شملتهم الدراسة صعوبات عديدة في التعامل مع الجهات الفاعلة الإنسانية الدولية، ولا سيما فيما يتعلق بالاتصال بوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. تتعلق هذه الصعوبات في المقام الأول بعملية المناقصات ومتابعتها؛ كانت الشكاوى الشائعة غلبة الغموض على نقاط الاتصال بالمنظمات الدولية، وكذلك معايير ومتطلبات المنظمات الدولية. كما أن المشاورات مع القطاع الخاص فيما يتعلق بالمجتمعات المحلية المستهدفة غائبة في معظم الوقت، ما يعني أن الكثير من الخبرات والقدرات ذات القيمة المضافة في القطاع الخاص غير مستثمرة تمام الاستثمار.
ذكر أصحاب الأعمال أيضاً أن ، ونادراً ما عرضت على شركات جديدة فرصة التقديم على المناقصات. ومن ثم تمت الإشارة إلى الشفافية في عملية اختيار البائعين في المنظمات الدولية كمجال يتطلب بعض التحسين، وذلك لضمان تعاون وتنسيق أقوى بين المنظمات الدولية والقطاع الخاص. كما أشار أصحاب الأعمال أيضاً إلى أن سياسات شراء الخدمات والسلع التي تتبعها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تستلزم أو تشجع أحياناً الشراء المباشر من خارج اليمن.
أجمع أصحاب الأعمال عموماً على الحاجة إلى آلية تنسيق بين القطاع الخاص والجهات الفاعلة في المجال الإنساني للمساعدة على تشجيع الشراء المحلي وتسخير الفرص لإقامة علاقة منفعة متبادلة. وقد أشارت دراسة استقصائية أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في آب / أغسطس 2017 إلى وجود بعض الالتباس فيما يتعلق بما إذا كانت آلية التنسيق موجودة: فقد أجاب 57 بالمئة من أصحاب الأعمال بالنفي على السؤال: “هل هناك منصة تنسيق مخصص للمساعدات الإنسانية وجهود الإنعاش في القطاع الخاص في اليمن؟” ومع ذلك، قال جميع المشاركين في الدراسة الاستقصائية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنهم يعتقدون أن آلية التنسيق هذه ضرورية، والجميع ذكر أنه سيشارك في المنصة إن وجدت.
حتى قبل اندلاع النزاع الحالي، كان اليمن من بين أفقر البلدان وأقلها تنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ ومنذ بدء الصراع تدهور الوضع بشكل هائل. وفقاً لما ذكرته وزارة التخطيط والتعاون الدولي فإن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد تقلص في عام 2017 بنسبة 14.4 بالمئة، وذلك بعد تقلص بنسبة 15.3 بالمئة عام 2016 و17.6 عام 2015، ما يعني تقلصاً اقتصادياً تراكمياً بمقدار 40.5 بالمئة منذ بداية 2015. نتيجة لهذا الانهيار الاقتصادي، تكبدت عمليات القطاع الخاص خسائر كبيرة. وفي المتوسط خفضت الشركات التجارية ساعات التشغيل بمقدار النصف، مع تسريح ما نسبته 55 بالمئة من مجموع القوى العاملة. حفز هذا التحول ارتفاع التكاليف بسبب انعدام الأمن ونقص المدخلات وانخفاض الطلب على السلع والخدمات، مع تراجع القوة الشرائية العامة نتيجة فقدان سبل كسب العيش على نطاق واسع وانخفاض قيمة العملة المحلية[6]. أدى النقص العام في العملة الأجنبية في اليمن والتحديات المتعلقة بسيولة العملة المحلية إلى زيادة التحديات والتكاليف أمام المستوردين[7].
ومنذ بدء التحالف العسكري بقيادة السعودية التدخل في النزاع اليمني في آذار / مارس 2015، جرى فرض قيود شديدة على الواردات التي تدخل إلى اليمن. ذكر أصحاب الأعمال الذين شملهم استبيان هذه الورقة أن لهذا الحصار آثار تعطيلية كبيرة، وأنه أدى إلى زيادة كبيرة في تكاليف نقل وتأمين الواردات. ومن التحديات الهامة الأخرى التي لوحظت ما يلي: زيادة التعريفات الجمركية بعد تفريغ البضائع، وتطويل إجراءات إطلاق الشحنات، وتراجع أمن شبكات النقل البري في اليمن، وتصعيب التحويلات المالية مع الشركاء التجاريين الأجانب.
وفي 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2017، شدد التحالف السعودي من القيود المفروضة على الواردات باتجاه الإغلاق التام لجميع الموانئ، والذي انعكس فوراً على اليمن بارتفاع كبير في أسعار جميع السلع الأساسية تقريباً ونقص معظمها، ولا سيما الوقود. وفي الشهر التالي، خفف التحالف بعض القيود إلى حد ما، ما سمح باستئناف الواردات بشكل طبيعي في مناطق الجنوب اليمني التي تسيطر عليها قوات تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ثم سمح التحالف في وقت لاحق بوصول محدود لعاملي الأمم المتحدة إلى ميناء الحديدة ومطار صنعاء شمالاً حيث تسيطر قوات الحوثيين. كان التحالف السعودي قد أعلن في 20 كانون الأول / ديسمبر الماضي سماحه بإعادة فتح ميناء الحديدة أمام الواردات التجارية لمدة 30 يوماً. وفي 18 كانون الثاني / يناير 2018 أعلن أنه سيمدد فترة السماح لمدة 30 يوماً أخرى، كما أعلن هذا الأسبوع استمرار فتح الميناء. وفي منتصف كانون الثاني / يناير، سمح التحالف أيضاً بإيصال أربع رافعات متحركة إلى ميناء الحديدة، وذلك بهدف تعزيز القدرة على إفراغ حمولة البضائع عبر استبدال رافعات كانت ضربات التحالف قد جعلتها غير صالحة للتشغيل منذ في آب / أغسطس 2015.
ازداد عدد العاملين في القطاع الخاص اليمني الذين أقاموا علاقات تجارية مع الجهات الفاعلة الإنسانية الدولية مع مرور الوقت، مع تحول جهود الإغاثة المضاعفة إلى فرص تجارية جديدة في البلاد خلقت سوقاً تنافسية[8]. إلا أنه ما تزال هناك فرص واسعة غير مستغلة لكلا الطرفين في إنشاء آليات تعاون وتنسيق أفضل.
فبإمكان الجهات الفاعلة في القطاع الخاص – وخاصة الشركات العاملة في مجال الاستيراد والتوزيع وتجارة التجزئة والنقل، بالإضافة إلى المجموعات التجارية – أن تقدم الكثير من القيمة المضافة للجهات الإنسانية الدولية، ولا سيما عبر تقديم المشورة حول تصميم وتنفيذ الدعم الإنساني، مما سيعزز بشكل كبير من تأثير الاستجابة للأزمة الإنسانية في اليمن. ويمكن للشركات اليمنية أن تزيد من كفاءة ووصول صناديق المساعدات الخارجية عن طريق السماح للجهات الفاعلة في المجال الإنساني بالاستفادة من شبكات الأعمال في القطاع الخاص في جميع أنحاء البلاد، ومن قدرتها على التكيف مع الديناميكيات المتغيرة داخل المجتمعات المحلية وتمتعها بحرية التنقل بين الأطراف المتحاربة.
بالإضافة إلى ذلك، تقدم الجهات الإنسانية الفاعلة حالياً عدة خدمات للقطاع الخاص اليمني عبر مساعدة مختلف الشركات على مواصلة العمل والإبقاء على الموظفين الحاليين، وفي بعض الأحيان خلق فرص عمل جديدة. وفي حال قامت الجهات الفاعلة الإنسانية بتوجيه المزيد من أعمالها من خلال القطاع الخاص اليمني ومواصلة المشتريات المحلية، فمن المؤكد أن يساعد ذلك الشركات المحلية على الإبقاء على الموظفين الحاليين وخلق المزيد من فرص العمل، مما سيعزز التشغيل المحلي والقوة الشرائية المحلية ويحفز دورة طلب إيجابية في السوق. كذلك من شأن المزيد من أموال المساعدات الخارجية التي تصل إلى اليمن أن توفر العملة الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها في السوق المحلية، مما سيساعد بدوره على استقرار العملة المحلية.
لقد أيدت إحدى وكالات الأمم المتحدة الرائدة في اليمن هذا التعاون والتنسيق المتزايدين بين الجهات الإنسانية الدولية الفاعلة والقطاع الخاص اليمني. واستجابة لطلب كاتب هذه السطور، ذكر مسؤول اللوجستيات في برنامج الأغذية العالمي ما يلي:
بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تلعبه الشركات الخاصة في البلاد بمرونتها وقدرتها على التكيف، يمكن للجهات الفاعلة في المجال الإنساني أن تساعد على تيسير استيراد السلع الأساسية والإمدادات من القطاع الخاص من خلال أخذها بعين الاعتبار في عملية شراء الخدمات والسلع الإنسانية من خارج البلاد. يمكن لشبكات القطاع الخاص دعم الجهود الرامية إلى تجنب انهيار الاقتصاد المحلي وزيادة تدهور الحالة الإنسانية في البلاد.
الهوامش
[1] قام الكاتب بتوزيع استبيان نوعي وتلقى استجابات بين 22-29 نوفمبر / تشرين الثاني 2017، كما أجرى عدة مقابلات شخصية بين 1 و4 يناير / كانون الثاني 2017. يملك خمسة من المشاركين السبعة شبكات أعمال كبيرة – معرفة بأنها تضم أكثر من 50 موظفاً مع فروع في الخارج – تشارك في مختلف القطاعات الاقتصادية بما في ذلك الخدمات المالية والتصنيع والسلع الاستهلاكية سريعة الحركة والنقل والإمداد والتعليم. كما كان أحد المشاركين في الاستبيان صاحب شركة متوسطة الحجم – معرفة بأن لديها ما بين 10 و50 موظفاً مع فروع في جميع أنحاء البلاد – تعمل في مجال حلول الطاقة وبيع وصيانة مولدات ومعدات الطاقة المتجددة. أما المشارك السادس في الاستبيان فهو صاحب شركة صغيرة، يتراوح عدد موظفيها بين أربعة وتسعة موظفين، ومقرها صنعاء، ولها قنوات توزيع في مدن يمنية أخرى، وهي تعمل في مجال الرعاية الصحية والمنتجات الصيدلانية. بوجه عام، سئل أصحاب الأعمال عن فهمهم للأزمة الإنسانية الحالية، ودورهم خلال الأزمة، وعلاقتهم بالجهات الفاعلة في المجال الإنساني، واقتراحاتهم بشأن تلك العلاقة.
[2] مقابلة أجراها الكاتب مع مدير عمليات بنك الأمل، 4 يناير / كانون الثاني 2018. الجدير بالذكر أن مؤيدي مصلحة التمويل الأصغر في اليمن يقولون أن مشاركة الجهات الإنسانية في مؤسسات التمويل الأصغر في الاستجابة للمعونة – مع أنها حاسمة في تلبية احتياجات النجاة المباشرة للسكان – تشكل تحدياً غير مقصود لنجاه هذه المصلحة في المستقبل. ففي حين غالبية عملاء التمويل الأصغر – أصحاب المشاريع الصغيرة – والمجتمعات المحلية المحيطة بهم بحاجة إلى دعم برامج المساعدات الإنسانية، إلا أن ذلك يتم تمريره من خلال بنوك التمويل الأصغر، حيث يقول أصحاب المصلحة إن هذا “المال الحر” يقوم بتحويل الدور الذي تلعبه هذه المؤسسات والثقافة الضرورية التي قاموا بتأسيسها ضمن هذه المصلحة على مدى عدة عقود. وقد ترك العاملون في هذه المصلحة نموذج عملهم الأساسي لتوفير منتجات التمويل الأصغر – والتي يطلب سدادها من العملاء – باتجاه العمل في خدمات التحويلات النقدية الاجتماعية، دون أن يكون هناك تمييز واضح بين النموذجين بالنسبة للعملاء. يقول العاملون في التمويل الأصغر أن ھذا سيؤثر في انتعاش مصلحة التمويل الأصغر على المدى الطويل، خاصة عندما تتوقف الجھات الفاعلة في المجال الإنساني عن إجراء التحويلات من خلال مؤسساتهم.
[3] مقابلة مع مسؤول اللوجستيات في برنامج الأغذية العالمي، 31 ديسمبر / كانون الأول 2017.
[4] مقابلة مع مسؤول اللوجستيات في برنامج الأغذية العالمي، 31 ديسمبر / كانون الأول 2017.
[5] مقابلة مع د. عادل العماد، رئيس شركة التأمين الطبي المتخصصة، والسيد علي جباري، مستشار اتحاد الغرف التجارية، ديسمبر / كانون الأول 2017.
[6] للمزيد من التفاصيل، يرجى الاطلاع على: Ala Qasem and Brett Scott, Navigating Yemen’s Wartime Food Pipeline, Deeproot Consulting, November 29, 2017, http://www.deeproot.consulting/single-post/2017/11/29/Navigating-Yemen%E2%80%99s-Wartime-Food-Pipeline; Amal Nasser and Alex J. Harper, Rapid currency depreciation and the decimation of Yemeni purchasing power, Sana’a Center for Strategic Studies, March 31, 2017, http://sanaacenter.org/publications/analysis/89
[7] للمزيد من التفاصيل، يرجى الاطلاع على: منصور راجح، أمل ناصر، فارع المسلمي، “اليمن بلا بنك مركزي: فقدان أساسيات الاستقرار الاقتصادي وتسريع المجاعة”، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 3 نوفمبر / تشرين الثاني 2017 http://sanaacenter.org/ar/publications-all/main-publications-ar/59
[8] مقابلة مع مسؤول اللوجستيات في برنامج الأغذية العالمي، 31 ديسمبر / كانون الأول 2017.
كجزء من مبادرة ”إعادة تصور الاقتصاد اليمني“، اجتمع أكثر من 20 مشاركا من أبرز القيادات التنموية والاقتصادية اليمنية في المنتدى الثاني لقيادات التنمية في الفترة بين 14 و16 يناير/ كانون الثاني 2018 في العاصمة الأردنية عمان. وقد احتلت قضية تدهور قيمة الريال اليمني المرتبة الأولى بين المواضيع المطروحة للنقاش، وما أعقب ذلك من تفاقم شديد للأزمة الإنسانية، والحاجة إلى إعادة تمكين البنك المركزي اليمني بصفته الجهة المسؤولة عن الحفاظ على قيمة الريال والاقتصاد عموماً. هذه الورقة هي حصيلة تلك النقاشات، وتؤكد التوصيات الواردة فيها بمجموعها على ضرورة عمل البنك المركزي اليمني بطريقة أكثر كفاءة و فاعلية – بحيث تعمل جميع فروع البنك بشكل تكاملي بما يجعل البنك قادر على صياغة وتنفيذ السياسات النقدية لعموم اليمن. كما تضم هذه الورقة مدخلات إضافية من قيادات التنمية أضيفت بعد إعلان السعودية في 17 يناير / كانون الثاني أنها ستودع مبلغ 2 مليار دولار في البنك المركزي اليمني.
أدى النزاع الحالي إلى تعرض اليمن لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية المعلنة على مستوى العالم حيث وصل انعدام الأمن الغذائي إلى أرقام قياسية عالمياً بسبب عجز ملايين اليمنيين عن شراء الطعام المتاح في السوق المحلية. كما سبب الصراع الحالي الكثير من الاختلالات التي ساهمت في مفاقمة الأوضاع الحالية، كالإنهيار الإقتصادي العام والفقدان الواسع لسبل كسب الرزق، بالإضافة إلى إغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الحركة التجارية والتضييق على حركة السفن في مينائي الحديدة والصليف، وصعوبات وعوائق النقل الداخلي التي ضخمت تكاليف المستوردين. كما شكلت العوائق المالية على الاستيراد والتجارة الدولية صعوبات إضافية، حيث تعاني البنوك اليمنية من صعوبات كبيرة في تحويل الأموال للخارج بسبب الإجراءات المفروضة على البنوك اليمنية بالإضافة لتوقف ترحيل وشحن الأوراق النقدية الأجنبية إلى الخارج بسبب إغلاق مطار صنعاء الدولي، في حين قامت البنوك الأمريكية ومعظم البنوك الأوروبية بإغلاق حسابات البنوك التجارية اليمنية في الخارج بسبب فشل اليمن في الوفاء بالتزاماته بالمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
بالإضافة إلى كل ذلك، كان لتدهور قيمة الريال مقابل الدولار أثراً شديداً في تآكل القوة الشرائية للمواطنين. حيث قفز سعر صرف الريال مقابل الدولار من 215 إلى 530 ريال للدولار الواحد في منتصف يناير 2018 مليار دولار في البنك المركزي). لتحليل أكثر تفصيلاً حول العوامل الرئيسية التي تسببت في تدهور الريال اليمني، يمكن الاطلاع على نشرة اليمن الاقتصادية الصادرة عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية:تجدد انخفاض قيمة العملة وتباين في السياسة النقدية بين صنعاء وعدن.
[1] لمزيد من التفاصيل، انظر: البنك المركزي اليمني، “القانون رقم 14 لسنة 2000م بشأن البنك المركزي اليمني”، متاح على: http://www.centralbank.gov.ye/App_Upload/law14.pdf (تم الوصول للملف تاريخ 3 فبراير 2018).
كجزء من مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن، انعقد منتدى قيادات التنمية اليمنية في عمان/ الأردن ما بين 29 أبريل – 1 مايو 2017،وذلك لمناقشة التدخلات العملية والضرورية، وتحديد أهم التحديات التي تواجه اليمن في الظروف الحالية، ولقد خلص المنتدى إلى تصنيف ثلاث تحديات متداخلة هي: أزمة الغذاء ،التحديات التي تواجه القطاع المصرفي ، وانهيار الخدمات الأساسية.
فيما يتعلق بالأزمة الغذائية، كانت أهم توصيات قيادات التنمية أن على المجتمع الدولي أن يفي بالتعهدات التي قطعها خلال مؤتمرات المانحين السابقة، وان تكون المساعدات على شكل تحويلات نقدية كلما أمكن ذلك، كما يجب على كل أطراف الصراع إزالة المعوقات اللوجستية والمالية التي تؤثر على الاستيراد وتوزيع الغذاء والدواء، وإيصالها إلى المستفيدين، كما ينبغي على جميع الأطراف أن تعمل بجد وبشكل سريع على رفع كفاءة الموانئ البحرية والبرية، كـ ميناء الحديدة وعدن.
وفيما يخص تحديات القطاع المصرفي أوصت قيادات التنمية أن على جميع الأطراف أن تعمل على إعادة تشغيل البنك المركزي كوحدة واحدة، كما يجب أن يتم إيداع كافة موارد وإيرادات الدولة في البنك المركزي وفروعه، علاوة على ذلك يجب توجيه جميع المعونات والمنح الدولية لدعم احتياطي البلد من العملات الأجنبية وتسهيل استيراد المواد الغذائية والأدوية.
اما فيما يتعلق بتوفير الخدمات الاساسية، فقد تضمنت توصيات قيادات التنمية، أنه يجب تعزيز دور السلطات المحلية وبناء قدراتها لتقديم الخدمات الأساسية، وتشجيع مساهمة المغتربين في دعم القطاعات الرئيسية وكذا تشجيع عمل المنظمات الدولية والمحلية في مجال تقديم الخدمات الأساسية.
مقدمة
يشهد اليمن منذ ست سنوات مرحلة من الاضطرابات واسعة النطاق، أفضت إلى اندلاع حرب مزدوجة بين الأطراف اليمنية ثم بتدخل دول التحالف العربي بقيادة السعودية منذ ( 26 مارس 2015) بعد استيلاء أنصار الله (الحوثيون) على صنعاء بالقوة في سبتمبر 2014 ورغم شراسة العنف والدمار الناتج عن هذه الاضطرابات، إلا أن أبرز ما طال اليمنيين بشكل عام هو تقوّض النظم المؤسسية في اليمن، بتفكك الاقتصاد والتكامل الاجتماعي وتلاشي الخدمات الأساسية، مما أدى إلى حرمان اقتصادي مهول ودفع ملايين اليمنيين إلى حافة المجاعة.
في محاولة لتحديد التدخلات العملية والواقعية التي يمكن عبرها مواجهة أهم التحديات الحالية في اليمن، اجتمعت مجموعة من خبراء التنمية الاجتماعية والاقتصادية اليمنيين من القطاعات العامة والخاصة والأكاديمية، ضمن فعاليات اللقاء الأول لمنتدى قيادات التنمية اليمنية الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان، بين 29 أبريل و1 مايو / 2017. وينعقد هذا المنتدى كجزء من مبادرة «إعادة تصور الاقتصاد اليمني»، والتي تهدف إلى تحديد الأولويات الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية والتنموية للبلاد خلال وبعد فترة الحرب. وتسعى توصيات المنتدى إلى الإسهام في صياغة التدخلات التنموية والاقتصادية للمجتمع الدولي والقوى الإقليمية والحكومة اليمنية وجميع الأطراف المعنية داخل اليمن.
يستعرض هذا الموجز الأولويات التي اعتبرها المشاركون في منتدى قيادات التنمية اليمنية أهم القضايا التي يواجهَا اليمن اليوم، كما يستعرض توصياتهم فيما يتعلق بهذه الأولويات. وقد تم تحديد ثلاث أولويات ملحة وهي أزمة الغذاء والتحديات التي تواجه القطاع المصرفي وانهيار الخدمات الأساسية.
تجدر الإشارة إلى أن المشاركين شددوا على أن السبب الرئيسي للكارثة الإنسانية التي يعاني منها الشعب اليمني هو استمرار الحرب، وأنه من دون التوصل بشكل عاجل إلى اتفاق سلام شامل ومستدام يضمن توقف دائرة الحرب والصراعات المسلحة في اليمن فلن تكون للتوصيات الواردة أدناه سوى أثر محدود للغاية..
أزمة الغذاء
خلفية
يستورد اليمن ما يقارب 90 % من مواده الغذائية الأساسية. وقد أدى النزاع الدائر إلى انخفاض وتقلص شديد في الواردات التجارية والمساعدات الإنسانية التي يتلقاها، بينما أدى العنف الأهلي ونقص الوقود إلى صعوبات في توزيع الأغذية داخل البلاد. كل ذلك أدى إلى شح في توفر الأغذية وإلى ارتفاع كبير في تكاليف توفيرها، بينما تكفّل النزاع بتقويض القدرة الشرائية للفرد، بسبب التوقف شبه التام للنشاط الاقتصادي الاعتيادي، وما ترتب على ذلك من ارتفاع مستوى البطالة وفقدان الدخل.
توّج ذلك بإعلان منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في فبراير 2017 أن اليمن يعاني من “أخطر حالة طوارئ غذائية في العالم”؛ كما ذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (الأوتشا) في مايو 2017 أن 17 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى معونات غذائية، وأن بينهم 7 ملايين في “حالة طوارئ غذائية” – وهو تصنيف المرحلة الرابعة على مؤشر التصنيف المتكامل لمراحل انعدام الأمن الغذائي- أي المرحلة الأخيرة قبل إعلان المجاعة والكارثة الإنسانية رسمياً. ويعاني نحو 2.2 مليون طفل من سوء تغذية حاد، حيث يموت طفل يمني دون الخامسة من العمر كل 10 دقائق لأسباب يمكن الوقاية منها عادةً. كما تعاني كل المحافظات الواقعة على طول الساحل اليمني الغربي والجنوبي من حالة طوارئ غذائية.
وعلى الرغم من المؤتمر الرفيع المستوى الذي عقد في جنيف في أبريل الماضي لجمع التبرعات من أجل اليمن، والذي أعلنت فيه مختلف البلدان والمنظمات تعهدات بلغت 1.1 مليار دولار – إلا أن المبالغ التي تم دفعها من الجهات المانحة حتى 9 مايو 2017 لم تغط غير 18.3% من أصل 2.1 مليار دولار هو إجمالي ما دعا إليه نداء الأمم المتحدة الإنساني من أجل اليمن في 2017.
في ضوء كل هذه الظروف، أوصى المشاركون في منتدى قيادات التنمية بما يلي:
التحديات التي تواجه القطاع المصرفي
خلفية
أدى مزيج الاضطراب الأمني والسياسي في اليمن منذ أوائل عام 2000، وتسلل الإرهاب وانتشار تهريب الأسلحة في البلاد، فضلاً عن ضعف أنظمة الحوكمة والقضاء، ادى إلى تصنيف اليمن بلداً «عالي المخاطر» للنظام المالي العالمي. وفي أوائل 2010 شرعت البنوك الأمريكية بإغلاق حسابات البنوك اليمنية في الولايات المتحدة، الأمر الذي زاد من أعباء البنوك الأجنبية التي ظلت تتعامل مع البنوك اليمنية. ومع بداية الحرب الحالية وصدور قرار مجلس الأمن الخاص بوضع اليمن تحت الفصل السابع، توقفت البنوك الأوروبية والأمريكية الكبرى عن التعامل مع المصارف اليمنية نهائياً، ما زاد من تكاليف التحويلات المالية من وإلى اليمن.
كما أن عدم السماح للبنوك اليمنية بشحن فوائضها النقدية من العملة الأجنبية لتغذية حساباتها الخارجية أدى إلى انخفاض كبير في حسابات المصارف اليمنية لدى بنوكها المراسلة في الخارج. وهكذا أصبحت البنوك اليمنية عاجزة عن تلبية احتياجات المستوردين اليمنيين، ما دفع بهم إلى شركات الصرافة المحلية لمساعدتهم في دفع التزاماتهم للمصدرين في الخارج، وأدى بالنتيجة إلى سحب السيولة من القطاع المصرفي اليمني. كما أن عجز البنوك اليمنية عن الوفاء بطلبات العملاء بسحب أموالهم نقداً، نتج عنه خروج المزيد من النقد خارج النظام المصرفي، يضاف إلى ذلك عجز البنك المركزي عن تسييل استثمارات البنوك في أذون الخزانة أو حساباتها الجارية لديه. ساهمت هذه العوامل المتعددة والمتداخلة والمغذية لبعضها في أزمة السيولة الشديدة في القطاع المصرفي منذ منتصف 2016.
أما التحدي الرئيسي الآخر الذي يواجه القطاع المصرفي في اليمن فهو تدهور قدرة البنك المركزي اليمني على إدارة الاقتصاد. فقد فقدت الحكومة اليمنية نتيجة للنزاع المسلح الغالبية العظمى من إيراداتها –مثل إيرادات صادرات النفط التي كانت أهم مصدر حكومي للعملة الأجنبية– ما أدى إلى استنزاف الاحتياطي الأجنبي خلال عامين من الحرب. وبعد نقل المركز الرئيسي للبنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن في سبتمبر 2016، فقد البنك المركزي اليمني أيضاً قدرته على القيام بمعظم وظائفه الرئيسية.
في ضوء هذه الظروف، توصل المشاركون في منتدى قيادات التنمية إلى التوصيات التالية المتعلقة بالقطاع المصرفى:
1- يجب التركيز على إعادة بناء القدرة الإنتاجية والتصديرية للنفط والغاز في أسرع وقت، فهما الرافدان الأساسيان للموازنة، مع ضرورة توجيه جميع إيرادات الدولة والقطاع العام من كافة أرجاء اليمن ( الضرائب ، الجمارك ، إيرادات شركات القطاع العام ، مبيعات النفط والغاز …….الخ ) إلى البنك المركزي وفروعه في جميع المحافظات لدعم الموازنة العامة للدولة.
2- إعادة عمل البنك المركزي كوحدة واحدة، ، ويتم ذلك من خلال الاعتراف بنقل قيادة البنك إلى عدن، وممارسة مهام إدارة حسابات الحكومة وإدارة الاحتياطي الخارجي وإصدار النقد وإدارة السيولة من المركز الرئيسي في عدن، والإبقاء على ممارسة وظائف البنك الأخرى من صنعاء بإشراف قيادة البنك المركزي، حيث يتواجد في صنعاء الكادر البشري الذي تم الاستثمار في بناء قدراته لفترة طويلة، فعملية بناء قدرات بنك مركزي جديد تحتاج إلى سنوات. وعليه يوصي قيادات التنمية بالتالي:
3- تتلقى المنظمات الدولية العاملة حاليا في اليمن حوالات مالية بالعملات الأجنبية، ولكنها تحتاج إلى صرفها بالريال اليمني لعملياتها المحلية. وتقوم البنوك بتزويدهم بالريال اليمني بسعر الصرف الرسمي او سعر آخر يتفق عليه بين المنظمات الدولية وكل بنك على حدة وهو ما يؤدي لاستخدام حوالات تلك المنظمات في المضاربة بالعملات ، كما أن سعر الصرف الرسمي يقل حاليا ب 45٪ على سعر السوق السوداء. وهذا يعني أن المستفيدين النهائيين لا يحصلون إلا على 55 في المائة من أموال المعونة بينما تستفيد بعض المصارف من الفرق. ومن ناحية أخرى، يواجه مستوردي الأغذية تحديات بالغة في تأمين العملة الأجنبية لتمويل وارداتهم من الغذاء والدواء . لذلك، يوصي قيادات التنمية ب:
4- ضرورة إعادة تفعيل دور وحدة جمع المعلومات المالية في البنك المركزي، وتشكيل فريق فني لحضور اجتماعات فريق العمل المعني بالعمليات المالية Financial Action Task Force (FATF)،وهذا قد يساعد على تحسين تصنيف اليمن وإزالة بعض العقبات التي تواجهها المصارف اليمنية عند التعامل مع النظام المالي العالمي.
5- الإفراج عن جزء من المبالغ الخاصة بالبنوك التجارية لدى البنك المركزي, مما يساعدها على دفع فوائد الودائع نقدا للمودعين لديها لبدء إعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
انهيار الخدمات الأساسية
خلفية
يعاني قطاع الخدمات في اليمن من مشاكل هيكلية متعددة، فقد تركزت الخدمات أساساً في المناطق الحضرية – فعلى سبيل المثال حتى قبل الحرب لم يكن هناك منطقة ريفية في اليمن مرتبطة بشبكة الكهرباء الوطنية إلا بشكل نادر. لكن منذ بداية الأزمة الحالية، أدى عاملان رئيسيان إلى تآكل شبه تام لمعظم الخدمات العامة:
أولاً: الخسارة الشديدة في الإيرادات العامة، حيث توقفت صادرات النفط كلياً أثناء الحرب –وكانت تمثل ثلثي الإيرادات الحكومية– وانخفضت إيرادات الضرائب والرسوم الجمركية في ظل الانهيار الاقتصادي العام, واستجابة لذلك خفضت الحكومة جميع أشكال الإنفاق غير الأساسي في عام 2015، فركزت على توفير رواتب القطاع العام فقط.
ثانيا: توقف رواتب القطاع العام في سبتمبر 2016، بسبب أزمة السيولة النقدية الشديدة. فبحلول مايو 2017 أصبح غالبية موظفي الدولة اليمنية –البالغ عددهم 1.2 مليون موظف– بلا رواتب لأكثر من سبعة أشهر. أدى ذلك بالنتيجة إلى تآكل الخدمات العامة بشكل كلي. على سبيل المثال، هناك تفشٍّ سريع لمرض الكوليرا في عدد من المدن اليمنية، بسبب تكدس النفايات في الشوارع بعد انهيار نظم إدارة النفايات والصرف الصحي؛ بينما خرجت حوالي نصف مرافق الرعاية الصحية العامة في اليمن عن الخدمة، وأدى النقص الهائل في الموظفين والأدوية إلى جعل المرافق الصحية المتبقية تعمل بشكل جزئي فقط. كما ذكرت الأمم المتحدة أن نحو 4.5 مليون طفل قد لا يكمل سنته الدراسية الحالية بسبب تعطل التعليم العام.
وفي ضوء هذه الظروف وفيما يتعلق بانهيار الخدمات، توصل المشاركون في منتدى قيادات التنمية إلى التوصيات التالية: